استرعى انتباهي وأنا أتابع صفحة «فيسبوك» الخاصة بالفيديو أدناه لمجموعة من العسكريين البريطانيين يلقون أوسمتهم وأنواطهم العسكرية في الشارع أمام الكاميرات رفضا للقتل اليومي في سوريا وغيرها ويقولون «لا يمكننا أن نجني السلام ونحن نسفك الدم، لم نعد بحاجة إلى أوسمة والدم يهدر في سوريا والعراق، أوقفوا القصف، هناك أبرياء وضحايا يسقطون جراء ذلك».

https://www.youtube.com/watch?v=hx14OKxelyY

قلت بماذا أسمي هؤلاء أصدقاء أم أعداء أم أنها تمثيلية ماكرة من مخابرات ام آي5 أو  ام آي 6 أو سي آي ايه وتساءلت عن إجابات معظم جمهورنا العربي على سؤال عام مثلاً، ما رأيك في الغرب؟ وتخيلت معظمها وفق تقديري دول ظالمة، كفار … إلخ، وأنا هنا لا أريد تقرير شيء بقدر التفكير في الوعي العربي والإسلامي وقدرته على الفرز والتحليل وموضوعيته وإنصافه.

أعرف أن البعض مصاب بآفة التعميم والذين لا يعرفون من الألوان سوى الأبيض والأسود وهو ما يسيء إلى العقل العربي والاسلامي وإلى عدالته وفكره وبالتالي الانتقال للطعن في منهجه ودينه الذي إن عدنا إليه نجده يضع فروقا دقيقة جدا بين الناس ومواقفهم حتى في لحظات الحروب فيفرق بين الرجل والمرأة والطفل وبين المحارب والمسالم والأسير وبين العابد في صومعته والمقاتل في الميدان وهكذا ولو وجد أمثال أصدقائنا هؤلاء في هذا العصر النبوي الذهبي الشريف لربما تطاولوا على مقام النبوة وعارضوا هذا التفريق الدقيق بين الناس بدعوى أنها لحظة مواجهة حاسمة ومع عدو معلوم العدوان كل ذلك ليشفوا غلهم.

في خضم الغضب الذي أعقب الانقلاب في مصر اكتشفنا هذا الخلل في تفكيرنا ومارس الغالبية الإقصاء والتعميم واحتكار الحقيقة حتى أن أحدنا ليكتب التدوينة يستهلها ب «هؤلاء الحمقى – الجهلاء – …الى آخر هذا القاموس» يقصد مخالفيه في رأيه العبقري ورؤيته الثاقبة. حتى وإن كان ما يتحدث فيه موضوع مركب له أبعاد تجده يختصره هكذا في تدوينة من سطرين مفعمة بالثقة وكل صيغ الجزم والتوكيد.

والأسوأ من هذه الفوضى في العقل ومنطلقات تفكيره التعصب للرأي والإصرار عليه حتى أمام الحجج والبراهين الواضحة وهو ما يضع أي محاور عاقل أمام خيار واحد وهو الانسحاب. وما زاد الطين بلة كما يقولون هو نجومية بعض من هؤلاء والتي لو عرفوا تبعاتها لاستقامت طريقتهم واعتدل مسلكهم فبدلاً من الانجرار خلف رغبات الجماهير وأشواقها في لحظة معينة لحصد الإعجابات والمشاركات يكونون هم مشاعل التنوير وكاشفو الحقائق بالأدلة والبراهين.

في اللحظات الأولى للانقلاب التركي قرأت كثيرا من التدوينات منقسمة بين من يدعي نجاح الانقلاب ومن يلوم ويوبخ أردوغان وحزبه وأنهم نفس العقلية الإسلامية الساذجة في مصر والتي أضاعها حسن الظن بالمؤسسة العسكرية وهنا لا أتحدث عن عموم الناس بل عن بعض رموز «فيسبوك».

بالطبع عادوا من هذه الصدمة السريعة ليقرروا «أيضًا» أن الثعلب الذكي هاكان فيدان رئيس جهاز المخابرات التركية هو من أنقذ أردوغان وأبلغه بالانقلاب وهو من أفشل الانقلاب ولم يلبثوا إلا قليلا حتى تلقوا الصدمة الثانية عندما صرح الرئيس التركي بأن صهره هو من أبلغه بمحاولة الانقلاب بل وزاد أن هناك خللا في جهاز المخابرات. كان هذا الحدث كاشفا إلى أي مدى يمكن أن نذهب بالعقول خاصة عندما لا تكون الحقائق حاضرة وسريعة كما في مثال الانقلاب التركي.

لكن في النهاية دائما هناك الأمل وقد لاحت لي بوارقه عندما قرأت تعليقًا لأحد المدونين أقر بخطأ ما وقع فيه من التسرع في نقل الأحداث في تركيا على أنها نهاية العدالة والتنمية وقال أن ذلك نتيجة إصابتنا بمرض وفوبيا عقب انقلاب مصر مما جعلنا لا نعتقد أبدًا أن هناك انقلابا فاشلا وأن الكثير منعهم الخوف من الصدمة كما حدث في مصر من التعويل على فشل الانقلاب في تركيا ولكي يثبتوا أن قراءتهم سليمة وأفكارهم سابقة تسرعوا بتقرير نجاح الانقلاب التركي وهو ما أوقعهم في هذا الحرج. ولعله يكون حرجًا يؤدي للتحري والبحث والاستقصاء بدلاً من هذه الأمواج المتلاطمة من الظنون أو إثبات الألمعية على حساب الموضوعية والحقيقة.

العقل العربي والإسلامي مشوش بين السطحية والاجتزاء أو بين الابتزاز بأفكار مقولبة وأخرى هوجاء تحتاج إلى إعادة نظر وقراءة أكثر عمقا ويقع العبء الأكبر في إصلاح هذا الخلل على من يتصدر للرأي العام ومن وضعه القدر نجما قبل أن ينضج وتمحصه التجربة فعليه تعويض ذلك بالتعلم والصبر فإنما العلم بالتعلم وقديما قالوا «إذا تصدر الحدث فاته خير كثير».

نمتلئ بالأمل في أن يخرج من أبناء هذا الدين العظيم بهديه القويم وتشريعه الرحيم من يجد مخرجًا للعالم من هذا التيه وأن يوقف آلة القتل العملاقة ويغلق ترسانة الأسلحة الفتاكة والتي لم تعمل بعد ضد المسلمين مدفوعة بنزعات حاقدة لحكومات ظالمة يديرها أفراد مرضى بالسيطرة والتحكم إلا قليل منهم، نعم هذا القليل موجود وإلا لما ظهر أمامنا هؤلاء العسكريون ليقولو «لا» و يرمون الأوسمة رفضا للقتل. في تقديري تحتاج هذه القلة للإشادة والتشجيع حتى وإن كان منهم ذوو أغراض ومآرب أخرى لكن موقفهم صحيح ويستحق الإشادة والتقدير.

وهل يمكننا المساواة بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات أو بين المدنيين والعسكريين حتى بين أبناء الشريحة الواحدة مع اختلاف الثقافات ستجد فروقا كثيرة. التعميم ليس في صالحنا فضلاً عن أنه يفقدك الاعتبار أمام من تآزر معك تحت مظلة الفطرة السليمة. والغرب ليس كله عدو وليس كله صديق وعليك اكتشاف الغث من الثمين بعقل مفتوح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد