ورد في «معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية» للدكتور «جلال الدين سعيد» إن العقل هو» جوهر بسيط مدرك للأشياء وحقائقها»، وأن هذا الجوهر «ليس مركبًا من قوة قابلة للفساد» لأنه «مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله».

وقد تعددت التعريفات في ما يخص لفظ «عقل» عند مجموعة واسعة من الفلاسفة خصوصًا. فذهب هيجل إلى القول بأن «العقل يحكم العالم، وبالتالي فقد سبق له أن حكم ولا يزال يحكم التاريخ كله. ويبقى كل شيء خاضعًا لهذا العقل الكلي، والجوهري، أداة ووسيلة بين يديه. وهذا العقل كامن في الواقع التاريخي ويتكون فيه وبه. وتتألف الحقيقة الوحيدة بالوحدة التي تحصل بين الكلي الموجود في ذاته ولذاته وبين الفردي أو الذاتي».

ويقول الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون: إن «الفيلسوف العقلاني المحض شبيه بالعنكبوت الذي يستخرج كل شيء من ذاته وينسج من لعابه خيوطًا. أما الفيلسوف الحق «فهو لا يشبه… العنكبوت، بل هو كالنحلة التي تجمع الرحيق من الأزهار وتصنع منه عسلًا».

أما العقلانية، فهي «الإقرار بأولوية العقل، وبأن المعرفة تنشأ على المبادئ العقلية، القبلية والضرورية، لا عن التجارب الحسية؛ لأن هذه الأخيرة لا تفيد علمًا كليًا. و«المذهب العقلي مقابل للمذهب التجريبي (Empirisme) الذي يزعم أن كل ما في العقل قد تولد من الحس والتجربة. وتعبر النزعة العقلانية عن الإيمان بالعقل وبقدرته على إدراك الحقيقة والواقع، باعتبار أن قوانين العقل مطابقة لقوانين الأشياء، وأن كل موجود معقول وكل معقول موجود، ومن جهة أخرى، يعتبر المذهب العقلاني (l’intellectualisme) أن كل ما هو موجود فهو مردود إلى مبادئ عقلية، وهو مذهب ديكارت وسبينوزا… الذين يرجعون الحكم بوجه عام إلى الذهن، لا إلى الإرادة، وهو بهذا المعنى مقابل للمذهب الإرادي (Volontarisme) الذي يجعل تأثير الإرادة في الحياة النفسية أعظم من تأثير العقل. وفي هذا السياق يترجم بفظ العقل إلى الفرنسية بلفظ (Intellect) أو Entendement.

بينما تؤمن «المثالية العقلانية» بأن العالم الخارجي ينجم إما عن تطور الذوات المفكرة، العقول الفردية،و إما عن نمو عقلي واع، كلي وشمولي، وإما أخيرًا عن نشوء منظومة أفكار مستقلة عن الأوعية – جمع وعي – لا واعية على الأقل بالنسبة إلى الأوعية البشرية، وتكون بمثابة موضوع لها. إنها حركة الفكر الموضوعي الجدلية». والصواب أن تحقيق وعي شمولي وكلي، يبدو في أول نظرة موضوع «مثالي (idéal)».

إنه كذلك لسبب واحد، وهو كالتالي: إذا عجزت البشرية عن تحقيق سلام شمولي، لن يكون هناك وعي شمولي، ولن تكون هناك بالتالي وحدة كما قال بذلك «هيجل». هذا كل شيء.

الوعي الشمولي؟ إنها في الواقع، ليست مسألة سخرية، بل فهم أكثر عمق وتأمل أكثر دقة، في مدى عظمة المعنى الذي تحيل إليه عبارة « وعي شمولي». إنه ممكن في الخيال فقط. وهذا سيظل عيب البشرية. فـ«من خصائص الحياة أننا لا نستطيع أن نجد فيها عهدًا يخلو من مساوئ. لماذا؟ لأن من خصائص العقلانية الجدلية.

بينما، من القائم – مع إنه أمر صعب يبرز ذلك في دور «المثقف» في المجتمع وعن المسؤولية التي أنيط بها – أن تؤدي الذوات المفكرة، أو العقول الفردية دورًا أكثر فعالية في تحريك الوعي الجمعي. والتغيير لا يأتي سوى من قلة قليلة، والظاهر في مجتمعاتنا العربية إن كل هذه الطوائف التي تدافع عن نفسها بطرق شتى، ترفض الدخول في الحوار، وبالتالي التواصل البناء والسليم، ورفضها التواصل دليل على سوء نيتها، وعدوانيتها، بل حتى أكبر مثقفيها هم في آخر المطاف مرضى، يعانون من عقدة «العائق الأبستمولوجي (L’obstacle épistémologique).

أما في ما يخص الوضع الثالث القائل بنشأة وعي غير واع على الأقل بالنسبة للأوعية البشرية، فإنه نتاج لنفس الأوعية البشرية. وبالتالي فسيظل بمثابة ذلك الطفل غير الشرعي الذي تتبرأ منه الأوعية البشرية، بالرغم من أنه تولد عن حركتها الجدلية.

كذلك نحن البشر، نحن نصاب بالدهشة كلما رأينا صورة لنا قبل عام أو 20 عامًا. فبالرغم من أننا نتعرف ونعرف أن الصورة لنا، وهي تمثلنا، لا نكتفي بالنظر فحسب، إذ تعود بنا كل صورة إلى زمكان ومشاعر وأشياء أخرى، كالشوق والحزن والندم أيضًا. فنغدو بذلك عاجزين عن الحركة، عن التصرف، عن اتخاذ القرار، ليس بأيدينا في تلك اللحظة سلطان، وليس لنا قوة خارقة حتى نغير من ماضينا شيئًا، إنه يحفظ ذكرياتنا ويحصنها بدقة لا متناهية، حتى يحفظ خصوصيتنا. ومشكلة الأوعية غير الواعية انفه الذكر، تكاد تكون نتيجة عشوائية وغير مقصودة لحركة الفكر الموضوعي. وبالتالي تصبح الموضوعية سلاحًا لا يمكن أن يأخذ ذاتية متطرفة مثلًا بعين الاعتبار. فينكب عليها بالنقد واللوم معًا، فتزداد المسافة بينهما في الاتساع وتزداد بذلك إمكانيات نشأة الدغمائية بوصفها إيمان قطعي بالأفكار. فالموضوعية نار لا يتحملها سوى العقلاني الحكيم.

ونظرًا لقيمة الفلسفة المدعوة إلى أن تنتقد، بلا كلل، التجريدات لتقود إلى الملموس… فالأجدر بالفكر والفلسفة العربيين أن ينتقدا مفهوما «العقل العربي» و«العقلانية العربية». لأنهما أصبحا مجرد «تعابير مجردة» وفي طريقها إلى التجرد من كل ثقل دلالي.

نحن لا نبحث عن عقلانية عربية – أو عن عقل – لأنها موجودة. إن كل ما يلزمنا هو محاولة ضم تلك «الأوعية» التي نتجت عن «جدلية الفكر». والحال إنه لا يمكن أن تتحقق الوحدة دون التخلص – بعقلانية» من «الشوائب» واليقينيات» الجماعية» أو الجماهيرية حتى نفتح المجال للسؤال التالي:

من المسئول عن جلب الويلات للأمة؟ أهو نوم المثقف أم لا مبالاة الجمهور؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد