كنت متحمسة جدا للسفر إلى الشرق الأوسط وقضاء إجازتي بين العرب في العالم العربي، وخاصة أني لم أزر أي بلد عربي منذ أن غادرت سوريا مع بداية الأحداث. بعد ما يقارب الست سنوات من الغربة عن الوطن، اشتقت لأشياء كثيرة: لسماع صوت الأذان والتحدث باللغة العربية، لقراءة العبارات العربية الطريفة التي تملأ الشوارع والجدران، لرؤية التراث العربي ومعالم الحضارة العربية.. بالمختصر، اشتقت إلى كل ما هو عربي.

ولكن حماسي هذا قد خف بعض الشيء حين وصلت إلى دبي. بالرغم من أن هذه أول زيارة لي إلى الإمارات، كان لدي تصور عام عما يجب أن أتوقعه، فقد سمعت الكثير عن تطور دبي وحداثتها. وبالفعل رأيت في دبي العديد من مظاهر الحداثة والتقدم، رأيت الأبراج الشاهقة وناطحات السحاب، الفنادق المترفة والجسور الضخمة، المولات وأشهر الماركات العالمية، التقدم الحضاري والتكنولوجي… إلخ. ولكن كزائرة عربية قادمة من أوروبا لم تدهشني معالم الحداثة هذه، فهي ليست بالشيء الفريد أو الجديد كليًا، بقدر ما أدهشني إبداع وتفنن العرب في تقليد الغرب واستيراد حضارته وثقافته. ما رأيته في دبي هو إلى حد بعيد – وليس مطلقًا – نموذج مستنسخ (كوبي بايست) عن الحداثة الأوروبية، نموذج يفتقر إلى حد بعيد إلى الأصالة والتراث العربي والحفاظ على الموروث الثقافي. باستثناء بعض المعالم الإسلامية والتراثية، كالجوامع والمتاحف والكتابات العربية هنا وهناك، لم أشعر أنني في بلد عربي، بل في بلد غربي معرب يتحدث معظم سكانه العرب باللغة الإنجليزية. وجدت إبداعًا في التقليد، ولم أجد الكثير من الابداع والتفرد في إنتاج ما هو جديد، في إنتاج ما هو عربي.

ومن الملفت أن نموذج التمدن الإماراتي هو إلى حد بعيد مقتصر على مستوى التقدم الحضاري والمادي، وليس على مستوى الفكر السياسي والوعي بحقوق الإنسان وحرياته. فلم تستورد الإمارات، على سبيل المثال، المبادئ الديمقراطية الليبرالية الغربية القائمة إلى حد بعيد على أسس الحرية والعدالة والمساواة بين الأفراد بغض النظر عن لونهم وعرقهم وجنسياتهم. فحرية التعبير عن الرأي مازالت محدودة إلى حد كبير في الإمارات، ويبدو هذا جليًا في حظر العديد من المواقع الإخبارية والسياسية كـ«الجزيرة، وميدل إيست أي» وغيرهما، وتقديم خطب الجمعة الموحدة. كما أن مبادئ المساواة بين الأفراد في الإمارات هي أيضا إشكالية، فالحصول على الجنسية الإماراتية لا يزال أمرًا شبه مستحيل، ومازالت هناك تفاوتات شاسعة بين معاملة وحقوق المواطن الإماراتي مع نظيره المقيم، كما أن حاملي الجنسيات الأجنبية ترفع لهم القبعات، ويعاملون معاملة الأسياد؛ لمجرد أنهم أجانب بالمقارنة مع حاملي الجنسيات العربية. (أنتم أسياد العالم هنا)، قال لنا صاحب إحدى المخابز، وهو عراقي مقيم في الشارقة، بعد أن علم بأننا جئنا من أمريكا، ثم أضاف (الإنسان هنا لا يعامل كإنسان).

وبالفعل، لم تطلب منا تأشيرة حين دخولنا بجواز أجنبي، بل أيضًا سمح لنا بالدخول عبر البوابات الذكية المخصصة للمواطنين والمقيمين. هذا الهوس بكل ما هو أجنبي أو غربي وتفضيل الخبرات الأجنبية على العربية، بغض النظر عن الكفاءة والمؤهلات، هو نتيجة طبيعية وتحصيل حاصل لاستيراد ما ينتجه الغرب. فعند شراء الحضارات وليس صناعتها، كما بين الأكاديمي الأمريكي فريد زكريا في حديثه عن دول الخليج في كتاب (مستقبل الحرية)، يقتضي ذلك استيراد الأيدي العاملة والخبرات القادرة والمؤهلة لإدارة هذه الحضارات؛ مما قد يحط من شأن الخبرات والكفاءات العربية، وبالتالي يثبط همم الفرد العربي ويحد من قدرته على الإبداع، وبذلك يبقي الفرد العربي منغمس في دوامة الاستهلاك، وليس الإنتاج.

ليس الهدف من هذا الطرح ازدراء كل ما هو غربي أو غير عربي، أو التقليل من شأن النموذج الغربي كنموذج حضاري متطور وحداثي ناجح، كما أني لا أهدف إلى تقويض الجهود العربية في مساعيها لمواكبة الحداثة والتقدم الحضاري، حيث إننا اليوم في أمس الحاجة إلى نهضة حضارية وثقافية وفكرية شاملة وإلى مشروع تنويري تحديثي جاد. فالإشكالية هنا لا تكمن في التحديث بحد ذاته – الذي يدل على مفهوم الحركة والاندفاع للوصول إلى نموذج ما متطور، بل في قضية الحداثة المستعارة – التي طرحها الكاتب حميد سمير في كتاب: (خطاب الحداثة: قراءة نقدية) – وذلك بأن تتحول عملية التحديث إلى مشروع حداثة مستنسخة تستعير النموذج الغربي وتقلد فكره الجاهز وتتبنى ثقافته.

هذا لا يعني ألا يتأثر العالم العربي بالنموذج الغربي الحداثي، فالاستعارة من الغير والاستنارة بنموذجه الحداثي، كما أكد سمير، هي قضية لا غنى عنها وممارسة تلجأ اليها كل حضارة تريد الارتقاء. ولكن شتان، على حد تعبير المفكر الجزائري مالك نبي، بين الأمة التي تقف أمام إنجازات الغرب موقف التلميذ الذي يريد أن يتعلم (كما فعلت اليابان)، وبين الأمة التي تقف موقف الزبون أو (المستهلك) (كما فعلت – ومازالت تفعل – الأمة العربية)، فالمستهلك الدائم لا يمكن أن يخرج من شروط الهزيمة. والوجود الحقيقي والواقعي لمجتمع ما- كما ذكر علي شريعتي في كتابه: (العودة إلى الذات) – يتكون بالإنتاج الفكري وتكوين الثقافة وصناعة الحضارة، وبهذا الوجود الحقيقي أستطيع عندما أقف في مواجهة الإنكليزي أو الفرنسي أو الأمريكي أو الصيني أن أقول (أنا) كما يستطيع هو أن يقول أنا، ولكل منهما معنى يشير إلى وجود واقعي وعيني ومميزات وقيم معينة.

قد يقول قائل إن طرحي هذا منقوص وغير دقيق، وأن زيارة بلد ما لبضعة أيام غير كافية للوصول إلى استنتاجات عامة، كما أن دبي – دون غيرها من البلدان العربية – مشهورة بكونها نيويورك العرب، ولذلك فمن الطبيعي أن أجد فيها كل هذه المعالم الأوروبية. أقول نعم بالفعل، من الصعب الحكم على بلد ما من زيارة واحدة، ومن المؤكد أن الإمارات يوجد فيها بعض المعالم التراثية التي لم أرها أنا شخصيًا، لكن الهدف من هذا الطرح ليس انتقاد بلد عربي بحد ذاته، بقدر ما هو الإشارة إلى إشكالية عامة تتعلق بمفهوم الحداثة عند العرب. أشرت إلى دبي تحديدًا لأنني زرتها مؤخرًا، ولأنها لطالما صورت على أنها نموذج حداثي عربي ناجح. ومع ذلك أرى أننا مازلنا عالقين – إلى حد بعيد – في مرحلة الاستهلاك المحض، ولم نرق بعد إلى مستوى الإنتاج وصناعة الحضارات. وإذا أردنا أن نمضي قدمًا كأمة، فعلينا أن نبدأ بالبحث عن وجودنا الحقيقي، بدلًا عن تضييع جهودنا في التفنن باستنساخ وجود الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد