الأسطورة هي رواية شعبية قديمة عن الأبطال الخارقين والآلهة وظواهر الطبيعة، ومجموع الأساطير عند أي شعب يُسمَّى مِيثُولُوجيا، والمِيثُولُوجيا ما هي إلا محاولات لتعميم وشرح الظواهر المختلفة للطبيعة والمجتمع.

تعدَّدت المعتقدات الدينية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، فقد كان هناك الموحدون أمثال ورقة بن نوفل وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذُّبياني، وقبائل اليهود مثل بنو النَّضير وبنو كنانة وبنو الحارث بن كعب، كما كان هناك المجوس الذين عبدوا النار، والزنادقة وكان أغلبهم في قريش، والصابئة وهو اسم مشتق من اللغة العبرية ويُشار به إلى من كانوا يُمارسون معمودية التَّفطيس بالماء، هذا بالإضافة إلى النصارى.

أما أكثر العرب فكانوا وثنيين، وهم الذين يعبدون الأصنام ويبنون لها بيوتًا مُقدسة توضع فيها ويُطاف حولها.

كما عرف العرب أيضًا عبادة الحيوانات والشمس والقمر والزُّهرة (نجم الصباح) وتقديس النباتات والجن.

قابلية العقلية العربية لتوليد الأساطير

البيئة الطبيعية في الحجاز كانت عبارة عن بادية ورمل لا نهاية لها؛ وصحراء لا نبات فيها، وساكن تلك البادية مضطر لأن يلجأ إلى مغارات في جبال سوداء ليحتمي بها من حرارة الشمس، ويشُدَّ رحلة بالليل تحت السماء وراء هداية النجوم للبحث عن بقاع خصبة ومراع خضراء.

في هذه البيئة، نشأ العربي عصبي المزاج سريع الغضب، يحب الحرية والمساواة، ويثور على كل سلطة ويهيج من كل شيء تافه، يمتاز بذلاقة اللسان وحضور البديهة واتزان الطبع، ويتصور الأشياء كما هي؛ ولا يسمح لخياله أن يتجاوز حدود الحقائق والمشاهدات.

فالعربي – قبل الإسلام – كان يمتاز بخيال تصوري، أي أنه كان يأخذ شيئًا من المحسوسات؛ ثم يركب منها صورة ليست بجديدة، بل يشاهدها كل ذي عين في عالم المرئيات.

فمثلًا نجد امرأ القيس يُشبِّه فرسه بحيوانات مثله في معلقة له، فيقول:

له أيْطَلا ظبي، وساقا نعامة
وإِرْخَاء سرحان، وَتَقْرِيْب تَتْفُل

حتى فيما يتعلق بفكرة غير مادية كالجن، فسوف نرى العربي لا يستطيع أن يتخيل صورة الجن كما تخيلتها أمم اليونان وفارس والهند، فهي عند هذه الأمم رهيبة ومخيفة ومبنية على مغالاة بعيدة عن القياس، وتركيب أجسادها على خلاف المعهود. لكن العرب توهموا الجن دائمًا في صورة الحيوان، فقد قال الألوسي في (بلوغ الأَرب.. في معرفة أحوال العرب): إنهم -العرب- يعتقدون في الديك والغراب والحمامة والوَرَل -حيوان من الزاوحف- والقنفذ والأرنب والظبي واليربوع والنعام والحية اعتقادات عجيبة، فمنهم من يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلقًا، ومنهم من يزعم أنها نوع من الجن.

وكذلك كان العربي لا يفكر من أين برز العالم وإلى أين المصير، فالزمن عندهم أزلي يدبر نظام العالم ويتوقف عليه يُسر الإنسان وعسره، فقد ورد في القرآن الكريم قولهم: …ما هي إلَّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلَّا الدَّهر…

ويقول السِّجاح بن سباع الضَّبِّي:

لقد طَوَّفت في الآفاق حتى
بليت، وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني ولا يفنى نهار
وليل كما يمضي يعود
وشهر مُستهلٍّ بعد شهر
وحَوْل بعده حول مديد
ومفقود عزيز الفقد تأتي
مَنيَّته، ومأمول وليد

في كتابه (فجر الإسلام)، يورد أحمد أمين ردًّا على من قال أن العربي ضعيف الخيال وجامد العاطفة فيقول: أما ضعف الخيال فلعل منشأه أن الناظر في شعر العرب لا يرى فيه أثرًا للشعر القصصي ولا التمثيلي، ولا يرى الملاحم الطويلة… ونحن مع اعتقادنا قصور العرب في هذا النوع من القول، نرى أن هذا الضرب أحد مظاهر الخيال، لا مظهر الخيال كله. فالفخر والحماسة والوصف والتشبيه والمجاز، كل هذا ونحوه من مظاهر الخيال… كذلك ما مُلِئ به الشعر العربي من الغزل وبكاء الأطلال والديار وذكرى الأيام والحوادث، وما وصف شعوره ووجدانه، وصوَّر به التياع – الْتاع قلبه: احترق من الهم أو الشوق وكانت به لوعة – وهُيَامه، لا يمكن أن يصدر عن عواطف جامدة.

المذهب الحيوي عند العرب

المذهب الحيوي هو نظرة مثالية، تُرْجِع العمليات الحيوية في الكائنات الحية إلى عوامل لا مادية، يطلق عليها بعضهم اسم القوة الحيوية أو الحرارة الحيوانية أو النفس أو الروح.

وترتد أصول المذهب الحيوي إلى أفلاطون وآرائه بصدد النفس، كونها قوة روحية تهيمن على العَالَمين الحيواني والنباتي، وتُمكِّن الإنسان من تعقُّل المعاني الكلية، فهي مبدأ لا مادي قائم بذاته ومُتَمايز عن الجسم. وكذلك إلى أرسطو الذي يرى النفس مبدأ الحياة والأفعال الحيوية في الكائنات الحية، من نبات وحيوان وإنسان، وهي في كلٍّ على قدره.

فهو عند القدماء كان ضرورة لفهم الحياة، فقد قيل إن الإنسان عرف الروح بعدما فكر في بعض التجارب، مثل النوم والحلم والظل والموت، واتسعت عنده الفكرة فهدته إلى معرفة الجن، وما زالت تتسع شيئًا فشيئًا حتى غشى الطبيعة كلها بالأرواح.

كذا تخيل العربي القديم الروح على أنه طائر يخرج من رأس الشخص الذي يموت. فقد قال الألوسي في (بلوغ الأرب): مما كانت العرب كالمجتمعة عليه الهَامَّة. وذلك أنهم كانوا يقولون: ليس من ميت يموت أو قتيل يقتل، إلا وخرج من رأسه هامة، فإذا قتل ولم يؤخذ بثأره، نادت الهامة على قبره: اسقوني فإني صَديَّة (أي عطشانة).

أيضًا يظهر في عقائد العرب القدماء شغف أهل البادية بحكايات مسخ الإنسان حجرًا أو شجرًا أو حيوانًا. قال الأزرقي في (أخبار مكة)، وكذلك قيل أن العربي لم يأكل الضَّب – حيوان من جنس الزواحف – لأنه كان يظنه شخصًا إسرائيليًا ثم مسخ. وفي (صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بضب فأبى أن يأكله، وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت. قال الدميري في (حياة الحيوان): أما حديث الضب والفأر فكان ذلك قبل أن يوحى إليه.

ومما ذكر القزويني في (عجائب المخلوقات.. وغرائب الموجودات) قوله: إن الصفا والمروة كانتا رجلًا وامرأة، ثم مسخا حجرين.

أيضًا فقد رأى العرب في النبات حياة كحياتهم، فكان اعتقادهم في الرَّتَم – نبات صحراوي – والنخيل أنهم مثلهم، فكان يضربه إذا لم يثمر، وكان يجعله رقيبًا وحارسًا على زوجته مدة غيابه، ذلك إلى أن وصل به الحال لتقديس النبات، حيث كان يرى في شجر الحَمَاطَة الذي تسكنه الحيات، مسكنًا للأرواح الشريرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد