للاطلاع على الجزء الأول من المقال اضغط هنا.

المذهب الطوطمي عند العرب

الطَوْطَم هي لفظة منسوبة إلى لغة هنود أمريكا، ويُراد بها تلك الكائنات -حيوانات أو نباتات- التي تحترمها بعض القبائل المتوحشة أو البدائية، إذ يعتقد أفراد القبيلة بعلاقة نسب بينهم وبين طوطمهم، فهو يقوم بحمايتهم وهم يقدسوه، فإذا كان حيوانًا فلا يُقدِم أحد على قتله، ولو كان نباتًا فلا يقطعه ولا يأكله إلا في الأزمنة الشديدة.

يقول بربرت استيد: إن الطوطمية بدأت من سوء تفسير الألقاب. فهو أراد أن يقول إن البدائيين سمُّوا أنفسهم بالأشياء الطبيعية التي اختلطت بأسماء الأسلاف، ثم تقدست تلك الأشياء مع تقديس الأجداد عبر الزمن.

والناظر في طقوس القبائل وسط أستراليا، يمكن أن يقول إنها نظام قائم على قواعد الشعوذة والسحر.

على الجانب الاجتماعي، يظهر الطوطم عاملًا داعمًا للروابط بين أفراد القبيلة الواحدة، فعند هنود أمريكا مثلًا قبيلة تدعى الذئب، يعتقد أفرادها أنهم سليل جد واحد وهو حيوان الذئب.

في كتابه «الطوطم والحرام» يشير رائد علم النفس التحليلي سيجموند فرويد إلى أن نشأة عبادة الحيوان جاءت بعدما قام الابن بقتل أبيه «عقدة أوديب»، فاختلطت عنده مشاعر الذنب وتأنيب الضمير بالخوف من روح الأب التي ستعود وتنتقم، وما إن سمع الابن القاتل صوت أحد الحيوانات بالليل؛ حتى علَّل بأن روح الأب قد حلَّت في ذلك الحيوان، مما جعل الابن -الذي أصبح زعيمًا للقبيلة- يقدس ذلك الطوطم ويقدم القرابين له.

والخُلاصة، أن بدء الطوطمية متعذر تحديده؛ لبعدها عن بداية التاريخ، وكل ما نعرفه عنها هو أن بعض الأمم المتوحشة كانت تقدس النبات والحيوان «علاقة دينية»، ذلك إلى جانب اعتقادها بعلاقات بينها وبين الحيوان المنسوبة إليه «رابطة اجتماعية».

قديمًا، سمَّى العرب أنفسهم بأسماء حيوانات، مثل حيدر وأسامة وهَرْثَمَة وذؤلة وكلثوم والهيثم وعِكْرِمة، والقبائل مثل بنو أسد وبنو جَعْدَة وبنو ضب وبنو فهد، وبنو كلب المنسوبين إلى كلب بن وبرة.

فكانوا يعتقدون أن الإنسان والحيوان أخوة بالدم، فقد نقل الدميري في «حياة الحيوان» خرافة تقول: في العرب قوم يقال لهم الضبعيون، لو كان أحدهم في قفل فيه ألف نفس وجاء الضبع، لا يقصد أحدًا سواه.

وإذا مات حيوان من نوع طوطم القبيلة؛ احتفل أهلها بدفنه وحزنوا عليه، إذ يؤيده من أن بني الحارث كانوا إذا وجدوا غزالًا ميتًا يغطونه ويكفنونه ويدفنونه، وكانت القبيلة تحزن عليه ستة أيام.

كما كان يُعتقد أن الطوطم يدافع عن قبيلته في ساحة القتال، وينذر أصحابه بالخطر قبل وقوعه، كما تذكر أسطورة عن الصنم الطوطمي «يغوث» الذي يدافع عن قبيلته بساحة القتال، كما قال الشاعر:

وسار بنا يغوث إلى مراد
فناجزناهم قبل الصباح

أيضًا، فقد كانوا أحيانًا يُحرِّمون التلفظ باسم الطوطم، بأن لقبوا الأسد بأبي الحارث والثعلب بابن آوى والضبع بأم عامر والغراب بحاتم.

كما كانوا يعتقدون بأن الطوطم يحميهم من خطفة الجن وحسد الأنس، كما ذُكر في لسان العرب: إنهم كانوا يسمون الأولاد باسم الحيوان ظنًا منهم أنه يحفظهم من أعين الأنس والجن.

هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا يقدسون الحيوان ويعبدونه لتحصل لهم البركة في العموم، كما ذكر الدميري في «حياة الحيوان»: أن العرب كانوا يأتون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيأخذها، فيأخذون أخرى مكانها.

ولكن نادرًا ما نحت العربي صنمًا على شكل حيوان، لأنه كان يجهل صناعتي النحت والرسم، وما الأصنام التي وجدت على شكل حيوان إلا مَأْتيٌ بها من خارج الجزيرة، كنسر الذي عبدته حمير، ويغوث الذي كان على شكل الأسد وعُبِدَ في اليمن.

عبادة الأصنام

الصنم أو الوثن هو تمثال أو رمز لإنسان أو جني أو ملاك، يصنعه الإنسان ليعبده ويتخذه إلهًا، ويتقرب إليه بالتذلل والخضوع.

وقد فرَّق بعض المفسرين بين الصنم والوثن فقالوا: إن الوثن هو ما صُنِعَ من الحجارة، والصنم ما صنع من مواد أخرى كالخشب أو الذهب أو الفضة أو غيرها من الجواهر، وقال البعض: إن الصنم ما كان له صورة أما الوثن فهو مالا صورة له.

لقد ثبت أنثروبولوجيًا تعامل الشعوب مع أرواح الكائنات «المذهب الحيوي» بغية استدرار عطفها أو تلافي سخطها. يقول سبنسر: إن عبادة السلف أساس الأديان جميعًا.

كما يقول جواد علي في موسوعته «المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»: كانوا يقدمون للميت كل ما يظنون أنه يرضيه، تفاديًا لخطره، وطمعًا في رضاه، حتى ليضربوا الأعناق إذا كان ذلك ما يَسرُّه.

وهذا بدوره ينقلنا إلى الرواية الدينية التي تقول إن عبادة الأصنام بدأت عندما أراد الأبناء تعظيم أرواح موتاهم من الأجداد الصالحين، ففي كتابه «الأصنام» يقول ابن الكلبي: كان بنو شيث يأتون بجسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل، إن لبني شيث دُوَّارًا يدورون حوله ويعظمونه، وليت لكم شيء، فنحت لهم صنمًا فكان أول من عملها.

ثم عبد قوم نوح الأصنام، إذ بنوا أصنامهم لخمسة أشخاص صالحين ماتوا في شهر، وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كما يقول الله في القرآن في سورة نوح «وقالوا لا تَذَرُنَّ آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سُواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا». ثم أنه لما حصل الطوفان، اندفنت تلك التماثيل حتى استخرجها عمرو بن لُحي ونشر عبادتهم بين العرب، بعدما وجدهم مدفونين في ساحل مدينة جدة.

ذكرنا أن العرب لم يعرفوا صناعتي النحت والرسم قديمًا، وأهم أصنامهم –كما سنرى– مُسْتوردة من الخارج، والسؤال: هل كانت للوثنية جذور في العقلية العربية؟

يقول ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السلام، أنه كان لا يظْعن – يسير ويرتحل – من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد، إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه.

أيضًا يروي الألوسي مظهرًا من مظاهر الوثنية البدائية في كتابه «بلوغ الأرب» فيقول: كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه؛ نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا، جمعنا حفنة من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به.

هذه أمثلة لأوثان ذات أصول عربية:

سَعد: كان عبارة عن صخرة طويلة يُرَاق عليها الدماء بساحل جدة، تعبدت عنده قبائل مثل قُضَاعة وعك.

ذو الخَلَصة: كان يسمى أيضًا الولية والعملات، وهو عبارة عن بيت كالكعبة، كان يعظمها العرب ويقتسمون عندها، كما قيل أن امرأ القيس لما خرج يطلب ثأر أبيه، استقسم عنده فخرج له ما يكره، فسب الصنم ورماه بالحجارة وأنشد قائلًا:

لو كان ياذ الخلص الموتورا
مثلي، وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا

وتلكم بعض الأمثلة لأهم الأصنام ذات الأصول غير العربية:

هُبَل: هو من لفظة لا اشتقاق لها في العربية، وإنما أصله عبراني أو فينيقي من «هبعل» بمعنى السيد.

قال ابن هشام صاحب السيرة: حدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما آب «أي عاد» من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق، ويقال: ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: ألا تعطوني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنمًا يُقال له: هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.

وقال ابن الكلبي في كتاب «الأصنام» واصفًا شكل الصنم: كان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدًا من ذهب.

وهو الذي كان يقصده عمرو بن لحي حين قال: إن ربكم يتصيف باللَّات لبرد الطايف، ويشتو بالعُزَّى لحر تهامة.

اللَّات: هي كلمة قديمة وردت في الأدب البابلي، وهي اسم إله من آلهة البابليين، وكان في الطائف. يروي ابن الكلبي في «الأصنام» أنه عبارة عن صخرة مربعة.

العُزَّى: هي نفسها عِشْتار عند البابليين، فقد كانت – عشتار – في البداية تُمثِّل فصل الشتاء في أسطورة تموز البابلية، وقد كان لها –العزى– علاقة بالشتاء عند العرب من قولهم: إن ربكم يشتو بالعزى لحر تهامة. وهي أعظم الأصنام عند قريش، حيث كانوا يزورونها ويذبحون عندها في منحر لها يسمى الغَبْغَب.

مناة: هي لفظة مأخوذة من المادة الصرفية (م ن ن) فهي بضم الميم بمعنى القوة، وبفتحها بمعنى القطع أو النقص.

فهي بنت الإله عند العرب، كما يقول الله «ألكم الذكر وله الأنثى»، وكان على شكل امرأة عليها سيفان، أهداهما إليها الحارث بن أبي شمر الغسَّاني، فوجود السيفين يشير إلى العدالة والإنصاف عند أهل البادية.

الله عند العرب قبل الإسلام

يقول الله تعالى في القرآن الكريم عن مشركي قريش: «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله».

ولكن، هل كان العرب يعرفون الله غير المُتَحيِّز الذي لا تدركه الأبصار والذي ليس كمثله شيء؟ أو هل كان يعلم العرب صفات الله وأفعاله – جل شأنه– قبل أن يوحي بها للرسول؟

قبل الإجابة، دعونا نعرف أصول كلمة الله في اللغة العربية. يقول فخر الدين الرازي في تفسيره للقرآن: يُقال إن الله هو المعبود بحق أو بباطل، ثم غلب في عرف الشرع على المعبود بالحق، وقيل إنه مشتق من الوله، وهو ذهاب العقل، ومن لاه إذا ارتفع، ومن أَلِهَ في الشيء إذا تحير ولم يهتد إليه، ومن لاه يلوه إذا احتجب. لكن المذهب المختار عنده أن هذا اللفظ علم لله تعالى، وأنه ليس مشتق البتة.

وضحنا قبل ذلك أن المخيلة العربية كانت لا تتعدى حدود عالم المادة والمحسوس، بل إنها في أقصى صورها كانت تصف شيئًا مرئيًا بآخر مرئي أيضًا، ورأينا كيف عجزوا عن تصور الجن أو الروح – وهي مفاهيم ميتافيزيقية – بغير ما يرونه في عالم الحس من حيوانات وطيور.

يذكر ابن الكلبي في «الأصنام» مقولة أوس بن حجر: باللات والعزى ومن دان دينهما وبالله، إن الله منهن أكبر. واضح هنا أنه لم يعرف لله ذاتًا مُغايرة عن ذات الأصنام التي يراها، بل استنتج أنه أكبر منها فقط. ولكن، من يكون يا ترى الله الذي اعتقد فيه العرب قبل الإسلام؟

يستنتج جواد علي في «تاريخ العرب قبل الإسلام» أن إله القمر في التراث العربي الديني القديم قد استخلص منه بعض العرب في الجاهلية اسم الله وعبادته بعد توحيد ثلاثة معبودات فلكية، هي القمر والشمس وعثتر.

وينقل جواد علي أيضًا ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن هبل هو رمز إلى الإله القمر، وهو الله عند الجاهليين، وكان من شدة تعظيم قريش له أنهم وضعوه في جوف الكعبة، وأنه كان الصنم الأكبر في البيت.

ولعل ما دار من حوار بين الصحابي الزبير بن العوام وأبي سفيان بن حرب يوم فتح مكة فيه من التأكيد على أن الجاهليين لم يعرفوا الله المتعالي عن جملة ما في هذا العالم، عندما قال الزبير: يا أبا سفيان، قد كُسِرَ هبل، أمَا إنك قد كنت منه يوم أُحُد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك؟ فقال أبو سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام، فقد أرى أنه لو كان إله مع محمد غيره لكان غير ما كان. يظهر من هذا أن إله الرسول في عقيدة أبي سفيان أصبح أقوى من إله قريش هبل، ولذلك تغلب عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد