جاء في الحديث الشريف تقرير أفضلية الأمة الإسلامية في قرونها الأولى على ما تلاها،  وليس في هذا التقرير ما يخالف وجهة التاريخ الصحيحة. لأن القرون الأولى في كل حضارة هي جذورها التي منها تستمد مادة حياتها فتنمو ثم لا تزال تأخذ في النماء حتى تأتي بالثمار اليانعة. هذه هي الحيثية التي تستحق منها القرون الأولى أفضليتها، وربما كانت العصور اللاحقة أكثر استقرارًا وازدهارًا ولكنها كذلك لأنها قطفت الثمرة بعد أن مرت عليها الأيام وأنضجتها التجربة التي اصطلى بنارها الأولون رغمًا عنهم.

وماذا ينتظر من أمة كأمة العرب حديثة العهد بنظام الدولة والخضوع لمبادئ الشريعة والقانون إلا أن تكون عرضة لفتن السياسة وتقلبات الأيام؟ هكذا هي طبيعة الأشياء، فإذا قررنا هذه الطبيعة فلسنا بالضرورة نبرر السلبيات ولكننا نستقيم بالرأي على جادة الصواب.

 فإذا قال قائل: إن هذا الحديث أكذوبة لأنه يعطي الأفضلية لزمن بصرف النظر عما هو في واقع الحال من الصلاح أو الفساد، وإن القرون الأولى ليست من الخيرية في شيء لما نرى فيها من الخلل ابتداءً بكثرة المنافقين في عهد الرسول عليه السلام مرورًا بوقوع القلاقل والاضطرابات في عهد الصديق انتهاءً بمقتل عثمان بن عفان فنشوب النزاع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.

قلنا: هذه نظرة عجلى، فيها من التسطيح الكثير. خذ مثلًا فرنسا، كانت تحت سلطة الاستبداد في عصر التنوير الذي مهد الطريق إلى الثورة الفرنسية ثم إلى عصر الحرية، اسأل نفسك: أيهما أفضل فرنسا عصر التنوير أم فرنسا عصر الحرية؟ النظرة العجلى ترى الأفضلية لعصر الحرية حيث لا استبداد ولا فتن الثورة. أما النظرة المتئدة فتعطي الأفضلية لعصر التنوير على ما فيه من السلبيات حيث إنه العصر الذي وجدت فية قلة من الرجال والنساء العظماء عبدوا الطريق إلى الحرية.

وكذلك يقال في القرون الأولى من الإسلام حيث وجد فيها قلة من العظماء وهم الصحابة وضعوا الأسس لحضارة إسلامية عظيمة.

وهذا هو نص الحديث (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم…)، وهو واضح في أن الخيرية لا تختص بزمن بما هو زمن بل بمن وجد فيه من الأخيار وإن كانوا قلة من الناس العظماء. كأولئك النفر من الصحابة الذين تخرجوا في مدرسة النبوة.

ولعل مكذب الحديث قد زلت قدمه في الفهم لأنه لم يفرق بين عصر وآخر فقاس عصور التحولات الكبرى على غيرها من العصور وهو قياس مع الفارق، فإن الفتن مثلًا تقع إبان الثورات عشية التحولات الكبرى وتقع إبان انحلال الدول. وشتان بين العصرين.

ثم سبب آخر في سوء الفهم وهو قلة الاطلاع فيما يبدو لنا، فإنه مثلًا يؤكد أن علماء السنة وضعوا تعريفًا للصحابي يهمل سيرته وأفعاله وصدق إيمانه فعرفوه بأنه (من صحب النبي عليه السلام أو رآه)، فيدخل فيهم بزعمه المنافقون والمفسدون، ولكن الحق في ذلك أن علماء السنة اختلفوا في تعريف الصحابي، يقول العلامة محمد رشيد رضا ﻭ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺬ‍ﻱ‍ ‍ﺃ‍ﺭ‍ﺍ‍ﻩ‍ ‍ﺃ‍ﻥ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻘ‍‍ﻮ‍ﻝ‍ بعدﺍ‍ﻟ‍‍ﺔ ‍ﺟ‍‍ﻤ‍‍ﻴ‍‍ﻊ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺼ‍‍ﺤ‍‍ﺎ‍ﺑ‍‍ﺔ ‍ﻋ‍‍ﻠ‍‍ﻰ ‍ﺍ‍ﺻ‍‍ﻄ‍‍لاﺡ‍ ‍ﻣ‍‍ﻦ‍ ‍ﻟﺎ ‍ﻳ‍‍ﺸ‍‍ﺘ‍‍ﺮ‍ﻁ‍ ‍ﻓ‍‍ﻲ‍‍ ﺍ‍ﻟ‍‍ﺼ‍‍ﺤ‍‍ﺒ‍‍ﺔ ‍ﻃ‍‍ﻮ‍ﻝ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻌ‍‍ﺸ‍‍ﺮ‍ﺓ، ‍ﻭ‍ﺗ‍‍ﻠ‍‍ﻘ‍‍ﻲ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻌ‍‍ﻠ‍‍ﻢ‍ ‍ﻭ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺘ‍‍ﺮ‍ﺑ‍‍ﻴ‍‍ﺔ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻨ‍‍ﺒ‍‍ﻮ‍ﻳ‍‍ﺔ ‍ﺇ‍ﻓ‍‍ﺮ‍ﺍ‍ﻁ‍ ‍ﻳ‍‍ﻘ‍‍ﺎ‍ﺑ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍ ‍ﻓ‍‍ﻲ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻄ‍‍ﺮ‍ﻑ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍مقابل ‍ﻟ‍‍ﻪ‍ ‍ﺗ‍‍ﻔ‍‍ﺮ‍ﻳ‍‍ﻂ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺸ‍‍ﻴ‍‍ﻌ‍‍ﺔ ‍ﻓ‍‍ﻲ‍ ‍ﺗ‍‍ﻌ‍‍ﺪ‍ﻳ‍‍ﻞ‍ ‍ﻧ‍‍ﻔ‍‍ﺮ ‍ﻗ‍‍ﻠ‍‍ﻴ‍‍ﻞ‍ ‍ﻣ‍‍ﻨ‍‍ﻬ‍‍ﻢ‍). (1)

قال المازري في «شرح البرهان»: لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول – كلّ من رآه صلّى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يومًا ما، أو زاره لمامًا، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه، واتبعوا النور الّذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.(2)

جملة القول إن عصر الرسول عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم هو خير العصور وإن كانوا قلة في جانب غيرهم من المسلمين ممن هم دونهم في مستواهم الأخلاقي، وإن كان عصرًا وقعت فيه الفتن والاضطرابات لأنه عصر استثنائي كغيره من عصور التحولات الكبرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1)مجلة المنار ج22ص502
الإصابة في تمييز الصحابة ج1ص163
عرض التعليقات
تحميل المزيد