«الإنسان وحده هو الموجود الحقّ، إن الإنسان هو ذلك الموجود الذي يتميز وجوده بقدراته على الوقوف المنفتح في اللاتحجب، أي في نور الوجود الذي هو ملقى فيه، وإن كان الوجود في الوقت ذاتهِ هو وجود الموجود». هايدغر

برز في الفترة التاريخية 1952-1970 مشروع سياسي حديث في الممارسةِ والخطاب. مشروع جمال عبد الناصر يُعبّر عن الممارسة في البُعد الماديّ للمشروع، بمعنى المُكتسبات والإنجازات الماديّة. وأيضًا التعبير عن الخطاب يكون في البُعد الأنطولوجي للمشروع، صياغة الوجود النفسي والذهني للفرد العربي، لإعطائهِ الحق في الحياة والاستمراريّة. البُعد الأنطولوجي لمشروع جمال عبد الناصر، يُفسّر لنا الحالة الجماهيرية التي متّنت وأعانت المشروع الناصريّ. وهذا ما سنُعطيه مركز اهتمامنا في المقالِ.

عودة الروح

مشروع جمال عبد الناصر قدِم من أجل أن يتعامل مع التحديّات العربية جمعاء، ويجد لها توليفة خلاص. واستطعتُ أن أقرأ مشروع جمال عبد الناصر في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي عودة الروح. بمعنى همّ جمال عبد الناصر الأول هو إعادة الروح العربيّة، الإيمان العربي, لكي يكون في الإمكان النهوض من جديد.

ثلاثة أحداث رئيسة في مِصر الناصريّة أعادت الروح العربيّة. في سبتمبر (أيلول) 1952 وضعت مِصر أول قانون من أجل العدالة الاجتماعية، قانون الإصلاح الزراعي الذي ينص على تحديد الملكيّة الزراعية للأفراد، وبذلك القانون سمح وأعاد أملاك زراعية للفلاح المعدوم، الإصلاح الزراعي أعاد للفلاح الحقّ في أن يكون إنسانًا مستقلًا، الملكيّة الاقتصادية هي ما أعاد صياغة حريّة الفرد الفلاح. إعادة صياغة الفرد تتطلّب أيضًا صياغة للجمعيّة، للشعب. الحدث الثاني والثالث في مِصر الناصريّة من أجل صياغة الفرد الفلاح في إطار الشعب المصري والانطلاق من إطار الشعب المِصري إلى الهوية العربية.

يونيو (حزيران) 1956 الحدث الثاني، جلاء القوّات البريطانية كما حُدد في اتفاقية الجلاء عام 1954. بعد أمدٍ طويل من الثوراتِ والتحرّكات السياسيّة منذ عام 1882 الثورة العُرابيّة إلى 1921 ثورة سعد زغلول والكثير  من المفاوضات السياسية من أجل الجلاء، مِصر الناصريّة أنهت العناء، وتمّ جلاء آخر جندي بريطاني في عام 1956. وفي العام ذاتهِ يوليو (تموز) 1956 لقد صدر قرار تأميم قناة السويس، الحدث الثالث وهذهِ الكلمات الأولى في الخطاب: باسم الأمة.. رئيس الجمهورية.. مادة ١: تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية.

وهذهِ الكلمات أحدثت صدى عالميًّا، أحدثت هذهِ الكلمات العدوان الثلاثي على مصر. استطاع جمال عبد الناصر في خطابهِ في الأزهر الشريف أثناء العدوان توظيف الأحداث الثاني والثالث من أجل صياغة الفرد في إطار الجمعيّة، الشعب: إن شرف.. شرف الوطن – أيها المواطنون – لا يتجزأ.. إن شرف الوطن كتلة واحدة.. جزء واحد.. شرف الوطن في بورسعيد كشرف الوطن في القاهرة. إننا لا يمكن أن نتنازل عن شرفنا. وهكذا تمت عودة الروح.

أنطولوجيا العُروبة

«ولقد كنت أقول لكم دائمًا: إن الأمة هي الباقية، وأن أي فرد مهما كان دوره، ومهما بلغ إسهامه في قضايا وطنه، هو أداة لإرادة شعبية، وليس هو صانع هذه الإرادة الشعبية». جمال عبد الناصر

العُروبة عند جمال عبد الناصر أداة أيديولوجية من أجل صياغة الجمعيّة العربية، صياغة الجمعيّة العربية هي المرحلة الثانية في مشروع جمال عبد الناصر. الجمعيّة العربية تبلورت من خلال العلاقة الإيجابيّة مع الدين، وهذا ما سيعطيه البعد الأنطولوجي. في هذهِ المرحلة سنسلّط الضوء على تكوين الجمعيّة العربية، العروبة وكيف استطاع جمال عبد الناصر تحويل العروبة إلى تيّار أنطولوجي يقوم على الإيمان.

سنحاول في البداية فهم العلاقة بين الدين والقومية عند عالم الاجتماع إميل دوركايم؛ لكي نستطيع فهم مشروع جمال عبد الناصر في مجال علاقة الدين والقومية العربية. يُعرّف دوركايم الدين بأنه منظومة مُعتقدات وممارسات تتعلّق في المقدسات والتي تُعطي إمكانيّة توحيد مجتمع تحتِ هذهِ المنظومة. وتخلق هذهِ المنظومة رموز وطقوس لكي تفرض استمراريّتها. هذا الفهم للدين يُمكّن دوركايم من فهم القوميّة عبر المقاربة الوظيفيّة. بمعنى القوميّة هي منظومة مُعتقدات وممارسات تُشغل نفس الوظائف التي كان يُشغلها الدين، ويفسّر ذلك دوركايم في التكامل ما بين الدين والتطور إلى القومية. هذهِ المقاربة لتحديد العلاقة بين الدين والقومية تبدو واضحة أكثر في النموذج العربي للقوميّة والدين.

جمال عبد الناصر يُعبّر في خطابهِ عن العروبة بكلماتِ الإيمان: سننتصر بعون الله بفضل العالم العربى، وبفضل إيمان العالم العربى، وبفضل قوة الشعب العربي. بفضلكم أنتم – أيها الإخوة – انتصرنا في بورسعيد، وسننتصر في كل المعارك بعون الله وبقوة إيماننا، وبثقتنا بالله وثقتنا بأنفسنا وثقتنا بوطننا. هذهِ الكلمات تُعطي الشعب الحافز الأنطولوجي، أي الحافز الغير مادّي للنهوض. وفي خطابٍ آخر يظهر لنا العلاقة الوثيقة بين الدين والقومية في العُروبة: إن الإيمان بالله والأديان السماوية لا ينبغي أن يكون مجرد قشرة خارجية أو مظهرية، لأن الدين عدا أنه عقيدة فهو سلوك في الحياة ومبادئ للأخلاق والعلاقات مع الناس. وهكذا يبني جمال عبد الناصر مشروعه على أسس الدين، لكي يُعينه على حشد الطاقات البشريّة الهائلة من أجل إتمام المشروع.

ثلاثية العدوّ وتبلور الوحدة

إتمام المشروع، يكون عبر تحديد جهات العدوّ التي تهدد المشروع وإمكانيّة الردع والدفاع عن الوجود. جمال عبد الناصر استطاع صياغة ثلاثية العدوّ التي تُعبّر عن الرجعية العربية، الصهيونية والاستعمار التي تُعبّر عن التهديد المادّي وأيضًا الأنطولوجي للمشروع الناصريّ. التهديد المادّي يكون في الأساس تهديدًا عسكريًّا واستخباراتيًّا. أما عن التهديد الأنطولوجي يكون ضربًا للمعنى والإيمان في العُروبة.

التحديد العدوّ يكون من أجل تدعيم المشروع، استمراريّة العمل والنهوض تتعلق في الحاجة للنهوض. جمال عبد الناصر استطاع صياغة الحاجة من خلال ثلاثية العدوّ: الرجعيّة العربية هي تؤدي وظيفة التآمر من الداخل. والصهيونية تمثّل المرض الخبيث في جسم الأمة الذي ينهش فيها من الداخل. والاستعمار عند جمال عبد الناصر هو من يُدير ويدبّر من أجل ضمان استمرار الرجعيّة العربية والصهيونية، وفي الكلمات التالية يُلخص جمال عبد الناصر هذهِ العلاقات الشائكة:

«إننا بهذا نوضح موقفنا، ونكشف الرجعية العربية في جميع أنحاء الوطن العربى.. الرجعية العربية تتعامل مع الاستعمار، والصهيونية تتعامل مع الاستعمار، فكيف تحارب الرجعية العربية ضد الصهيونية؟! لا يمكن للرجعية العربية التى تتعامل مع الاستعمار، والتي تدخل ضمن مناطق نفوذ الاستعمار أن تحارب إسرائيل، لابد للرجعية العربية أن تسير في مخططات الاستعمار، وهي أن تحارب قوى النضال العربي، وقوى الثورة العربية التي تعمل على تخليص الأمة العربية من مناطق النفوذ الاستعمارية».

هكذا يخلق جمال عبد الناصر المشروع، من خلال إعادة الروح العربية، وبعد ذلك صياغة العروبة في مفاهيم أنطولوجية لضمان الحشد والاستمرار، ثمّ تحديد أعداء المشروع لإعطاء الشرعيّة، وأيضًا بناء الوحدة العربية التي ستواجه ثلاثية العدوّ الرجعيّة العربية، الصهيونية والاستعمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد