بعد انهيار المعسكر الشرقي وزوال المنظومة الاشتراكية وإعادة تأسيس نظام عالمي جديد على أساس الأحادية القطبية وانتشار الفكر الليبرالي، أصيب اليسار العربي بجمود راكد، وتحولت الماركسية إلى عقيدة جامدة، وتبددت نظرية (حتمية الحل الاشتراكي) التي تنبأ بها ماركس لعقود، ويمكن تصنيف اليسار العربي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى ثلاثة فئات:

فئة أولى: ما زالت غارقة في أبراجها العاجية، ومتشبثة بنظريات المادية الجدلية والصراع الطبقي وتفسير التطور التاريخي للمجتمعات على أساس المنطق الجدلي، ووحدة صراع المتناقضات وحتمية الحل الاشتراكي للبشرية، وما زالت توظف نفس المفاهيم والأدبيات مثل (تعبئة القوى الجماهيرية) والنضال ضد البورجوازية والرأسمالية العالمية، (رغم أن التجارب أثبتت أن الاشتراكية لن تستطيع الترسخ في مجتمع ما إلا بالبطش والقوة والأجهزة البوليسية والمخابراتية، ورغم أن روسيا تخلت عن هذا الفكر وأصبح في الزمن الغابر، فما زال هؤلاء يعيشون في عالمهم الخيالي)، (الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي … الحزب الاشتراكي الموحد والنهج الديمقراطي نموذجا في المغرب)

الفئة الثانية: ترى في الاشتراكية العلمية إطارا مرجعيا لها أو مرجعية أيديولوجية، ولكنها قبلت بمبدأ المناورة والبراغماتية، وأن يكون المرء إيجابيا نوعا ما، وفضلت خيار المشاركة في العملية السياسية في ظل نظام سياسي (رأسمالي) بعد هذه المتغيرات العالمية وانتشار الفكر الليبرالي وسيادة المفاهيم الليبرالية كحكم الأكثرية وفصل السلطات والحقوق المدنية والانفتاح على الأسواق المالية، (نموذج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب)

الفئة الثالثة: هم الذين انقلبوا على أعقابهم وغيروا جلابيبهم حسب ما تتجه إليه مصالحهم، وأصبحوا يتبنون جميع مفاهيم الديمقراطية الليبرالية كالاقتراع، وفصل السلطات، وسيادة القانون، وضمان الحريات الفردية، بعد أن ناضلوا ضد هذه المبادئ لعقود طويلة، وكانوا يرون أنها أفكار ومبادئ رجعية.

 

القوميون العرب بعد الربيع العربي

  1. بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في بداية سنة 2011، رحب القوميون العرب بكافة تياراتهم بهذا الحراك الشعبي، واستبشروا به خيرا، ورأوه ضربة للأنظمة المتأمركة، باعتبار أن نظام مبارك وبن علي من الأنظمة الرأسمالية والعميلة للإمبريالية العالمية، ووجدوا فيه متنفسا للتعبير الترويج لأديباتهم الغابرة بعد ركود استمر لعقدين من الزمن، بل وصل الأمر ببعض هؤلاء من ادعى أن القوميين وحدهم كانوا الطليعة النخبوية التي قادت هذه الثورات، رغم أن العمود الفقري لهذه الثورات كان أغلبهم من الشباب اللامنتمي، الذين تذمروا من استبداد هذه النظم وخرجوا يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
  2. وحتى لا نظلم أحدا، فقد شاركت حقا بعض الأحزاب والتيارات الثورية والقوى الاشتراكية أثناء هذا الحراك الشعبي الذي اندلع في كل من تونس ومصر (حركة 20 فبراير شاركت فيها بعض القوى اليسارية كالنهج الديمقراطي واليسار الاشتراكي الموحد).
  3. ولكن ما إن اندلع الربيع العربي في ليبيا وسوريا، حتى أصبحنا نرى تغيرا على مستوى الخطاب، وبدأت حملة التشكيك والتخلي عن المواقف السابقة باعتبار هذه الأنظمة تنتمي إلى محور المقاومة والممانعة وتمثل نموذجا للنظم الثورية في مواجهة الإمبريالية العالمية، وكان من أبزر هؤلاء: حمدين صباحي ومصطفى بكري وعادل جوجري وعبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي الذي يبرر جرائم النظام السوري ويرى فيه نظاما ممانعا يشكل خطرا على الصهيونية وعلى الأمن القومي الإسرائيلي، ويلقي باللوم على الثوار والمعارضة ضاربا عرض الحائط بالمجازر الدموية لهذا النظام، وكذلك (المغربي خالد السفياني الذي ملأ السماء صولة وجولة دفاعا عن القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع، ولكن ما إن اندلعت الثورة السورية غير الرجل موقفه باعتبار أن هناك مؤامرة كونية عالمية تتربص بسوريا).

    وهذه أبرز ملامح تصريحات القوميين:

  • الربيع العربي مؤامرة ماسونية صهيونية بعد أن كانت حراكا ثوريا وهبة شعبية.
  • الهدف من هذا الحراك هو تقسيم المنطقة العربية على أساس كانتونات ومناطق.
  • التكفيريون والإسلاميون هم أبرز أدوات تنفيذ هذا المشروع.
  • تركيا وقطر وقناة الجزيرة هم وسائل الفتنة والدعاية الإعلامية لهذا المشروع.
  • السي آي إيه والموساد هم من يقف وراء الفصائل الإسلامية والجهادية في هذه الثورات …إلى غيرها من تلك الدعايات والترهات الفارغة التي لم تعد تنطلي على أحد.

 

نهاية اليسار العربي

إن اليسار العربي والقومية العربية انتهيا منذ زمن بعيد، رغم أن قياداتها وزعمائها حاولوا ترميم مسارها بعد أحداث الربيع العربي، لكن باءت محاولاتهم بالفشل بعد سقوطهم في فخ هذه الأنظمة الدموية الإجرامية التي ناصروها وأيدوها بعد أن تلاشت جميع مبادئهم وأفكارهم المؤيدة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأن هذه التيارات ما زالت تعاني من أزمة التموقع حول شعاراتها البراقة في أيام الخمسينيات والستينيات رغم التحولات والمتغيرات العالمية والفكرية وتطور المجتمعات، وبالتالي فهي في حاجة إلى مراجعة مواقفها وأفكارها والانسجام مع الواقع العربي الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد