إذا كان الشاب البنغالي جاويد كريم وصديقاه في غرفة فوق مطعم ياباني عام 2005، أسسوا موقع يوتيوب، فإن العرب قديمًا كان لهم ما هو أشبه باليوتيوب، سجلوا فيه بعدساتهم الشعرية حياتهم وعاداتهم، وصوروا البيئة التي نشؤوا فيها أصدق تصوير في واقعية وشمول ووضوح، وسجلوا مناقبهم وانتصاراتهم في حروبهم كما سجلوا مثالب أعدائهم، بأساليب دقيقة، معتمدة على الإثارة الفكرية، والمتعة الفنية.

وكانت القصائد أشبه بمقاطع فيديو يتناقلها أفراد المجتمع، وينشدونها في محافلهم ومجالسهم وأسواقهم؛ إذ لم يكن لهم شاغل سواها، وكان يسجلون فيها مآثرهم ومثالبهم وأنسابهم وأيامهم وأخبارهم، ولا أدل على ذلك من القصائد التي نالت استحسانًا وإعجابًا حقيقيًا لا مزيفًا، والتي تعد أشهر الشعر الجاهلي وهي المعلّقات، وهي قصائد طويلة من خيرة ما كتبه الشعراء الجاهليون، أو ما وصل من شعرهم، وقيل: إنّها سُمّيت بالمعلّقات لأنها كُتبت بماء الذهب وعُلّقت على جدار الكعبة، وقيل: لأنّها تعلق في النفس لجودتها وفخامتها.

ومن ثم قال عمر بن الخطاب: «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه» فهو كل علمهم وكل حياتهم، ولم يكن لهم – كما قال ابن رشيق- علم أصح منه، فلا غرو أن يكون دعامة السّامر عندهم، ومدارَ حلقات القوم لديهم، في مواسمهم وندواتهم.

ونظرًا لما احتله الشعر -باعتباره فنًّا أدبيًّا، ووسيلة جماهيرية، وقناة فضائية- في ذلك الوقت- إن صح التعبير- من مكانة كبيرة في النفوس، فقد استطاع على مر العصور أن يستوعب الحياة الإنسانية بأسرها، وكما استخدم الإنسان المعاصر شبكة الإنترنت عامة، واليوتيوب خاصةً للتعبير عن جميع شئون حياته فرحًا وحزنًا، ورضا وغضبًا وتسجيلًا للواقع بأفراحه وأتراحه، وحلاله وحرامه؛ فقد اتخذ الإنسان العربي قديمًا الشعر وسيلةً للتعبير عن جميع شئون حياته الخاصة والعامة؛ لذلك أثر عن العرب قديمًا عبارتهم ذائعة الصيت «الشعر ديوان العرب»، وهم يقصدون بذلك أن الشعر ذاكرة الأمة الحافظة لتاريخها، الواعية لأحداث حاضرها.

ولم يكن الإسلام بمعزل عن هذه القناة الإعلامية، والباحث في التراث الإسلامي – بتأمل ونزاهة وصدق- يرى أن الإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته – كما يفهم من ظاهر الألفاظ– إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن؛ منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها، فمنهج الإسلام دائمًا يركز على تحقيق المشاعر النبيلة في دنيا الواقع، ولا يسعى لخلق عوالم وهمية تعيش الناس فيها، وتدع واقع الحياة كما هو مشوهًا متخلفًا قبيحًا! ويعبر عن هذا شعرًا وفنًّا؛ حيث وجه القرآن القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون، وإلى خفايا النفس البشرية، وهذه وتلك يمثلان مادة الشعر والفن.

ومن هنا يظهر كذب المقولات التي ترسبت في التراث العربي القديم دون تمحيص، وتلقتها الأجيال المتعاقبة بشيء من التسليم، مرجعه تقديس كل ما هو قديم متوارث، والتحرز من الخوض فيه، أو محاولة اختبار مدى صدقه، ومن ذلك الأكذوبة التي شاعت وذاعت وملأت كثيرًا من المؤلفات، وهي أن الإسلام قد وقف من الشعر موقفًا عدائيًا، وحجَّمَ من انطلاق الشعراء، حسب زعمهم وفهمهم القاصر لآية الشعراء، «والشعراء يتبعهم الغاوون» [الشعراء:224] ولم يتمعنوا نهاية الآيات التي استثنت أصحاب المنهج الصحيح قال تعالى: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا» [الشعراء:227] ومن ثم فالاحتجاج -على رفض الشعر وذمه- بقوله تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون» فهو غلـــــــط، وسوء تأول؛ لأن المقصــــودين بهذا النص شـــــعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، ومسوه بالأذى، ومن ماثلهم إلى أن تقوم الساعة من مادحي السلطة نفاقًا وكذبًا، ومن قائلي الباطل، وشاهدي الزور والمنافقين في كل مكان وزمان، المنتشرون عبر القنوات والفضائيات الذين يبيعون الذمم والضمائر كما تباع السلع والفطائر، أما من سواهم من المؤمنين الصادقين فغير داخل في شيء من ذلك؛ لأن الله استثناهم ونبه عليهم فقال: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا» [الشعراء:227].

وقد بين ابن رشيق أن المقصود بالاستثناء في الآية «شعراء النبي – صلى الله عليه وسلم- الذين ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وقد قال فيهم النبي صــــــــــلى الله عليه وسلم: «هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل»، وقال لحسان بن ثابت: «اهجهم يعني: قريشًا فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، وألق أبا بكر يعلمك تلك الهنات».

فلو أن الشعر حرام أو مكروه ما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراء يُثيبهم على الشعر، ويأمرهم بعمله، ويسمعه منهم، ويدخل مع هذه الفئة الصالحة الذين استثناهم القرآن من ماثلهم من قائلي الحق والواقفين معه والمجاهدين في سبيل إعلاء القيم في كل زمان ومكان حتى لو اضطهدوا أو عذبوا، أو وصفوا بأوصاف لا تدخل في حساب المنطق أو العقل أو حتى العرف.

ولا أدلّ على ذلك من الرعاية النبوية التي أحاطت بموكب الشعر العربي، فكان عليه السلام يعجبه الشعر، ويُمدح به، ويثيب عليه، ويشجع على قوله، ويستمع للشعراء ويؤيدهم ويشد من أزرهم، ويوجههم إلى ما يوافق منهج الإسلام، ويرد عن المسلمين هجاء المشركين وأذاهم، وحين يَرى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الشعر أنه ديوان العرب، أو ينظر إليه على أنه حكمة وجمال وسحر، فهذه شهادة بتأثير هذا الفن في الشعور الإنساني؛ باعتبار أنه قيمة إنسانية فنية يمكنها أن تساعد في إذكاء الروح، وطهارة النفس، وإصلاح المجتمع، ونشر القيم، وفي نفس الوقت قد يستغل لإيقاع العداوات، ونشر الجهل الخرافات، وإشغال المجتمع بالتفاهات، وتفريغ الكيان الإنساني من إنسانيته، مثله مثل اليويتوب.

ومن هنا استعذب الرسول – صلى الله عليه وسلم- إنشاد الشعر الهادف للخير والحق والجمال، والذي يرقى بالإنسان كي يظل إنسانًا، فشجع النبي -صلى الله عليه وسلم- على قوله، وجعله سلاحًا من أسلحة محاربة المشركين، ونوعًا من أنواع الجهاد في سبيل الله، وأحيانًا ينظر إليه على أنه أوقع من السيف والنبل، ولأهمية هذا الدور المنوط بالشعر ومن هذا المنطلق ووفق هذا التوجه كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجعل الشعر رفيقًا وملازمًا لحركة الدعوة الإسلامية، حاثًا على العقيدة الإسلامية، مشجعًا الشعراء على توظيفهم الشعر في خدمة الإسلام، وفي بناء المجتمع المسلم، ويظهر هذا الاهتمام وذاك الدور في المواقف الآتية:

· كان الرسول – صلى الله عليه وسلم- يتمثل أحيانًا ببعض الأشعار لشعراء العرب، بل ويطلب أن يسمعها لما فيها من حكمة وحث على الأخلاق الحميدة وتوافقها مع التصور الإسلامي للحياة. فقد روى مسلم عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟» قلت: نعم، قال: «هيه» فأنشدته بيتًا، فقال: «هيه» ثم أنشدته بيتًا، فقال: «هيهٍ» حتى أنشدته مائة بيت، وفي هذا دليل على أهمية وجدوى حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة طبعًا وشرعًا، وإنما استكثر النبي ­- صلى الله عليه وسلم – من شعر أمية؛ لأنه كان حكيمًا.

· السماح لسيدنا «حسان بن ثابت» بإنشاد الشعر في المسجد ليكون لسان الحق المنافح عن دعوة الإسلام، وليتولى مهمة الرد على الهجائيين من الشعراء الجاهليين الذين وجهوا سهامهم إلى صدر الرسالة النبوية وإلى شخص الرسول – صلى الله عليه وسلم-.

· دعاء النبي للشاعر المسلم لإيمانه – صلى الله عليه وسلم– بخطورة الدور الذي يقوم به الشاعر ومسئولية الكلمة في الإسلام، وأن الشعر سلاح ذو حدين قد يستخدم في الخير كما يمكن استخدامه في الشر، فكان النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ». فكان سيدنا حسان يقدر هذا الدور، ويستخدم هذا الشعر في خدمة العقيدة الإسلامية، فبرزت المعاني الإسلامية في أشعاره، وظهر تأكيده أهمية الاعتصام بكتاب الله في كل وقت وكل آن؛ فهو سبيل النجاة طريق النصر:

مُستعصِمين بحبلٍ غيرِ منجذمِ
فِينَا الرسولُ وَفِينَا الحقُّ نَتْبَعُهُ

مُستــــــحكَمٍ مِنْ حبالِ اللَّهِ ممدودِ
حَتَّى المماتَ وَنَصْرٌ غيرُ محدودِ

تشجيعه – صلى الله عليه وسلم– للشعراء المسلمين والذب عنهم عندما يعترض أحد الصحابة على إنشادهم الشعر في الحرم المكي ويظهر هذا في تشجيعه – صلى الله عليه وسلم- للصحابي عبد الله بن رواحة حين دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ مُعْتَمِرًا قَبْلَ أَنْ يَفْتَحْهَا، وَابْنُ رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ

الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

فَقَالَ عُمَرُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟!، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَلَامُهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ».

· رفع الحرج عن قول الشعر طالما كان خادمًا للإسلام حاثًا على الفضائل لا يخالف منهج القرآن، ويظهر هذا في سؤال أحد الشعراء للرسول عن حكم إنشاد الشعر، فيبين له الرسول أن استخدام هذا الفن في خدمة الإسلام لون من ألوان الجهاد في سبيل الله، فهذا كعب بن مالك حِينَ أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ، أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ»؛ ومن ثم يطمئن قلب الشاعر ويجاهد بشعره في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، فكان أهم ما خاضت فيه شاعرية كعب من موضوعات شعره في الإسلام هي الغزوات والمراثي، وكثيرًا ما حرض وأثار النفوس إلى البذل وذلك في تصويره للغزوات، وتحت ألوية التوحيد غزا كعب بن مالك وشهد غزوات الرسول الله –صلى الله عليه وسلم– غير بدر وتبوك، غزا ومعه سيفه الصارم ولسانه البتار وقلمه المصور، غزا فأبلى وأحسن البلاء فكما أرسل مهنده وسنانه أرسل لسانه يصور، ويتحدث عن الإسلام وما جاء به، وما يدعو إليه، وتوعد الجاحدين بالقوة الإلهية التي تجتاح المعاندين، وفي بعض شعره في المغازي يؤرخ بذكر أسماء القتلى في المعارك، وما كان يهدأ غبار المعارك حتى يسترجع خواطره وما فيها من صور، ثم يترجم الصور والمشاهد شعرًا، يظل على مر العصور شعرًا حيًّا ينقل للأجيال صور المعارك الإسلامية وما كان فيها من بطولات.

· الإشادة بالشاعر وشعره حين يسير في تدعيم مبادئ الإسلام وقيمه، ويظهر هذا في قوله –صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَخًا لَكُمْ لاَ يَقُولُ الرَّفَثَ» يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ حين قَالَ:

وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ
أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ

إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ
بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَــــــــالَ وَاقِعُ
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالكَافِرِينَ المَضَاجِعُ.


ومن ثم كثر في هذا الشعر الإسلامي الأول الرثاء للشهداء، والتمدح بالإسلام، وكثر في ذلك الشعر كله ضرب الأمثال وإيراد الحكم والقصد إلى المواعظ مما يحث على مكارم الأخلاق، وعلى التمسك بالآداب التي كانت مُثلًا عليا حتى في أيام الجاهلية وكل ذلك كان تأثرًا بالقرآن الكريم والحديث الشريف».

وبما أن الصورة الحقيقية للإيمان هي التي تجمع بين العقيدة المستقرة في القلب والسلوك الأخلاقي المصاحب لها في الواقع المشهود؛ فإن شعراء المسلمين أظهروا هذا الإيمان في أشعارهم وسلوكهم وأكدوا ذلك بفنهم، ومضى شعرهم متحدثًا عن التقوى بوصفها هدفًا من أهداف التربية الإيمانية، ومبينًا قيمة العمل الصالح وأهميته في إعمار الحياة، وأن الناس لا بد معروضون على خالقهم يوم القيامة، وقد أحصى عليهم أعمالهم، إلى آخر تلك المعاني والمضامين التي يطرحها الشعر، والتي تثبت أركان الإسلام والعقيدة في قلوب المسلمين؛ الأمر الذي جعل سيدنا عمر بن الخطاب لشدة إيمانه بدور الشعر في التربية والتأثير في النفوس كَانَ يَأْمُرُ بِرِوَايَةِ قَصِيدَةِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:

إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ
أَحْمَدُ اللهَ فَلَا نِدَّ لَــــــهُ
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى

وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَالْعَجَلْ
بِيَدَيْهِ الْخَيْرُ مَا شَاءَ فَعَلْ
نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ



 

 

 

وإذا كانت المصالح تتغيّر بتغيّر العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا سيّما بعد نشأة الطبقات الثريّة في المجتمع القبلي، فقد تحوّلت العلاقة بين الشعراء وسادة القبائل إلى علاقة ربحيّة، وامتاز الشعراء بالعطايا الوفيرة كلّما كانت القصيدة أجود، وبدأ الشعر بتغيير مساره من وظيفة قبليّة تهدف إلى حماية العشيرة والدفاع عنها، وذكر خصالها الحميدة إلى صنعة من خلالها يسعى الشاعر فيها وراء المال والسلطة والجاه، مُتنقّلًا بين البلاد، وبذلك، ظهرت سيمة التكسّب، وساعد في ذلك التنافس الكبير بين شيوخ القبائل، والملوك في توظيف أكبر الشعراء وأفضلهم لتأكيد مصالحهم، والدفاع عن سمعته بالحق أو بالباطل.

ولعل خير دليل يؤكد تلك الثنائية أن شركة جوجل عرفت قيمة وأهمية ونفوذ موقع اليويتوب، وبعد ستة أشهر فقط، اشترته بمبلغ 1.65 مليار دولار، وكذلك أصحاب النفوذ على مر العصور عرفوا قيمة الشعر وأهميته وتأثيره، فاستعان الحكام قبل اختراع الفضائيات والقنوات بالشعراء لتوطيد ملكهم، وأغدقوا عليهم الأموال والعطايا، ونكلوا بمن هجا أو اعترض على الحكم، ومع هذا فقد كان للشعراء آنذاك مواقف واضحة من الولاة والنظام الحاكم، فمنهم من واكب وتملق ومدح وسار مع النظام الحاكم، ومنهم من انتقد واعترض على النظام الحاكم وسياسته.

وكما يعكس اليوتيوب الآن شتى التيارات الصالحة والطالحة والمتردية والنطيحة، فإن الشعر عكس عبر العصور تيارات الفساد الاجتماعي والتحلل الأخلاقي التي سادت في هذه المجتمعات؛ إلا أنه في الوقت نفسه ووسط هذا الزحام من أصوات اللاهين والمجان، وعربدة السكارى والمخمورين اللاهثين وراء اللذة المؤقتة، شهدت المجتمعات عبر العصور نغمة إسلامية رفيعة المستوى رددها الشعراء في جل موضوعات الشعر، كما يردده الآن أصحاب الطرح الإعلامي الهادف على موقع اليوتيوب، ومن هنا يظل الشعر بصفة عامة إنتاجًا أدبيًّا عريقًا في الثقافات البشرية، ورغم التقدم العلمي الهائل في العصر الحديث لم يفقد الشعر مكانته، وما زالت النفس الإنسانية متعلقة به، لأنه يلبي حاجات نفسية تعجز أشكال الثقافة الأخرى عن تلبيتها.

وهكذا يحتل الأدب والشعر خاصة، دورًا حيويًّا ومؤثرًا في سيرة الأمم إن وجد من يحسن توظيفه واستثماره، وما تزال الدعوة الإسلامية على الصعيد الإعلامي عاجزة عن استثمار أسلحة الأدب والشعر بالصورة المطلوبة لإحداث التغيير المطلوب في عصرنا الحديث؛ ليس بسبب عجز الأدب والشعر، وإنما بسبب غياب الهم الدعوي المحرك لقرائح الشعراء والجهاز الدعوي المنظم لأدوارهم، وبسبب التوظيف الإجرامي لهذه القنوات والمواقع التي تفرض علينا فرضًا من يقنعنا بأن البحر يمكن أن نحرثه، وأن الشمس حرام علينا أن ننعم بها، الأمر الذي يجعلنا نردد مع المتنبي قوله:

بأيِّ لَفظٍ تَقولُ الشِعرَ زِعنِفَةٌ *** تَجوزُ عِندَكَ لا عُربٌ وَلا عَجَمُ

ونردد بعده بأي حق يبقى سلاح الأدب والإعلام والتعليم بيد الزعانف من البشر؟!!

———————————————–

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • 1) ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ص،31، 32.

  • 2) أبو نعيم أحمد بن عبد الله: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،ص369.

  • 3) أحمد سويلم: الرسول والشعراء, القاهرة, ص34.

  • 4) سامي مكي العاني: الإسلام والشعر, الكويت, ص28.

  • 5) سيد قطب: في ظلال القرآن، القاهرة، ص ص2623،2622.

  • 6) عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي، ص256.

  • 7) محمد رضا حاجي إسماعيلي، وآخرون: دور الشعر المعاصر في تفسير مجمع البيان لعلوم القرآن، إيران، ص20.

  • 8) محمد عبد القوي شبل الغنام: عقيدة التوحيد أساس للتربية الأخلاقية، ص618.

  • 9) مصطفى رجب: نحو ثقافة إسلامية, القاهرة, ص72.

تعليقات الفيسبوك