على إثر الضجة التي عقبت إعلان الولايات المتحدة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل، كانت أغلب الأفئدة تتطلع إلى رد فعل يعيد الاعتبار إلى شرف الأمة المجروح، لكن وككل مرة، قوبل القرار الأمريكي بتنديدات لفظية وشكلية هزيلة، لا رجاء منها.

سجّل هذا القرار الأمريكي عجز أمة بأسرها وضعف حكام عرب غير قادرين على نصرة دولة شقيقة، هم الأكثر علمًا بمعاناتها لمدة طال أمدها.

وبين سياق مشحون وتنديد شعوب خرج بعضها إلى الشوارع رفضًا لهذا القرار وبيانات أصدرتها بعض الدول تكاد تغيب عنها الردود الصارخة والقاسية التي ترتقي إلى مستوى انتظارات الشعوب أو القادرة على زجر «العدو» وإلزامه حدوده وإعلامه بالرفض التام لقرار ظالم وأحادي، لا يمكن نسيان رد فعل الرئيس التركي الذي تحلى ظاهريًا بجرأة تكاد تكون غير معهودة لدى حكامنا.

«السيد ترامب، القدس خط أحمر بالنسبة للمسلمين»، «يمكن أن تؤدي بنا هذه القضية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل»، كلمات كان لها وقع كبير على النفوس المتعطشة لموقف حاسم بجرأة كهذه وجسارة وقوة، لكن تصريحات السيد أردوغان سهام تمويه لم تصب هدفها هذه المرة، بل كانت تندرج في إطار خطة إعادة إحياء حلم إمبراطورية «تركية» حديثة ونافذة في المنطقة العربية، الأمر الذي يتجلى حرفيًا في التدخل التركي الأخير في النزاع الليبي.

جاءت صفقة القرن أو خيبة القرن لتُشرّع لإسرائيل الدولة، وبالتالي لإقامة علاقات دبلوماسية معها وصفقات اقتصادية وتجارية علنًا، وإن كانت تُعقد أساسًا سرًا في السر، في الوقت الذي يعلم الجميع بذلك.

في الواقع، وفيما يتعلق بتبعات خطة ترامب للسلام على الجانب الفلسطيني، فهناك انعكاسان اثنان يعتبران الأخطر من وجهة نظرنا، يتمثل أولهما في توفير المناخ أو الغطاء التشريعي أو القانوني لانتهاك الفلسطينيين. والجدير بالذكر أنه لطالما تعرض الفلسطينيون لمثل هذه الممارسات، لكن ذلك كان وسط تعتيم إعلامي يمارسه الكيان الذي يمنع في غالب الأحيان الصحفيين الأجانب من تغطية الأحداث أو المظاهرات أو المشاحنات العنيفة بين الطرفين.

وتندرج قرارات ترامب في استعداده الجيد وتحضيره المحكم لحملته الانتخابية، وهو ما أثبتته آخر مظاهر استعراض قوته باغتيال قاسم سليماني في العراق وبالتلويح الدائم بشن حرب ضد إيران وقبل ذلك بخرق الاتفاق النووي الذي توصل إليه سلفه أوباما.

لكن الانعكاس الثاني والأسوأ يتمثل في التطبيع مع إسرائيل الدولة أيديولوجيا. بعبارة أخرى، نشأنا نحن كما نشأ أجدادنا على أحقية فلسطين في الأراضي الفلسطينية وعلى حلم «المفتاح» وحق العودة، وتتملكنا الحسرة كلما ضيّق الكيان الصهيوني الخناق على فلسطين.

شبابًا ومراهقين، شاركنا في مظاهرات داعمة لفلسطين ورفعنا شعارات حماسية تدعم الحلم الفلسطيني، ولكن الأمر الخطير هو أن قراري ترامب، في غضون سنة واحدة تقريبًا، يكرسان لقلب المعطيات وتقديم الإسرائيليين في صورة الضحايا وشيطنة الفلسطينيين في رواية تريد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ترسيخها في أذهان الغرب وحتى في المخيلة الشعبية في بعض البلدان العربية، التي وباسم البراجماتية، قدّمت مصالحها مع إسرائيل على تعاطفها مع شعب شقيق، وهي الدول ذاتها التي بدأ إعلامها منذ حوالي سنة ونصف في التحضير لتطبيع علاقات بلدانه مع الكيان.

وبعد فوات الأوان، ستدرك الدول ذاتها أن إسرائيل، كيانا أو دولة، مستعدة لتقديم هذه البلدان قرابين في حال تعارضت مصالحهما، وسيكون المستقبل كفيلا بإثبات ذلك.

تقريبًا، حظيت الخطة بدعم الثلاثي العربي، السعودية والإمارات ومصر، الذي باتت خياراته متقاربة في الآونة الأخيرة وتجلى ذلك أساسًا خلال حصار قطر، والذي شجعّ الحوار بين الطرفين المتنازعين، لتبدو هذه الدول وكأنها أطراف معتدلة تؤمن بالحوار وبالحلول الوسطى، كما لو أن العالم غير عالم بشؤونها الداخلية وبقمعها لكل صوت يعلو دفاعًا عن الحق أو تعبيرًا عن رأي يخالف وجهة نظر الحاكم، ولا داعي للتذكير بتفاصيل قضية اغتيال الصحفي المعارض خاشقجي، ولا بتعديل السيسي لدستور بلاده حتى يورث حكم مصر العظيمة لنفسه، لأنها باتت أشهر من نار على علم.

ومرة أخرى، يجد الفلسطينيون أنفسهم بمفردهم في مواجهة كيان مجهز بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكًا وتطورًا. وستندلع المظاهرات احتجاجًا على الخطة الأمريكية، تتواجه فيها الصواريخ والحجارة، لتزهق أرواح أعداد جديدة من الفلسطينيين ويزج بآخرين في السجون، حيث يتعرضون لأقسى أنواع التعذيب، قبل أن يعود هدوء نسبي إلى المنطقة سيكون ثمنه باهظًا كالمعتاد؛ تضييقات جديدة على الفلسطينيين، وتأييد دولي لإسرائيل، ولوبيات إسرائيلية تكافئ ترامب، ونجاح عربي في تقمص دور المشاهد المؤمن بمثل «أنا ومن بعدي الطوفان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد