فاز الباجي قائد السبسي رجل النظام السابق ووزير الخارجية في عهد بورقيبة على منصف المرزوقي، الناشط الحقوقي التي أتت به الثورة التونسية ليكون رئيسًا مؤقتًا للجمهورية، ليعلن عن عودة نظام التجمع ربيب الاستعمار الفرنسي، وليعلن عن انتهاء أفشل عملية تحول ديمقراطي في التاريخ، وليعلن ردة العرب تمامًا عن ربيعهم وعن قيم ربيعهم.

ورحب العديد من رموز الديمقراطية في العالم العربي بالنتيجة, بما فيهم راشد الغنوشي, واعتبرت أن عودة النظام القديم سلميًّا وبالانتخابات وبرضا الشعب والمعارضة أحسن من أن يأتي بالانقلاب، وأن تسيل الدماء، ورافضينومستبعدين مقاومة عودته، بل ورافعين دعاوى التعاون مع السبسي تجنبًا للفتنة،ومن أجل وحدة تونس، وكأن التجمع هو فصيل وطني أصيل وليس نظامًا فاسدًا ثار عليه التونسيون،  في مشهد يحاكي في سخافته برامج الكاميرا الخفية العربية.

فشل الربيع العربي في إرساء عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي، وفشل في تحريره من استبداد الداخل وهيمنة الخارج، ولكنه نجح في أن يكشف لنا عوار الشعوب العربية، ورضاهم بالعبودية مقابل الخبز، ورفضهم المطلق للتغير، وهيمنة أشباه الموتى على الحياة السياسية والفكرية والإعلامية.

ورفض الشعوب أن تتخلص من هؤلاء الذين أصبحوا عبئًا على الحياة، بل إن ظلالهم تحوم حول السياسة العربية حتى بعد أن يموتوا،  ويتم تقديسهم والتطبيل لقيادتهم التي لم يأت مثلها ويتم صنع أسطورة وبطل خارقمن كل ميت منهم, ويا ويل لمن يشكك في الأسطورة وسيرة الأسطورة وقيادة الأسطورة، حتى صارت كتب التاريخ العربي الرسمية مليئة بالقصص الخرافية، أما القيادات السياسة فظهروا ما بين غبي وساذج وانتهازي ومنافق،  بينما الشباب إما منخدع بكلام العجائز، أو يهمل رأيه ويسفهن حتى ييأس وقد ينتهي به المطاف إلى التطبيل لقرارات العجائز يأسًا منه.

 

لم يطق الشعوب البعد عن صنم الدولة والنظام والجيش، لم يفهموا معاني الحرية التي دعت إليها الثورات, ومنهم من أصر على ربط الحرية بالانحلالوإفساد الشباب، واتهام الثوار بأنهم يريدون تمرير أجندات غربية، وأنهم خرجوا على القيم العربية التي تدعو إلى تبجيل هؤلاء أشباه الموتى، وعدم مسائلتهم لأنهم الأكثر خبرة، وأن الشعوب “لحم كتافها من خيرهم”،ومن أظهر العصيان والتمرد أصبح يستحق ما يفعله الحاكم به، في استسلام كامل للدولة الصنم التي يديرها أشباه الموتى، ويرفضون التخلي عن عقليتهم التي تعتبر أن الدولة هي الكاسي وهي المعيلوهي الحامي وهي الرازق وهي الشافي وهي المعلم،  وكأنهم لا إراديًّا وفي لاوعيهم يضعون الدولة محل الإله، ويعبدونها من دونه.

يرفض عبدة الدولة أي محاولة لإصلاح ما أفسدته الدولة, ويهللون لكل فعل يفعله القائد الملهم, ويعتبرون انتقاده خيانة, ويفرحون بالقليل الذي يلقي به لهم القائد الملهم وزمرته باعتباره أفضل من لا شيء، تربوا على العبودية والاستبداد ويرفضون ذهاب أبنائهم للحرية، حتى دفعوهم للردة على الحرية والعودة للتطبيل للدولة وقائدها الملهم، وإلقاء تهم الخيانة على الشباب الثائر الذي رفض ما وجدوا عليه أباءهم وأجدادهم.

أما السياسيون فحدث ولا حرج, فبين مهادن لبقايا العهد البائد طمعًا في مكاسب سياسية أو خوفًا منهم إلى مؤيد لهم نكاية في خصومه، أو ركبوه كالبغل في رحلة عودتهم للسلطة، ولكن لم يقف أي منهم في وجه بقايا العهد البائد، لم يحاربوا من أجل القصاص، لم يحاربوا لإرساء قانون العزل السياسي، وانجروا للصفقات العلنية والسرية مع بقايا الأنظمة، لم يؤسسوا قوة إعلامية مهنية حقيقية لمحاربة الآلة الإعلامية للأنظمة ولرجال الأعمال، بل تفرغوا للظهور على تلك الآلة الإعلامية يسبون بعضهم البعض، وصاحب القناة يضحك من سذاجتهم.

ووصل الأمر ببعضهم إلى تأييد المذابح التي قام بها النظام بعد عودته، شماتة في خصمه وشريكه السابق في الثورة. ولم يحاولوا توعية العوام بمبادئ الثورة، وتحرير عقولهم من تخاريف القائد الملهم والدولة الصنم، وإرساء مبادئ العزة والكرامة فيهم، وتركوهم للآلة الإعلامية تعلمهم الحنين إلى العبودية.

 

ضاع الربيع العربي بين شعوب عاشقة للطغاةورافضة للحرية، وثوار لم يحافظوا عليه كالرجال، ونخبة سياسية غبية ومهترئة ومتحجرة، فهل يتعظ من تبقى من ثوار الحق، ويتخطوا تلك القيادات العقيمة، ويعودوا لإحياء الثورة؟

 

وهل يتعلموا أنه يجب محاربة النظام في كل نواحي الحياة كما حاربنا في كل نواحي الحياة؟

ويثبتوا للشعوب عوار الأنظمة التي يقدسونها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد