تيارات الاحتجاج والحفاظ على النظام السياسي

استنادًا إلى مؤشرات مؤسسة مابليكروفت Mapelcroft لقياس درجة الاستقرار السياسي للدولة، والذي نشر عام 2013م عبر مركز الجزيرة للدراسات، اتضح أنه لا توجد دولة عربية واحدة تدخل ضمن الدول المستقرة، إذ إن 76% من العرب يعيشون في دولة غير مستقرة بنسبة عالية، وأن هذا الاستقرار سيستمر لفترات طويلة بفعل عوامل الانتشار السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي.

وبنظرة بسيطة لا تصل إلى العمق والتفكيك، يمكن القول إن الاضطرابات السياسية العربية منذ عام 2011، قد أدت إلى تراخي السلطة العربية، وسهلت تدخل الكثير من القوى الإقليمية في شؤونها الداخلية، الأمر الذي أوجد فرصة للأقليات المختلفة في الدول العربية لمحاولة التعبير عن ذاتها بكيفيات تتناسب وطبيعة بنية مجتمعها، ونمط السلطة السياسية فيها، كما أن الثقافات الفرعية في النسق الاجتماعي تأثرت بهذه الظروف، وتجسدت حالة انفصالية بنسب متفاوتة، فبعضها وصل لحد الانفصال التام «جنوب السودان»، وبعضها شبه منفصل «كردستان العراق»، وبعضها يحاول الانفصال مثل ليبيا وسوريا وفلسطين، ناهيك عن توترات مذهبية وحزبية في اليمن «الحوثيين وقوى الجنوب» والعراق والبحرين «الشيعة والسنة» وفلسطين «فتح- حماس».

كل هذا وأكثر ساهم في تنامي تيار إعادة النظر في التوسع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية لصالح الأولويات القطرية «الإقليمية».

والملفت للنظر في تفكك الواقع العربي سياسيًّا أن الأنظمة في الغالب هي تلك التي تتفكك دون تفكك الجغرافيا، فأصبحت مخترقة تنخر بها الصراعات وتمارس أعمالها بربع طاقتها، بسبب الفردانية، وعدم المسؤولية المدنية في الحد من انفراد المتنفذين بسلطة القرار السياسي.

وعليه، غابت المؤسسة السياسية ذات المضمون التنموي فتعاظم دور المؤسسة الأمنية، واتبعت استراتيجيات الإلهاء التي أشار لها نعوم تشوميسكي من قبل، ليس هذا فحسب بل دفعت الحكومات إلى ترك الناس بلا خبرة سياسية ناقدة تتبنى الاستسلام أو الخنوع.

واستنادًا إلى تقارير العديد من مراكز الأبحاث، فقد برزت أهم مظاهر التفكك السياسي العربي في محورين، هما:

  • خارجيًّا: تمثل في إهدار الحقوق والكرامة العربية، والانحدار التام لفكرة الوحدة العربية، وظهور الخلافات السياسية والعسكرية بين الدول، وتحولت غالبية السياسة الخارجية إلى التبعية الكاملة للدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة التي تجرأت خلال السنوات القليلة السابقة على كل الأنظمة والمعتقدات العربية، ومهدت الطريق للتطبيع مع إسرائيل، وتوحيد الجهود العسكرية والتحالفات للقضاء على أنظمة عربية ومعارضة.
  • داخليًّا: ويتمثل ذلك في غياب الديمقراطية بمفهومها الحقيقي، واللجوء إلى تزوير الانتخابات، وقمع المعارضة بأشكالها ورفضت فكرة تداول السلطة.

إن التفكك السياسي العميق الذي زادت وتيرته خلال السنوات السابقة، قد أساء الصورة الذهنية للربيع العربي، وزاد من سيناريو التفكك والانهيار في العمليات التحليلية والهواجس المتعلقة بمستقبل الدول العربية، أو حتى الصراع العربي- الإسرائيلي، وضربت بعرض الحائط الجهود الراقية من بعد الحرب العالمية الثانية للاستقلال الاقتصادي.

وتأكيدًا على ما سبق، اتخذت الولايات المتحدة سياسة القطب الواحد ومنهجية التسيد، وعدت منطقة الشرق الأوسط أو الوطن العربي نقطة الانطلاق والتطبيق العملي لمشاريع دولية تخدم إسرائيل على المدى البعيد، وتحقق أرباحًا اقتصادية وسياسية لها.

فأطلقت مشروع الشرق الأوسط الجديد، ومن ثم صفقة القرن للهيمنة والسيادة، وإيجاد نظام عالمي ركيزته الاقتصاد التابع، وإيجاد العدد الوهمي للعالم المحتضر، وتأهيل النخب السياسية المساندة للمشروعات الأمريكية.

هذا على مستوى الأنظمة، أما على مستوى الأحزاب القومية العربية فقد لجأت إلى نظام بوليسي مخابراتي قمعي لتحقيق الاستقرار مبتعدة عن المشاريع الثورية أو المشاريع الوطنية، فتحولت من مؤسسات مراقبة للحكومة إلى أحزاب نخبوية تبحث عن السلطة أو موالاة السلطة؛ لتحقيق امتيازات أو درء مخاطر.

لقد ترك الواقع السياسي، المخجل، والمخيف، والمثير في تطوراته وتداعياته إرثًا ثقيلًا من التخلف، والتعصب، وأوصل الشعوب إلى حالة من اليأس والإحباط، وأورث المجتمعات همومًا لا حصر لها ابتداءً من البطالة، وانتهاءً بالهجرة.

ولعل الشواهد الحالية، والصراعات الإقليمية، والتحالفات العربية الغامضة، وتعدد الأذرع العالمية «تركيا- إيران»، «الولايات المتحدة- روسيا» تنذر بأن الوضع السياسي والأمني في الوطن العربي يتجه نحو الأسوأ ليست على المستوى العسكري فقط، بل على مستوى الحرب المعنوية وزعزعة الجبهة الداخلية، وبهذا يمكن الجزم بأن كل ما سبق من صور التفكك السياسي داخليًّا وخارجيًّا في الوطن العربي قد أثر بشكل عميق على تغير طبيعة السلطة السياسية، وتوجهاتها، وأهدافها، وممارستها، وتحالفاتها الخارجية، وعززت من تقييد الحريات ورفض التعددية، وإغلاق الباب أمام التداول والمشاركة الشعبية، ونشوء العلاقة غير الشرعية بين السلطة والمال، ووراثة المناصب السياسية ومراكز صنع القرار، الأمر الذي سيدرج المجتمعات العربية في شروط دولية، وسياقات سياسية غير ملائمة، لتمكين الشعوب العربية من التحكم بأهدافها والسيطرة علي آلياتها، وحرمان حقها من مقدراتها وموارد بلادهم، وإلغاء خطط التنمية، والتضحية بمصالح أغلبية الشعبية لصالح الأقليات الحاكمة.

ومجمل القول، فإن مظاهر التفكك السياسي في الوطن العربي، تكمن في المشكلات الآتية:

  • غياب الأمن الجماعي، وتراجع موقع العالم العربي استراتيجيًّا وجيواستراتيجيًّا، وفقدان المناعة الدولية تجاه الضغوط الخارجية، وتراجع حكم القانون، وسيطرة منطق القمع.
  • استفحال الفساد السياسي والقطيعة بين الدولة، والمجتمع مما يضرب الثقة بالنظام الاجتماعي العربي.
  • تراجع فرص التقدم، وهدر المال في سبيل الحفاظ على النظام السياسي، وإهمال كل القطاعات اللازمة لتحسين ظروف حياة المواطن العربي
  • زعزعة الاستقرار ونمو تيارات الاحتجاج والتمرد ومناهضة الدولة تحت ذريعة «وطنية- إسلامية- قومية» مما يولد حالة التشرذم المجتمعي، والانقسام الشرعي في النسيج الأهلي.

على مدار خريطة العالم العربي لا شيء يستدعي التفاؤل، تصاعد غير مسبوق للعنف في العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، وتوتر مخطط لضرب الأنظمة داخليًّا في السعودية، وقطر، والبحرين، ومصر، وتونس، ودعوات إلى الانفصال ورجحان كفة الانقسام والتفكك تحت شعارات وطنية إسلامية ليست أفضل من العروبة في شيء، فاختلف الأصوليون مع المذاهب الجماعات الرافضة لتنتج مجتمعًا عربيًّا فاقدًا للثقة في أنظمته الحاكمة أو في ثوراته التي لم تأت بالأفضل.

وبرؤية تحليلية لواقع التفكك السياسي العربي ومظاهره، يمكن القول إن العوامل التي أدت إلى هذه التفكك تنحصر في:

  • النظام المتمركز حول السلطة والتفرد في اتخاذ القرار، إذ إن الدول التي تركز السلطة تفعل ذلك لقمع التوتر وغياب القدرة والتعامل مع التعددية والتنوع.
  • ضعف الاستقرار الاقتصادي أو تبعيته لجهات أجنبية أرهقت الدولة بالديون والقروض.
  • غياب القابلية للتغير السياسي، أو القيام بتغيرات شكلية في نظام الحكم، أو تغيير الحكومات، أو الخضوع لرغبات وإملاءات القوى الخارجية في تغيير أوليات العهد في الأنظمة الملكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد