«كلنا معاك يا ريس»، «نحنا كلنا في ظهرك يا سيادة الرئيس»، جميعها عبارات، وإن غابت في شكلها المذكور، فإنها تحضر متخذة أشكالًا أخرى مختلفة ترعاها ألسنة وأقلام ومنابر نشأت على مبدأ واحد ووحيد، شربت من كأسه حد الارتواء، استنشقته شهيقًا ولم تزفره، ألا وهو «التطبيل»، وهو المفردة العامية أصيلة الجذور والاستخدامات، ودائمة التجليات.

وإن كانت هذه الممارسة متفشية في النظم الاستبدادية التي ترعرعت على تأليه حكامها وتمجيدهم، والتغطية على كل تجاوزاتهم وانتهاكاتهم وفسادهم ووصل بها الأمر إلى اختزال مفهوم الوطن في «السيد»، فإن زمرة من صحفيي مصر استفردوا بتصدر قائمة المبدعين في هذا المجال، خاصة بعد الثورة التي هزت البلاد على إثر أحداث 25 يناير (كانون الثاني). لم يعد الأمر مجرد تمجيد وإشادة بالنظام والرئيس، بل بات أخطر من ذلك بكثير، فبمهارات تمثيلية مبتذلة يبدو أن عددًا منهم يتقاضى المال لقاءها بينما يستحضرها آخرون فقط من أجل حماية أنفسهم وذويهم وضمان حياة «جنب الحيطا»، وبنبرات أصوات تتخذ عادة نسقًا تصاعديًّا تعبيرًا عن حماسة لا داعي لها، بينما تنخفض أحيانًا أخرى إظهارًا لتفاعل ممتهن، وبأداء بدرجة سيء جدًّا، يتنافس عدد من الصحافيين المصريين على نيل لقب «أفضل مطبلاتي للسيسي».

يكمن الخطر في أن جميع هؤلاء يتفقون على مبدأ لا مبدأ له، وهو ألّا حدود لأساليب التطبيل وطرائقه، ولا لأخلاقيات تحكم مثل هذه المهن، وإن كان ذلك على حساب توزيع تهم خيانة الوطن مجانًا، والواقع أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى إعادة فهم وتفسير ثم استيعاب مفهوم الوطن، فالوطن ليس شخصًا، وإن قبع في كرسي الحكم عشرين أو ثلاثة وعشرين عامًا أو حتى دهورًا بعد أن أورث حكمه لسليليه؛ فالشخص أداة في خدمة الوطن، بينما الوطن كلّ، والوطن إيمان.

على سبيل الذكر لا الحصر، لا يمكن أن تنسى الذاكرة الشعبية ما حدث مع الفنانين خالد أبو النجا وعمرو واكد يوم 27 مارس (آذار) من السنة الماضية، إذ «توجها دون توكيل من الإرادة الشعبية لقوى خارجية، واستقويا بها على الإرادة الشعبية، واستبقا قراراتها السيادية، لتحريكها في اتجاه مساند لأجندة المتآمرين على أمن واستقرار مصر، لذا تعلن نقابة المهن التمثيلية إلغاء عضويتهما وتبرئ نفسها مما فعلاه» حسب ما أوردته نقابة المهن التمثيلية آنذاك.

في بعض البلدان العربية، أن تنتقد سوء إدارة قطاع ما، أو تفشي فساد، أو تقصير، أو تهميش، أو غلاء أسعار، أن تتكلم فقط قد يكلفك ثمنًا غاليًا، أحيانًا قتلًا أو اختفاء أو سجنًا وتعذيبًا، وإن كان حظك جيدًا، فلن يؤدي ذلك إلا إلى حرمانك من وظيفتك ومصدر رزقك، حتى تتضور جوعًا لتدرك في نهاية المطاف أن وجودك لا معنى له دون مباركة النظام، وإلا فستحل عليك لعنة أبدية.

إن ما آلت إليه الأمور في عدد من البلدان العربية إثر موجة الربيع العربي، من واقع غير مؤكد، وانتشار للفوضى، وغياب للاستقرار، وتجاذبات سياسية يجعل المواطن البسيط لا يبحث إلا على قوته اليومي «كافي خيره شره»، وهي الثقافة التي يعمل نوع من الصحافة على ترسيخها وتكريسها، حتى يؤمن الشعب بأنه إذا أسقطنا الرئيس أو شككنا في مصداقيته وصدقه وتفانيه في خدمة الوطن، وإن كان كل ذلك أضغاث تهيؤات، فإن الفوضى ستعم، وسيغتنم العدو المتربص بنا الفرصة ليخترق أمننا وترابنا.

في الحقيقة، لا يمكن إنكار أن جزءًا بسيطًا من هذا التفكير صائب، خاصة ما يدور حول اقتناص ثلة من أكبر دول العالم، التي تتنافس من أجل توسيع نفوذها في عالم عربي ينزف دماءه يوميًا وتعمق آلامه وجراحه صراعات داخلية، سواء بين الدول الشقيقة التي من المفترض أن تُجمعها راية وطن عربي، لم يتبق من عروبته سوى الصفة المجردة، أو بين فصائل عديدة منقسمة تسيطر كل منها على منطقة، وتشهد كل منطقة في حد ذاتها انقسامًا آخر بين قوة الحماية وكتيبة ثوار طرابلس، وقوة الردع وكتيبة أبو سليم، وغيرها من القوى الأخرى التي تسعى للاستئثار بأكبر حصة ممكنة من النفوذ، في ليبيا على سبيل المثال. في هذا السياق، يمكن أن نطلق على السيناريو الذي يحدث في الوطن العربي اسم «تجزئة التجزئة»، وقد يكون من صنع البلدان الغربية التي تؤمن بسياسة «فرق تسد»، إلا أن مساهمة الحكام المستبدين بتشبثهم بالكراسي جلية وواضحة للجميع، فإن كانوا على صواب أو على حق، لم يكونوا ليمنحوا فرصة ذهبية للغرباء لاستغلال واستنزاف ثراوتهم وتقتيل شعوبهم.

فإن تقديم «الرئيس الواحد»، أو «الملك الواحد»، أو «ولي العهد الواحد» في صورة منقذ الشعب الذي لا سبيل لوطن من دونه، ضرب من أشد أنواع «السكيزوفرانيا»؛ فالخيانة تكون أقسى إذا صدرت عن حاكم خان وطنه بأن قتل شعبه وزج به في السجون وأسكت صوته.

على الرغم من أن المؤشرات الحالية سوداوية أو لنقل ضبابية، فإن أمل التوقف عن تقبيل الأيادي وارتفاع مستوى الوعي الصحفي خاصة، في البلدان العربية، لصلاح حال الأمة جميعًا، يظل موجودًا، على أن تغذيه عقول نيّرة تؤمن بالوطن لا بالأشخاص، وتعمل على تصوير الحقيقة كما هي لا ألا تُزوقها لنيل رضا أسيادها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد