في سؤال طرحه علينا أحد أساتذتي في نهاية مساق فكر سياسي عربي حديث ومعاصر, في سبيل الربط بين الفكر السياسي والتأثير المجتمعي هو:

“هل الفكر السياسي العربي يدعو للتطرف؟”

وللإجابة على هذا السؤال لا بد بداية من التوطئة للموضوع, فيعرف الفكر السياسي على أنه مداد القلم السياسي, وكذلك بأنه الأفكار والقيم والنظريات السياسية التي تحرك الحكومة والسلوك, ونستطيع القول بأن الفكر السياسي العربي يقسم إلى عدد من التيارات ومنها التيار الإسلامي والقومي والاشتراكي والليبرالي والشيوعي, وسنذكرها حسب تأثيرها على أرض الواقع إذ يقسم الصراع بين هذه التيارات إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى حيث سيطر التيار الليبرالي وكان الأكثر وضوحا, وتأثر الفكر العربي بقيم الحرية الليبرالية إثر الاحتكاك المباشر بالغرب تبعا للإرساليات التبشيرية والحركات التجارية والاستعمار الغربي.

المرحلة الثانية: من الحرب العالمية الثانية وحتى أواسط السبعينيات, حيث سيطر الفكر الاشتراكي القومي القائم على شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية, وتعددت التيارات القومية بين الناصرية والبعثية وأخرى أقل وضوحا, اختلفت فيما بينها في أي العناصر أهم في تحقيق الوحدة والدعوة للقومية بين عنصر العرق أو اللغة أو الدين, وساهم في بروز القومية الروح التحررية التي انتشرت في المجتمع إبان التحرر من الاستعمار.

المرحلة الثالثة: من نهاية السبعينيات إلى الآن، وسيطر في هذه المرحلة الفكر الديني, حيث أدى لسيطرة الفكر الديني عدة عوامل منها:

  • الهزائم والإحباط والفشل العربي الذي رافق القومية في مشوارها الطويل وتكريس أسطورة الجيش الذي لا يقهر, والنظر إلى التثبت بالعقيدة كحل للخلاص من حالة الهزيمة المستعصية.
  • قضية الدين هي قضية عالمية, أي أن ما حدث هي صحوة دينية عالمية وليست إسلامية فقط, حيث إن العولمة أدت فيما أدت إليه إلى التشابه والتماثل في الثقافات والسلع, وهذا ما ترفضه الطبيعة الإنسانية الميالة للتفرد, لذا كان الدين هو الملاذ الأخير للعودة إلى حالة التفرد.

وأما التيارات الفكرية الأخرى فقد تواجدت على شكل أحزاب أو جماعات أو مدارس كالأحزاب الشيوعية والبعثية والليبرالية وغيرها.

وهنا ننتقل من الفكر السياسي إلى تعريف التطرف, فيعرف بأنه الخروج عن الأعراف والتقاليد والسلوكيات العامة والمعايير المجتمعية والخروج عن القانون السائد, واتخاذ الفرد موقفا متشددا إزاء فكر قائم, ويرتبط التطرف بالتعصب والانغلاق الفكري, فحين يفقد الفرد القدرة على تقبل أية معتقدات أو مجرد تجاهلها, فإن هذا يعد مؤشرا على تعصب هذا الفرد وانغلاقه على معتقداته, ويتجلى شكل هذا الانغلاق بأن كل ما يعتقده الفرد هو صحيح تماما وأن موضوع صحته غير قابل للنقاش.

وهنا ننتقل إلى الربط بين الفكر السياسي العربي والتطرف, ولا بد هنا من ذكر عدة عوامل من الممكن أنها أدت إلى حالة من الضياع العربي:

  • إن المدارس الفكرية العربية ليست صناعة عربية خالصة بل هي نقل عن تجارب فكرية أخرى كالقومية من فرنسا والشيوعية من روسيا والليبرالية من أمريكا والدين كما ذكرنا هو صحوة عالمية.
  • اختلاف البنية التحتية للعالم العربي وتبعا لذلك اختلاف تطبيق المدارس الفكرية, إذ أن المدارس الفكرية في الغرب والشرق تطورت على بنية ابتدأت من الإقطاع إلى البرجوازية إلى البنية الرأسمالية الصناعية,بينما البنية التحتية في العالم العربي لم تمر بالمراحل سالفة الذكر.
  • قضية العولمة التي تضاربت مع الدين الإسلامي على اعتبار الدين الإسلامي ولد في الوطن العربي وهو ما أدى إلى ارتباطه الوثيق بالقيم والثقافة والأفكار العربية, بالإضافة إلى أنه يشتمل على قواعد تنظم الحياة الدنيوية, وهو ما فرض قيودا على المدارس الفكرية بين الجمهور العربي.
  • ضعف العرب والمسلمين في علم السياسة فرغم التطور الذي شهدته الحضارة الإسلامية في جميع المجالات، إلاّ أنها لم تتطرق إلى علم السياسة سواء بالتأليف أو النقل والنقد والترجمة عن الحضارات السابقة, وعدم تطرق العلماء العرب إلى موضوع الحكم والدستور.

و مما سبق نستطيع الإجابة على سؤالنا ب “نعم” و”لا” معا!

أما “نعم” فلأن الصراعات بين التيارات الفكرية وضعف الآليات لدى كل منها أدى إلى التفات بعض الأشخاص إلى حل غير تقليدي للتخلص من حالة الفشل والإحباط وعدم قدرة التيارات المختلفة على النهوض بالمجتمعات في المنطقة العربية, وهذا الحل هو التطرف!

وأما “لا” لأن هناك مجموعة من العوامل الأخرى التي أدت إلى التطرف متمثلة بتردي الحالة الاقتصادية والفساد والأمية والفقر والطغيان السياسي والتنوع الديني والمذهبي في الوطن العربي والنفوذ الأجنبي الذي تمثل بالسيطرة العسكرية, وسيطرة ثقافات معينة على حساب أخرى, ولا بد من ذكر أن هذه الأسباب ذاتها هي المبررات التي اعتمدتها المذاهب الفكرية السالفة الذكر للانقلاب على سابقتها والتي أمنت لها الدعم الجماهيري اللازم إلى أن أثبتت فشلها لتأتي غيرها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد