بعد أن حلت الميكنة بشكل كبير في الزراعة وفقد العديد من فرص العمل، استوعبت المصانع الملايين من العمال، وقام النمو السريع لقطاع الخدمات بإعادة توظيف العديد من العمال الذين فقدوا أعمالهم في ظل التقنيات العالية، وبشكل عام فإن (الزراعة –الصناعة-الخدمات) في النظام الاقتصادي التقليدي دخلت عصر الروبوت، الأمر الذي أدي لبطالة إجبارية للملايين، كما لا يوجد الآن قطاع جديد يتوقع تطويره ليكون قادرًا على استيعاب الملايين المستغني عنهم في الدول النامية نتيجة لإعادة البناء السريعة للتكيف مع أسلوب الإنتاج الجديد، والاحتمال الوحيد لظهور قطاع جديد يتمثل في قطاع المعلومات والذي يتطلب فئات قليلة مختارة وبالتالي لم يقدم بديلًا للملايين الفاقدة لعملها في ثورة المعلومات والاتصالات.

والملاحظ أن ثورة الإلكترونيات وما رافقها من تحولات في أنماط الإنتاج وأشكال التبادل وأنماط الاستهلاك أدت للآتي:

1- تغيرات في مجال التوظيف وأداء سوق العمل، منها تغيرات في التركيب المهاري والمهني لقوة العمل، إذ بدأنا نشهد تقلصًا تدريحيًا لفئات العمالة (الماهرة) لصالح الفئات (الفنية والمهنية) الأكثر اتصالًا بأساليب التكنولوجيا.

2 – تغيرات جذرية في مفهوم (التنقلية) مرتبطًا (بالتنقلية الجغرافية)، بل أصبح هناك تنقلية محازية للعمل على الصعيد العالمي، يضاف لذلك تغير نمط العلاقة التعاقدية بين (العامل) و(رب العمل) حيث أصبح هناك اعتماد على المهارات التكنولوجية والعمل عن بعد من المنزل، وهي مهارة يفتقدها الكثير من الشباب.

3- النقص في معلومات العرض والطلب وصعوبة الحصول عليها بالنسبة للخريجين أو أصحاب العمل.

4- تغيرات في أنماط وأساليب الإنتاج نتيجة استخدام الحاسوب و(الأقمار الصناعية)، مما أدي لتآاكل مفهوم (المصنع التقليدي) و(خط الإنتاج) إذ اتضح الآتي:

* ظهرت السلع غير الملموسة (كالمعلومات والأخبار) في مقابل السلع الملموسة (كالسلع الغذائية وغيرها) وهو ما شكل تحديًا للشباب لمجاراة ذلك التغيير الجذري في أساليب البيع والشراء التي دخل عليها نوع جديد.

* الاعتماد المتزايد على خامات أرقى تعتمد على التقنية، مما شكل دافعًا أكبر للشباب لتعلم مهارات أخرى لمجاراة سوق العمل.

*الاعتماد المتزايد على (الآلات)، مما شكل تهديدًا للعديد من خريجي المدارس الصناعية والفنية والمعاهد.

* التوزيع غير المتكافئ لعناصر القوة الاقتصادية، حيث تم تهميش العديد من الخريجين.

* الرداء الزائف للجامعات، إذ ظهرت كأنها قلعة مستقلة للمعرفة بينما هي إحدى أدوات الدولة وسياستها للسيطرة (داخليًا وخارجيًا) لتحقيق المنفعة لها، إذ أن بعض التخصصات الجامعية تلقى دعمًا وتفضيلًا عن أخرى، لكن هذا ليس في الدول العربية فقط بل في الأوروبية أيضًا، والفارق هو أن الدول العربية اعتمدت على تلك الأداة وركزت على فئات معينة بقوة وذلك لمجاراة التطورات العالمية وفقا لميشيل فوكو.

ما سبق يؤكد أن فرص العمل في ظل العولمة يجب أن تجاري تطور مجتمع المعلومات، وهذا يتطلب أساليب جديدة للتعليم والتعلم الذاتي والقدرة على الإنتاج عالي الجودة، والمعتمد على مواد غير تقليدية وتعلم التعامل معها.

أما إذا كان بناءً اجتماعيًا مشوهًا وتم تطويره بطرق متخلفة، فذلك يصاحبه تطور علمي مشوه، فانحسار الإنتاج وتعطيل القوى المنتجة يصنع هوة بين العلم والعمل، وإهدار الضخ المستمر بوساطة قطاع التعليم في سوق العمل حيث بلغ عدد العاطلين (عام 2001) 1.78 مليون عاطل مما ينعكس على فرص العمل، حيث يعد التوظيف حلقة وصل مترجمة للتعليم لتطور وتوزيع عادل لهذا التطور، فنظم التعليم التي لا توفر مهارات القرن الحادي والعشرين فهي (وإن وفرت تقنيات التعليم الأساسية) تفتقر لروح الإبداع والقدرة على الربط بين مخرجات التعليم وحاجات سوق العمل، وهذه من مشكلات التعليم في مصر، إذ أن معظم خريجي الجامعات بدون عمل لفشلهم في الارتباط بقنوات التجارة العالمية، وعدم القدرة على مجاراة الأساليب الجديدة (على المستوى العام ليس الطلاب فقط) التي من شأنها تنمية الاقتصاد وتغذية الشركات كعلم النفس التسويقي، إذ تجند المؤسسات نفسيين لدراسة سبل لتسويق المنتجات، ومشكلة تلك الدراسة وأهدافها التساؤلات الآتية:

1- هل هناك إمكانية لتحليل الإشارات المخية لمعرفة ما يريد الزبون؟

2- هل يساعد التسويق العصبي على تعزيز الولاء للعلامة التجارية؟

3- هل يؤثر التسويق العصبي على العلاقة بين المنتج والزبون؟

4- هل يساعد التسويق العصبي في إعادة تصميم المنتجات وإعلاناتها؟

5-التحول من التسويق التقليدي للتسويق العصبي وتحقيق السبق التنافسي للمنظمات.

ويقوم المختصون بدراسة أسرار المخ البشري (للمتطوعين) بواسطة عرض إعلانات ومراقبة ردود أفعالهم بأجهزة كالرنين المغناطيسي الوظيفي، إذ يتم استخدام حقول مغناطيسية قوية تقوم عبرها أجهزة الرنين بتتبع الهيموجلوبين الغني بالأكسجين وغير الغني في المخ مما يعطيهم صورة تفصيلية لحظية عن أماكن سريان الدم وأماكن الخلايا العصبية النشطة، ويتبنى التسويق العصبي فكرة أن الزبائن يتصرفون لا شعوريًا، فبمجرد دخولك لأي مركز تجاري سيقرأ مستقبل الـ Rfid المعلومات التي تحملها كل الشرائح الموجودة بملابسك ثم يربطها بقاعدة البيانات ليتعرف على اهتماماتك.

وبواسطة الدراسة التي أتمها (ريد مونتيغ) عبر تجربة الكولا الشهيرة تبين نشاطًا زائدًا في القشرة الوسطية لمقدمة الفص الجبهي (وهي مهمة في الإثارة والتحفيز، وعند إصابتها يصبح المريض فاقدًا للإرادة غير مبال وغافل، وذا بُطء ملحوظ في الرد) عند رؤية الصور التي أعجبتهم، مما يدل (ربما) على أن ذلك يزيد الولاء والرغبة لعلامة معينة، وعند عدم معرفتهم بالشراب المقدم لهم فضلوا مذاق البيبسي عن الكولا لكن عندما تم إعلامهم بالشراب قاموا بتفضيل الكولا وتغير نشاط دماغهم.

ولندرس كيفية اتخاذ قرار الشراء علينا دراسة الجهاز العصبي ويتكون من :

1- الجهاز العصبي المركزي: وهو يتألف من المخ والمخيخ والحبل الشوكي

أولًا: المخ، ويتكون من فصين أيمن وأيسر يتألفان من قشرة ولب، والقشرة الواقعة في الأجزاء الأمامية من كل فص مسؤولة عن أداء الوظائف الحركية، أما الواقعة في الأجزاء الخلفية مسؤولة عن الإدراك والحس، وكل فص يتكون من أربعة فصوص (الأمامي «الحركات والمزاج»، الجانبي «تكامل الإدراكات الحسية»، الصدغي «الإدراكات السمعية والتوازن»، الخلفي «الإدراكات البصرية»).

ثانيا: المخيخ، يتألف من فصين، وهو مسؤول عن التوازن مع الفص الصدغي.

ثالثا: الحبل الشوكي، يحتوي على حزمات عصبية واردة وصادرة تتألف من قضرة ولب ومسوؤلة عن الإيزاعات الحركية والحسية.

2- الجهاز العصبي المحيطي: يتألف من الأعصاب المحيطية (تمتد في أجزاء مختلفة من الجسم وتنقل إيعازات حسية وحركية) والبالغة ١٢ زوجًا، والصادرة من العقد الحسية الواقعة على القرن الأمامي للحبل الشوكي.

3- الجهاز العصبي الذاتي: يتألف من الجهاز الودي واللاودي وهو مسوؤل عن أداء الوظائف الفسيولوجية كتنظيم ضغط الدم والجهاز التنفسي وحركة الأمعاء والغدد الصماء، وهو يقع تحت سيطرة مراكز حسية في لب المخ.

واستنادًا لما تقدم فإن اتخاذ قرار الشراء يقع في الجهاز العصبي المركزي ويمر بعدة خطوات :

1- تصدر عدة إشارات من المخ بخصوص سلعة ما.

2- بعض السلع تحرك مناطق الحماسة، لكن ذلك غير كاف لاتخاذ القرار.

3-  بعض السلع تنتقل لمرحلة المداولة وتحظى باهتمام المخ.

4- الانتقال من مرحلة المداولة لمرحلة القناعة التامة بالحاجة للسلعة، وخلال تلك المرحلة تنشط القشرة الوسطية لمقدمة الفص الجبهي.

ويُستغل الناشئون في التسويق، فسوق منتجات المراهقين التي يزيد قوامها في الولايات المتحدة وحدها عن 30 مليون شخص هي سوق ضخمة وتدر أموالًا طائلة، ليس بسبب مشاركة الناشئين في سوق العمل أو أنهم واعين بالعلامات التجارية والموضة – بل لأن لديهم رغبة بأن يكونوا (عصريين وجذابين) هذه النقطة التي قامت الشركات باستغلالها، لقد نشأ عن ذلك كما تلاحظ علامات من القلق والتوتر المستمر بين المراهقين بسبب حملات الدعاية اللإعلانية الكثيفة، فالمسوقين يضخمون جوانب عدم الإحساس بالأمان والقلق المستمر ليستغلوها وكل ذلك يصب في صالح زيادة المبيعات. وكذلك الطفرة التكنولجية في ألعاب الفديو، فالعنصر الرئيسي في تلك الألعاب هو العنف، إن العنف يتم خلقه في ذهنية المراهق في مراحل مبكرة من حياته، إن العنف الذي ينشأ نتيجة عدم الإحساس بالأمان – يتم ترويجه من الشركات فيجعل الفرد يدفع ويستهلك أكثر ليشعر بالأمان، ولذلك فلا يجوز تفسير اليأس الذي يعانيه الأطفال بوصفه مظهرًا جديدًا للفجوة الأزلية بين الأجيال، ولكن بوصفه نتيجة لتحول هائل في قيمنا وثقافتنا بفعل المؤسسات».

وقاد هذا النوع من الانعزال عن العالم الخارجي لركود اقتصادي في الوطن العربي وتسليم زمام الأمور للآخرين هذا على عكس الهند كمثال، حيث أنها استفادت من العولمة لبناء صناعتها الهندسية لبرامج الكمبيوتر من خلال مشروعات جديدة في (بنجالور، هايد باد) فهناك 80 ألف عامل في صناعات تكنولوجية متقدمة في (بنجالور).

ويعزي (تقرير الاقتصاد العربي الموحد) تفاقم مشكلة البطالة في الدول العربية لجملة أسباب منها في جانب العرض :

1-المعدلات عالية لنمو السكان والهجرة من الريف للمدن وبالتالي زيادة الداخلين في سوق العمل وإهمال القطاع الزراعي.

2-عدم مواءمة التعليم الجامعي لمتطلبات السوق

في جانب الطلب

1-النمو البطيء للاقتصاديات العريبة التي فشلت في خلق فرص عمل متلائمة مع جانب العرض واحتضان الخريجين.

2-عدم إحراز تقدم في مجال تنويع القاعدة الإنتاجية والسياسات الاستثمارية المهتمة بالاستثمارات كثيفة رأس المال التي لا تحتاج عمالة كبيرة، مما تم تهميش الخريجين.

والجدير بالذكر أن السبب الأول (في جانب العرض) له تأثيرات ليست اقتصادية فقط بل بشرية أيضًا، ففي ليبيا كمثال (وفقًا لصديقة عربية) أدى اكتشاف النفط في نهاية عام ١٩٥٩ إلى ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية مما حول الطابع القروي الغالب على المجتمع الليبي بنسبة ٨٠٪ عام ١٩٥٦ إلى مجتمع يغلب عليه الطابع الحضري بنسبة ٨٠٪ عام ١٩٦٩ كما أدي لقدوم أجانب للعمل لشركات النفط وأدى ذلك لتحول الليبيات من نساء قابعات في المنازل لشابات يرتدين أحدث الصيحات الأوروبية ويقدن السيارات ويعملن في الخارج ويتلحقن بالمؤسسات المختلفة.

وقد نظن أن ذلك صاحبه تقدم وضع المرأة لكن ذلك ليس إلا صورة أخرى للسيطرة، إذ أن السيطرة الرأسمالية حلت مكان السلطة الأبوية في تحديد سمات الشابات الجنسانية وذلك بواسطة السياسات التي تتبعها الشركات في ضبط العمالة، بالإضافة لعوامل أخرى سنتطرق لثلاثة منهم لعبوا دورًا مهمًا في إعادة تعريف حقوق المرأة والتزاماتها وهم :

1- تأثير التعليم المؤسسي.

2- أثر ظهور الأسرة النواة وارتباط الأزواج.

3- أثر عمل المرأة خارج المنزل.

ونرى خلال هذه المتغيرات كيف يتم هيكلة خضوع المرأة مؤسسيا حتى تقيد بمواقف التبعية، فالمدرسة مثلا تعني توقف العائلة عن توفير الإطار الأولى للتنشئة الاجتماعية، ويترتب على ذلك فقدان تجربة الحياة العائلية وتكتسب مجموعات الأقران في المدرسة أهمية في بناء الحياة خارج إطار الأسرة، ونرى أيضًا استعارة النمط الغربي في الزواج (بنكهة شرقية، إذ تم نفي مبدأ الصحبة) وظهور الأسرة النواة الذي يرتبط بارتفاع معدلات الهجرة أيضًا ليس بالتأثير الغربي فقط، والعيش في الأسرة النواة يعني التخلي عن العصب النسائية (التي كانت شائعة في الأجيال السابقة والمصاحبة لفصل الجنسين عن بعضهم) التي شكلت مصدرًا للدعم المتبادل وهو ما غير وضع المرأة من الاستقلال للتبعية والانصياع للزوج، وصار الرجال يتخذون قرارات منزلية كانت مقتصرة سابقًا على النساء وصارت النساء يعتمدن على الزوج لحفظ مكانتهم الاجتماعية، ونرى أيضا زيادة تبعية المرأة إذ يعني خروج المراة للعمل استغلال مواردها المالية من قبل زوجها، وكان في هذا التغير في العلاقات الاجتماعية بترا لمكانة الأم عند الطفل، إذ تم استبدالها بالمؤسسات في الصغر وبالزوج في الكبر، مما يشكل صعوبة في نقل الثقافة العائلية من جيل لآخر والنتيجة المترتبة على ذلك سهولة الانخراط في الحركات الجماهيرية والأيديولوجيات الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب : علم الاجتماع العائلي / كتاب : التسويق العصبي / كتاب : الثقافة و الكرامة : حوار بين الشرق الأوسط و الغرب /
عرض التعليقات
تحميل المزيد