العربي، الكائن الإنساني، يعيش حاليًا أزمة وجودية، في بحثه اللاشعوري عن معنى لحياته. قد يجيب القارئ بأن العربي استكان للدين وأذعن له، وبتالي فالمعنى الوجودي له مرتبط بدينه، ولكن علينا هنا أن نفصل بين المصطلحات الثلاثة: المؤمن، المسلم، والعربي.

إن العربي أصبح يقتات على أيديولوجيات الشعوب الراقية بالنسبة له، ولا نعني بالرقي الجانب الأخلاقي، بل الجانب الآخر، المالي.

كما يقول ابن خلدون المغلوب مولع بتقليد الغالب، أصبح العربي يرى سبل نجاحه فقط في تقليد صخب أمريكا أو بعض الدول الأوربية، وكما كان الشاب العربي في ظل أزمته الأولى يعيش تحت وطأة النمذجة الأورويية في الثلاثينيات، وفي ظل أزمته الثانية في تماهيه مع برغماتية أمريكا في التسعينات، والتي ما زالت إلى الآن تحكم نظرته إلى الأشياء، أصبح الشاب العربي المعاصر الألفيني يقلد، وأخيرًا الثقافة الكورية، والتركية، واليابانية.

كما يقال أصبح العربي الذي كان في زمن قريب مصدر للثقافة الإنسانية، هو من يبحث عن ثقافة يتلبسها ليعيش في هذا العالم.

إن النظر للعربي من زاوية واحدة، وعده شخصًا أو ذاتًا يمكننا من فهم بعض الأمور عن هالته العقلية، إن هذا العربي يعاني في ظل هذه الأزمة صدمة حضارية كبيرة، جعلته منفصمًا اجتماعيًّا.

والفصام يشير علميًّا إلى شخص فقد ترابط أجزائه الشخصية بين العقل، والفكر، والعاطفة، والكلام.

ولنأخذ كل جانب من هذه الذات ونشرحها على سرير الحقيقة، لكي نلج إلى زيف الحقيقة، وننزع القناع، قناع المثالية الزائفة، فعلينا حقًّا كما يرى فوكو أن نحلل الخطابات لنكشف عن الماوراء؛ فالشك مفتاح اليقين كما يرى ابن رشد.

هناك الجانب الأول: العاطفي، هذا الجانب اتخذ لإنفعالاته حرية التعبير عن أزمته، فلنقل هو يأخذ جرعات من قوته عن طريق اتباع طريق الجنس واللهو، والحب وإشباع الغرائز في سبيل نسيان البحث عن وجوده.

أما اللغوي، وهو الجانب الثاني من الذات، اتبع طريقًا مغايرًا لما اتخذته العاطفة، ولكن في مضمونهما لهما الهدف نفسه، وهو تناسي الأصل العربي، فنجد الخليجي يتباهى بإنجلزيته، والمغربي بفرنسيته، وإسبانيته، وبعض الشابات من جيل النمذجة الإعلامية يتماهى بكلماته الكورية أو التركية.

أما الجانب الفكري، وهو آخر الجوانب في تلخيصنا المتواضع لبنية تشريح الذات العربية المنفصمة، فقد تعرض لكثير من البعثرة، لكثير وكثير من الشتات؛ فأزمتنا بكلمة واحدة هي أزمة فكر.

الفكر هنا اختلط بالدين، فالدين هو فكر قائم، وأما التدين هو الاعتقاد بهذا الفكر القائم، وأما الدين الحقيقي نعرفه بالفطرة، لأنه الفكر الإلهي النقي على كل غرائز وأفكار المخلوق (الإنسان).

فتنوعت الزوايا التي ينظر منها إلى هذا الدين، فهناك من يراه وسيلة لإرتكاب الدناسة باستخدام القداسة، القداسة هنا رداء الدين، التعبير عن الغرائز بالدين، فالإمام الذي يريد أن يعبر عن رغبته في تناسي وجوده يستخدم حيلة أن الدين لا رداء له ولا قومية، وأن علينا أن نتماهى مع أمريكا لسبيل الوصول إلى التقدم، وهو بذلك أسقط لنا فكره في قالب الدين، وكذلك فعل الداعشي حينما أراد أن يحارب فكر أمريكا بالسلاح وهو يستخدم وسائلها للاتصال، وكما قال أحدهم يومًا إن كنت تحارب عدوك فلا تتبع ما يصنع، بل اسبقه بخطوة واصنع لنفسك فكرًا.

بدون الولوج إلى تفصيل أعمق تنقصه الدراسات والأبحاث، وكما أن مكان الكتابة لا يسعه التفصيل، فإن الأمر ببساطة هو الحل، فأين نجد الحل؟ الحل بسيط جدًّا، ولكنه صعب لتلكم الدرجة التي تجعل أقوى شخص فينا يقف ضعيفًا أمام هذا الحل، وهو السؤال، علينا أن نعترف بالقناع، بتبعيتنا، وليس أن نعرف أنفسنا فقط، بل أن نهذب أنفسنا.

اعرف نفسك، وهذب نفسك، هي القاعدة الوحيدة للوصول إلى النقطة التي يبدأ منها التغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد