اليوم نراقب جميعًا الوضع الحاصل في الولايات المتحدة جراء قتل شرطي أبيض لمواطن أسود، وما أدى ذلك إلى مآلات أخرى ومظاهرات واحتجاجات غاضبة لم يكن يتوقع حدوثها، ذلك الشرطي الأبيض حين قدم على قتل المواطن الأسود. التفاصيل كثيرة جدا، والأخبار تتوالى تباعًا لتنقل كل ما يحصل في ولايات أمريكا على طول البلاد وعرضها، والجميع يترقب ويقرأ المشهد وسط ذهول وتعجب على الطرفين -الشرطة والشعب- ويتساءل الكثير أهذه هي الديمقراطية والحرية التي تتشدق بها أمريكا، بل ماذا عن أعمال الشغب والتخريب التي يقوم بها المتظاهرون؟!

المقال هنا لن يكون حديثه حول هذه المشاهد، ولن يخوض حتى في مجرى أحداثها، بل السبب الحقيقي وراء كتابته هو قراءة العرب للعنصرية في أمريكا. يتشدق الكثير منا حول قيم المساواة والعدالة ومدى تجذرها فينا كعرب وأننا نستقيها من ديننا الإسلامي الحنيف، ويضحك ساخرا على تواجد العنصرية في مجتمع متقدم وحضاري كالمجتمع الأمريكي مثلا!

على الرغم من أن دعوى كهذه تبدو ظاهريا صحيحة ولا غبار عليها، لكن الحقيقة المرة عكس ذلك تماما، فهل المجتمع العربي كما نقول مجتمع خال من العنصرية؟ تسليط الضوء على عنصرية العرب فيما بينهم لا تحتاج إلى كثير من الجهد والوقت، فالمظاهر العنصرية موجودة في كل بلد، الطبقات المجتمعية ولون البشرة والعرق القبلي والانتماء الحزبي وحتى الوظيفة العامة، كلها صور للعنصرية تمتلئ بها الدول العربية. يتقاسم المجتمع العربي في كل دوله خريطة العنصرية كأنها ثروة قومية، فما من دولة إلا وتجد غالبية أبنائها يتصارعون فيما بينهم صراعًا مريرًا تحت لافتة الأحزاب مثلاً، فالذي لا ينتمي لحزبي هو عدوٌ لي.

وكذا لون البشرة فأصحاب البشرة السوداء لنا فيهم نظرة تختلف عن نظرة أصحاب البشرة البيضاء في كل نواحي الحياة، بدأ من العمل والسوق ووصولاً إلى المناصب الحكومة والرسمية والاجتماعية. في المجتمع العربي هناك عنصرية للوظيفة، فعدد من الوظائف العامة يكون أصحابها محتقرون ومهانون بل وحتى مقصون من الحياة العامة، ويعود ذلك لكون هذه الوظيفة ليست بالمستوى الراقي ولا تتناسب مع عادات المجتمع وتقاليده وتختلف نوعها من بلد إلى آخر بالطبع.

في الآونة الأخيرة لاحظ الكثيرون أصوات تظهر هنا وهناك تحتقر العمالة العربية في بلد غير بلدها الأصلي، فأنت تعمل بمقابل مادي وليس لك الحق في أي شي، وتطالب بترحيلها وتهجريها من البلاد فهل هذه ليست عنصرية؟! أشكال وأنواع العنصرية في البلاد العربية لا تحصى ولا تعد وفي كل بلد عربي هناك عنصرية، وحتى على مستوى المدينة والحي والشارع، يحتدم القتال جراء كلمة عابرة وتسيل الدماء، ونخرج نحن صارخين أن المجتمع الأمريكي مجتمع عنصري. الأسود والأبيض والعنصرية الحاصلة فيما بينهما قديمة منذ الأزل ولا تقتصر أبدًا على مجتمع من المجتمعات، تتفاوت فقط في المعايير وردات الفعل والمجتمع الخالي من العنصرية مجتمع مثالي حكى عنه أفلاطون في كتابه عن الدولة الفاضلة التي لم تر النور بعد.

أخيرًا يبدو أن معايير التقييم والإدانة تختلف على حسب المزاج والولاء الأعمى، مع أن جريمة كالعنصرية مثلا تظل جريمة كانت في أمريكا أم في بلد عربي، فالضحية واحدة والدم المهدور دم إنسان. تتواجد حوادث للعنصرية كثيرة في كل بلد عربي، وتتكرر بشكل شبه يومي بل ويتساقط الضحايا باالعشرات ولم نجد أحد يتحدث عنها سواء سلبا أو إيجابًا. ومع أن الضحايا هنا كانوا بشرًا والمعتدي معروف لدى الجميع، لكن التعاطي مع هذه الحوادث لم يكن بذاك الشكل الذي يتم حاليًا في أمريكا وهذا مؤشر على ازدواجية المعايير وفقدانية الإنسانية ضميرها المفقود أصلا، كلاهما جريمتان اختلف المجرم أو تشابه، تضل الضحية واحدة ويتباين هنا المبدأ والضمير.

ولا أعتقد أن للضمير وجودًا عند المتعاطين والمتفاعلين مع مثل هذه الحوادث، فالمصلحة والرؤية القاصرة متقدمة عندهم على المبدأ والضمير، لا أحد يدافع عن عنصرية الامريكيين ولا يختلق لهم مبررات، بل يتعجب كثيرا ماذا عن عنصرية العرب؟ هل من تغيير أو انتقاد أو حتى قلم يحكي عنها؟ قبل أن نشمت وننتقد ونضحك على عنصرية الأمريكيين تجاه أصحاب البشرة السوداء يجب علينا أن نراجع أنفسنا ونتساءل: ماذا عن عنصرية العرب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العرب, عنصرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد