منذ أن وعيت على مشاكلنا العربية والجميع يشير بأصابع الاتهام إليه، نعم، التعليم سبب الجهل والتخلف والفساد وضياع الأجيال. حقيقة أنا أصدق ذلك كليًا.

فأنا مثلك.. تعلمت في مدرسة عربية، أمضيت سنوات طويلة مع زملائي وأساتذتي بين الكتب والدفاتر ومواقف الاختبارات وعواصف الدرجات، والحقيقة التي لا نحتاج لبذل جهد لمعرفتها أن واقعنا العربي في قضية التعليم مأساة، واقع دامٍ بشع بحجم بشاعة الحرب العالمية الثانية !!

تبدأ قصة التعليم في عالمنا العربي بصدمة الدخول إلى المدرسة تلك الصدمة التي تستمر مع الطالب مدى الحياة لأنه سيحصل على أول عقاب بدني لأنه لم يلتزم بالجلوس في الفصل الذي لا يعرف عنه شيئًا، تستمر المأساة وتزيد مع عقاب بدني آخر لطالب نسي كتابه المدرسي ثم تأتي المصيبة الكبرى بأن الطالب المجرم فقد درجتين في الامتحان الشهري فيستدعي المدرس والده ليقوم هو الآخر بضربه أمام الطلاب فهو المجرم بحق نفسه، وتستمر المأساة حتى امتحان
الثانوية العامة وهو امتحان الحياة أو الموت، فكم من طالب انتحر قبل ظهور النتيجة وكم من طالبة توفيت من الفرحة بعد ظهورها.

 


عالمنا التعليمي

يرتكز على حفظ الكتب المدرسية فقط، يجبرك على ترك أي قصة أو كتاب خارج المناهج، الدرجات هي المهمة، والامتحانات هي التي تحدد مصير الطالب وأهله، تحبب الطالب في الغش والكذب وتنمي لديه مهارات في كيفية التعامل مع الامتحانات بحيث يهتم بها أكثر من اهتمامه بمحتوى المواد والعلوم، كلما استمر في التعليم كلما استمر في مسيرة التجهيل وانعدام الثقافة. أما عن التعاون والمشاركة بين الطلاب والمعلم فذلك يظهر من خلال تثبيت زميله لكي يستطيع المدرس ضربه بسهولة أو أن يصبح الطالب مندوبًا (عميلًا) لصالح المعلم طمعًا في منصب “عريف الصف“، طابور الصباح يشهد على كم النكات والشتائم، والفصول الدراسية تشهد على كم الإهانات والجرائم، بين حوادث القتل والاغتصاب الجسدية والفكرية!!

 

 

عالمنا التعليمي يحط من قيمة المعلم، بحيث يصبح هدف مشروع للطالب وأهله ولمدير المدرسة ومشرفه، يعتبر فأر تجارب لكمية الأفكار التربوية الرهيبة التي تطلب منه وحده، وهو مشكوك في مؤهلاته دائمًا، يضع نفسه في مواقع محرجة غالبًا بسبب الثقافة العامة المتواضعة ومعارضته للحريات وانعكاس لفهمه المرتبك للدين. يتقن المعلم أنواع العقاب البدني وأنواع الخيزران المناسب لإحداث أكبر قدر من الألم، يستخدم المعلم كل الأساليب لشراء سكوت الطلاب في حصته، يعلمهم أنه يستحق أن يعبد فيقول لهم: “من علمني حرفًا كنت له عبدًا”، فيحبب إليهم مفهوم العبودية بقدر ما يحبونه، كيف لا وهو الذي كاد أن يكون رسولًا؟!!

 

حقيقة يكفي ذلك، فلا فائدة من سرد المزيد من الحكايات المؤلمة من الحياة التعليمية السخيفة في عالمنا العربي. ومن ذلك الواقع المرير ننتقل إلى تجربة فنلندا في التعليم، مع الإشارة إلى أني لن أعمل على تمجيدها كما عملت على تقزيم الواقع التعليمي لدينا مع أن تجربتهم تستحق التمجيد وواقعنا يستحق التقزيم.

فنلندا.. حيث صناعة التعليم!!

 

 

في فنلندا لا يوجد امتحانات ولا يوجد درجات، أنا متأكد أن ذلك يعجبك، نعم لا توجد امتحانات وذلك ليس الشيء الوحيد الداعي للنظر والبحث، فالمدرسة هناك أكثر من مدرسة وغالبًا ما يتخرج الطلاب بفروقات بسيطة في المستوى التعليمي بدون شهادات تقدير للمتفوقين وخطابات تحذير للراسبين الفشلة !!

 

قصة فنلندا تنتهي عندما أدركت أنها تجلس على كنز من الذهب تحت مسمى “القيم التربوية والتعليم” حتى أصبحت قبلة العالمين والباحثين في هذا المجال، ومطمح الدول الكبرى ومثالًا متفردًا فيه. ولكنها بدأت


عندما رفضت أسلوب التلقين والحفظ والنمط التقليدي في التعليم، عندما ارتقت بمهنة التعليم لتصبح أكثر من مهنة محترمة، وارتقت بالمعلم حيث ينظر الناس إليه على أنه عالم، وتحولت المدارس من أماكن تعليم إلى مختبرات.

 

علامات من النظام التعليمي في فنلندا:

 

  • المدرسة الابتدائية هناك تسع سنوات متواصلة لا يوجد فيها تقسيمات، وتماثل هذه المرحلة مرحلتي الابتدائي والإعدادي عندنا.
  • ينقسم التعليم بعد السنة التاسعة إلى تعليم ثانوية عام وتعليم ثانوية فني مدة كل منه ثلاث سنوات، وهذه المرحلة تعادل المرحلة الثانوية.
  • الامتحان الوحيد الذي يقدمه الطالب هو امتحان الثانوية

    بعد انقضاء 12 سنة تعليمية!

     

  • بعد انتهاء الدراسة الثانوية يختار الطالب الانتقال إلى الجامعة سواء كانت عادية أو تطبيقية ودخول الجامعة يحتاج لاجتياز القبول الصعب الدقيق.
  • توفر فنلندا حصص تربية دينية حسب ستة مذاهب مسيحية، وتوجد حصص تربية دينية للدين الإسلامي، وكذلك البوذية والبهائية والدين اليهودي.
  • فنلندا لا تعرف الدروس الخصوصية على الإطلاق، هو أمر غير وارد ضمن حسابات التعليم لديهم.
  • يحصل الطالب في فنلندا على وجبات صحية مجانية كل يوم وطيلة سنوات الدراسة بموجب القانون.

     

 

لماذا تخلت فنلندا عن الاختبارات والدرجات في المدارس:

 

من الصعب تناول هذا الجانب والإجابة على هذا السؤال، فذلك جزء من منظومة كاملة، ولو أردنا تناول هذا الجانب من التجربة الفنلندية من خلال تقييم تقدم الطلاب دون الحاجة إلى اللجوء للاختبارات والدرجات التي تصنف الطلاب حسب أدائهم الأكاديمي.

 

خبير التعليم الفنلندي والأستاذ في جامعة هارفرد “باسي سهلبرج” يوضح أن ذلك لا يعنى فشل نظام الاختبارات، ولكن يمكن إدارة المدارس بكفاءة وفعالية دون الحاجة إلى الاختبارات. حيث يقضي المعلمون أوقاتهم في عمل الأنشطة أثناء الفصل الدراسي والطلاب يقضون أوقاتهم في تعلم ما يفيد بدلًا من تعلم كيفية الإجابة عن الأسئلة في الامتحانات. وذلك يدفع الطلاب إلى إيجاد الإجابات المناسبة للمشكلات حيث يسمح لهم بأن يتساءلوا »ما هي المشكلة الحقيقية التي نحتاج إلى إيجاد حل لها؟« على عكس النظام الذي يعتمد على فكرة ــ هذا السؤال لن يأتي في الاختبارــ ومن ثم لا يوفر الفرصة للطلاب لتعلم ما يفيد حقًّا.

 

امتحان الثانوية العامة الوحيد:

  • يقام اختبار الثانوية العامة مرتين سنويًّا، مما يتيح للطالب تقسيم اختباراته على أكثر من مرحلة، بشرط ألا يزيد عدد المراحل عن ثلاث.
  • يستطيع الطالب اختيار مواد إضافية، ولا يوجد حد أقصى للمواد التي يريد الطالب أن يجري اختبارًا فيها، ولهذا يوجد طلاب من العباقرة الذين يؤدون اختبارات في عشر مواد.

     

  • توجد مواد تكميلية يستطيع الطالب من خلالها تحسين درجاته في المواد الأساسية.

     

  • يستطيع الطالب أن يختار الأسئلة التي يجيب عليها من الاختبار المشترك بين جميع الطلاب.

     

المعلم في فنلندا:

 

يمكن القول إن المعلم في فنلندا يختلف عن المعلم عندنا، حاول أن تنسى صورة المعلم التقليدي الذي يلبس ربطة العنق والنظارة وبيده العصا وركز قليلًا.

المعلم في فنلندا باحث في مجاله إذ حرصوا هناك على أن يكون المعلم هو الذي يجيد البحث العلمي، والقادر على تطوير معارفه باستمرار، وتطبيق النظريات العلمية في طريقة تدريسه في الصف، واسع المعرفة، متابعًا للتطورات الاجتماعية، منفتحًا على الثقافات الأخرى، مدركًا لتفاصيل الحياة السياسية.

 

 

تابع معي بعض الأمور التي تخص المعلم في فنلندا:

  • يجب أن يكون حاصلًا على شهادة الماجستير المتخصصة على الأقل

    إضافة إلى شهادة تربوية عليا كما أن شهادة الماجستير تلك ليست أي شهادة ماجستير، بل يجب أن تكون في مجال متخصص حول الإعداد الفكري في الصف.

  • يحصل المعلم على تقدير مالي ومعنوي كبير، إذ تعد أجورهم ضمن فئة الأجور المرتفعة.

     

  • المدرس يستطيع اختيار طرق التدريس وحتى المناهج والكتب التي يستخدمها. ويكلف المدرس بتصميم المناهج الدراسية الخاصة به.
  • يخضع المعلم لعملية تدريب إلزامي دوري خلال العام لتطوير قدراته.

     

  • 90% من المعلمين من النساء والنسبة الأكبر منهم ضمن الفئة العمرية أكبر من 40 عامًا.

     

 

تأصيل حق الطفل في التعليم وحمايته في الدستور والقوانين:

  • تتولى السلطات المحلية الإشراف المباشر على جميع الأمور التنظيمية المتعلقة بالتعليم.
  • يكفل القانون في فنلندا وبنصوص في الدستور حق كل طفل في الحصول على التعليم الأساسي سواء كان طفلًا سليمًا أو معاقًا، ويشمل ذلك توفير المقعد المدرسي لمدة تسع سنوات من سن السابعة حتى السادسة عشر، مع توفير السنة التحضيرية الاختيارية قبل المدرسة.

     

  • مهمة المدرسة الابتدائية كما نظمها القانون هناك هي تنمية كل طالب وكل طالبة، ليصبح كل منهما عضوًا متحملًا للمسؤولية الأخلاقية والإنسانية في مجتمعه، وأن يتلقى من العلم والمعرفة ما يلزمه في حياته، ويتناسب مع قدراته.
  • قانون رعاية الأطفال في أبريل 1973م، وفر هذا القانون للأطفال دون سن السابعة الرعاية والتربية في مؤسسات تدعمها الدولة ماديًّا وإداريًّا، ولم تعد رياض الأطفال تابعة للمؤسسات التعليمية، ولم يعد حق تربية الأطفال الصغار مقتصرًا على الوالدين وحدهما.

     

  • وفي عام 1990 صدر قانون يعطي الأطفال دون الثالثة الحق في مكان لرعايتهم في منطقة سكنهم. وفي عام 1996م صدر قانون ليشمل هذا الحق كل الأطفال، الذين لم يبلغوا سن

    المدرسة بصورة عامة.

     

 

محاولات عربية فاشلة.. نقلت التجربة الفنلندية للتعليم

وتناست القيم والأسس فكان مصيرها الفشل

في الإمارات قام المجلس التعليمي في “أبو ظبي” بتحويل مدرستين واحدة للبنين وأخرى للبنات لمدرستين على النظام الفنلندي، إلا أنها كانت تجربة فاشلة.

يقول “باسي سهلبرج” عن تلك التجربة: “معظم الناس يأتون إلى فنلندا باحثين عن العوامل التي أدت إلى نجاح النظام التعليمي الفنلندي، متجاهلين قوة الثقافة الفنلندية وأهميتها بالنسبة للأطفال” ويتابع: “وفي الوقت الذي يبدأ فيه الأطفال الفنلنديون الدراسة، يكونون قد اكتشفوا أنفسهم فعليًّا وقضوا وقتًا طويلًا في اللعب والاستمتاع بحقوقهم كمواطنين صغار“.

 

ويشير “سهلبرج” أنه من أسباب نجاح نظام التعليم الفنلندي أن النظام التعليمي جزء من نظام أكبر اقتصاديًّا واجتماعيًّا.

 

كارلوس ليدبيتر” باحث بريطاني في مجال التعليم يقول: “هناك أجزاء من النظام التعليمي في فنلندا يمكن تصديرها، التدريس وتدريب المدرسين وطريقة تنظيم المدارس، لكن بالمقابل هناك أشياء لا يمكن تصديرها، فالتعليم ثقافة حقيقية في فنلندا إنها مرتبطة بتاريخ البلد هناك ثقافة الاحترام وتعزيز المعرفة. إنها أشياء لا يمكن العثور عليها في مكان آخر“.

 

 

إذن الأمر لا يتعلق بإنشاء مدرسة ابتدائية هنا أو هناك وتطبيق بعض العادات المنقولة إليها، الأمر أكبر بكثير يا صديقي، الأمر يحتاج لبناء الحياة
وسيكون التعليم المتطور المناسب نتيجة لذلك، وسببًا لكثير من التطوير والتنمية في بقية المجالات.

 

ماذا بعد؟!

إذا كنت تعتقد أن فنلندا أصبحت تصدر المعرفة والتعليم بمحض الصدفة فأنت واهم، وإذا افترضت أنك يمكنك تطبيق تجربتها والبناء على ما وصلت إليه في مجال التعليم فأنت مخطئ، وإذا افترضت أنه بين بلادنا العربية وفنلندا سنوات من الإعداد والتخطيط على جميع المستويات فأنت مصيب.

 

فنلندا نفسها كانت بعد الحرب العالمية الثانية من أفقر البلدان، ولكنها قامت بما لم نقم به حتى الآن، ويرجع ذلك بالتحديد إلى سنوات السبعينيات عندما كانت فنلندا تعاني ما نعانيه اليوم من مشاكل التعليم ووضع اقتصادي منهك يعتمد على الزراعة غير المستدامة، لكنهم أدركوا أنه يجب عليهم بناء اقتصاد معرفي فعلي كما قال “توني واغنر” وهو بروفيسور جامعة هارفارد. فبدأوا بتغيير كامل لعمليات تحضير واختيار معلمين ومعلمات المستقبل، وجعلوا لمهنة التدريس أعلى المكانات الاجتماعية فضلًا عن الأجور المرتفعة.

 

كما قاموا بالتأسيس لمرحلة النهضة العلمية

ووضعوا الأسس في الدستور، وصاغوا القوانين التي تعمل على حماية الطفل وحماية حق الصغير والكبير في التعليم، كما وضعوا أسسًا صالحة لبناء نظام تعليمي متكامل يخضع للرقابة والمتابعة والتحديث مع منح كل أطراف النظام الحرية الكاملة في عملهم. واستعانوا بنماذج ناجحة في بعض الأمور المرتبطة بالتعليم، ومثال على ذلك أنهم استعانوا بالنموذج السويدي في توفير الرعاية المناسبة للأطفال، ووضعوا نظم متابعة وتقييم مستمر لكامل نظام التعليم تقوم بها ثلاث منظمات على مستوى الدولة هي: مجلس تقييم التعليم، والمجلس الأهلي لتقييم التعليم، والمجلس الوطني للتعليم.

 

إذن الأمر ليس محض صدفة يا صديقي.. أليس كذلك؟! الآن ما رأيك في نظامك التعليمي؟ وكيف يتعامل الدستور والقانون والحكومة والمجتمع والأهل مع ملف التعليم؟ أجب عن ذلك قبل أن تطلب من طفلك أن يصبح عالمًا أو باحثًا أو طبيبًا. أجب عن ذلك إن استطعت.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد