” ما دامت إسرائيل تنتج هذا النوع من الأسلحة ، فليس هناك سبيل غير أن تلحق بها مصر فورا ” جمال عبد الناصر

هذا هو الجزء الخامس من مقالي البحثي عن السياسة الخارجية السعودية، أكمل الحديث عن علاقة السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية الحليف والحامي الأكبر للسعودية وقد اخترت ثلاث محطات في تاريخ العلاقات الأمريكية السعودية.

 

بدأتها بالكشف عن الوثائق الأمريكية التي تفضح التعاون السعودي مع أمريكا في الخمسينات والستينات ضد التيار القومي العربي  بزعامة الرئيس (جمال عبد الناصر) في مصر.

 

وأما المحطة الثانية فهي عن الحرب الغير مقدسة في أفغانستان، وتحدثت وأظهرت بالوثائق أيضاً كيف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية ( الدين ) كجزء من استراتيجيتها في حربها ضد الإمبراطورية السوفيتية الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية وبينت دور السعودية في تلك الاستراتيجية الأمريكية في تلك المرحلة .

 

والمحطة الثالثة اليوم عن حروب البترول الثلاث وقد انتهينا في المقالة الماضية من الحديث عن كل من حرب أكتوبر 1973 والحرب العراقية الإيرانية، وبدأنا في الحديث عن الحرب الثالثة حرب غزو الكويت وتدمير العراق معا .

 

وقبل أن أبدأ أُحب أن أسرد بعض الملاحظات :

 

إنني لم أفرض على أحد أن يقتنع برؤيتى ووجهة نظري في سردي للأحداث أو في تحليلها، بل الخيار في النهاية للقارئ، فله أن يقتنع أو لا يقتنع وأكون شاكرا له في الحالتين .

 

( إلا أن ” أنا سأظلُ أنا ” كما يقول شكسبير) كما أسلفت سابقا .

 

إنني انتهجت في تناول الموضوع مزيج ما بين المنهج التاريخي والمنهج السياسي؛ لأننى وجدت أن المنهج التاريخي وحده لن يكون كاشفاً، وأن المنهج السياسي وحده لن يكون منصفا وأظن أن ذلك يُحسب لي، وليس ضدي.

 

إنني في النهاية أشكر كل من اهتم بما أكتب وقرأ ما كتبت، وأرسل لي معجبا أو مستاء، مؤيدا أو معارضا، فللجميع كل الشكر والامتنان .

 

 

” ليست المسألة هي أن نتمكن من صنع الصواريخ أو الطائرات، المهم أن هذه المجالات هي تكنولوجيا المستقبل ولابد أن نتيح للمصريين التعرف عليها والتخصص فيها، وهذا عندي أهم من سرعة إنتاج الطائرات أو الصواريخ “

جمال عبد الناصر

 

عندما انتهت الحرب العراقية الإيرانية، كان العراق خرج منتصرا من صراع عسكري أدى إلى ما يقارب المليون قتيل، وهو يملك قوة عسكرية كبيرة واستنزاف اقتصادي أكبر؛ فآلتها  العسكرية كانت تثير الدهشة للبعض، والخوف للبعض الآخر، وخصوصاً لدول الخليج فقد كان العراق يمتلك :

 

55 فرقة ومليون جندي تحت السلاح و 500 طائرة  و 550 دبابة، وأما على الوضع الاقتصادي كان في شبه كارثة :

 

 

ففي بداية الحرب كان العراق يملك 36 مليار دولار احتياطياً، ولم تكد سنوات الحرب الثماني تمضى حتى تجاوزت ديون العراق 100 مليار دولار . (1)

 

 

هذا بالإضافة إلى شعور العراق بأن هناك من يتحين فرصة للانقضاض عليه وعلى رأس هؤلاء الولايات المتحدة وإسرائيل، وكانت الدولتان تقلقهما مشاريع التسليح العراقية، وخصوصا الأسلحة الغير تقليدية، إن تصنيع السلاح في العالم العربي قد بدأ يفرض نفسه باهتمام بعد حرب 1948.

 

وفى العصر الملكي أنشئت مصر أول مصانع للذخيرة في العالم العربي وبعد ثورة يوليو 1952 حدثت طفرة كبير في مجال إنتاج السلاح، ثم حدثت نقلة نوعية كبيرة بعد حرب السويس 1956، وفى ذلك الوقت بدأت إسرائيل برنامج ضخم لتصنيع الأسلحة النووية والكيماوية وحتى البيولوجية.

 

وبعد انتهاء معركة السويس 1956 في اجتماع لكبار المسئولين في الدولة وقت ذاك قال الزعيم ( جمال عبد الناصر):

 

( هناك مجالات لابد وأن ندخل إليها : إسرائيل تفكر ذريا، ولا بد نحن الآخرين أن نفكر مثلهم، طلبت حصرا لكل خبرائنا في الطبيعة النووية، وعرفت أن بينهم عالما كبيرا بينهم لديه كل المؤهلات، ونحن نحتاج إلى مفاعل نووي ولابد وأن نحصل عليه .

 

 

لا بد وأن نتمكن من صنع سلاحنا بما فيه الطائرات، عندنا مصانع سلاح على نطاق محدود، وقد وضعنا برنامج لبناء صناعة سلاح الطائرات قضية أكثر تعقيدا، ولابد وأن نتعاون فيها مع أحد أفكر في الهند أو يوجوسلافيا.

 

 

أيضا هناك الصواريخ هناك علماء ألمان يتخطفهم العالم بما فيه الولايات المتحدة، وقد حاول بعضهم جس النبض معنا، وقد قلت: إننا نرحب هناك بواحد بالذات اتصل بنا ويظهر أنه شارك بشكل كبير في صن صاروخ ( إف 2 ) وقد وافقت على قدومه إلى هنا .

 

ليست المسألة هي أن نتمكن من صنع الصواريخ أو الطائرات المهم أن هذه المجالات هي تكنولوجيا المستقبل، ولابد أن نتيح للمصريين التعرف عليها والتخصص فيها، وهذا عندي أهم من سرعة إنتاج الطائرات أو الصواريخ .

 

 

هناك أيضا مسألة الأسلحة الكيماوية وأنا اعرف أنها ممنوعة، ولكننا لابد وأن نملك سلاحا رادعا، إذا سبقتنا إسرائيل في مجال الذرة يقولون إن الأسلحة الكيماوية هي: ” السلاح النووي للفقراء “، وأظن أن القول صحيح.))  (2)

 

واتخذت مصر قرارا استراتيجيا سنة 1957 بألا تتخلف في هذه المجالات، وإنما عليها أن تختار ما يناسبها من تلك المجالات مما يمكنها من تحقيق نوع من التوازن في وسائل العمل العسكري المحتملة .

 

ودخلت مصر برنامجا لإنتاج الطائرات، ومنها:  (القاهرة 100) و( القاهرة 200 ) و( القاهرة 300) وكان المشروع مشتركا مع الهند، بالإضافة إلى عدد من الخبراء الألمان. وحدث نفس الشيء تماما في مجال الصواريخ فتم إنتاج طراز (القاهر ) و( الظافر )، ثم ظهر الصاروخ من طراز ( الرائد ) الذي كان يبلغ طوله مائتي كيلو متر .

 

 

وطبقا لوثيقة أمريكية بتاريخ 9 يوليو 1963 تحت رقم ( 4445 – 138 )

 

فإن  وزير الخارجية الأمريكية ” دين راسك ” كتب إلى السفير الأمريكى برقية كان نصها كما يلى :

 

 

( إلى السفير: مع أننا لا نتوقع أن يظهر أى شيء جديد بشأن الصواريخ المصرية في الاستعراض العسكري السنوي الذي يقام يوم 23 يوليو فإنك وأعضاء سفارتك عليكم وبأسرع ما يمكن موافاتنا بأي شيء تلاحظونه أثناء العرض، ويكون من شأنه أن يعكس تقدما أو تغييرا في تطوير الصواريخ، إن هذا الموضوع مهم وهو مُثار في اتصالاتنا مع الإسرائليين ) (3).

 

 

 

 

وفى نفس الوقت راحت مصر تحاول في المجال النووي، وفى أوائل السبعينات توقفت هذه المحاولات، ولكن بعض العلماء والخبراء الذين ارتبطت أعمالهم وآمالهم بهذه المشروعات ذهبوا إلى العراق الذي بدأ بالفعل عملية تصنيع الأسلحة بكل أنواعها .

 

 

ولقد كان من بين هؤلاء عالم الذرة المصري دكتور: ( يحيى المشد )، الذي اغتاله ( الموساد الإسرائيلى ) بعد ذلك في باريس، وقامت إسرائيل أيضا بنسف توربينات المفاعل ( أوزيراك ) النووي الذي كان العراق يبنيه، وتمت عملية النسف قبل الشحن من ميناء مارسيليا ثم انتهى الأمر بإسرائيل إلى ضرب المفاعل العراقي كله في يناير 1981، ولم يتوقف العراق بضرب مفاعله، بل إنه واصل التحدي واستطاع مدير المشروع د ( جعفر ضياء جعفر ) أن يحقق نجاحا مشهودا في العديد من المجالات التمهيدية لمشروع نووي .

 

” لم أفكر لحظة في استعمال أسلحة غير تقليدية كالصواريخ أو الغازات؛ لأنه لم يكن لاستعمالها من نتيجة سوى أننى  (أزيد ) الاستفزاز وأعرض مرافقنا المائية والصناعية لضربات انتقامية عقابية، والغازات كانت ستثير علينا الدنيا دون فائدة؛ لأن الفرصة راحت إلا إذا كنا نريد مجرد الانتقام وفش الغل ” جمال عبد الناصر لهوارى بومدين .

 

 

وأما في مجال الأسلحة الكيماوية فقد كانت مصر هي أول من بدأ أيضا وكان مجال الأسلحة الكيماوية من أصعب المجالات في ذلك الوقت؛ ذلك بأن الأبحاث العلمية بشأنها توقف نشرها منذ 1914م على الرغم من تواصل البحث، إلا أن النشر كان محظورا، وكانت إسرائيل في وضع يسمح لها في الوصول للمحظورات، وهكذا كان على مصر الناصرية أن تبدأ من البداية، وأُسندت إدارة المشروع سنة 1957م إلى خبير كيميائى من أبرز الخبراء المصريين.

 

 

وكان تقديره أن التمهيد الصحيح للمشروع يكمن في عنصرين :

 

 

الأول / هو إعداد العلماء والخبراء الذين يحملون مسئولية المشروع .

 

والثاني/ هو إعداد مكتبة خاصة تتجمع فيها كل المواد العلمية المتاحة التي يمكن الحصول عليها.

 

وفى سنة 1960 كانت المرحلة التمهيدية قد انتهت وأصبحت المرحلة التنفيذية قابلة لتحقيق، ودارت في أوساط صنع القرار الاستراتيجي المصري مناقشة عميقة ومكتومة بين رافض للبدء في المشروع ومتحمس له فورا.

 

 

وكان قرار الزعيم ( جمال عبد الناصر ) الموافقة على البدء في التنفيذ قائلا : ( إنه ما دامت إسرائيل تنتج هذا النوع من الأسلحة  فليس هناك سبيل غير أن تلحق بها مصر فورا ) .

 

 

وعندما جاءت معركة 1967 كان المشروع المصري قد حقق تقدما كبيرا في إنتاج نوعين من الأسلحة الكيماوية : نوع يعتمد على غاز ( الخردل ) و هو  (كاو ) ونوع آخر يعتمد على غاز (الفوسيجين ) وتأثيره يتركز على ( الجهاز العصبي )، ولم تستعمل الغازات في معركة 1967 م  (4) .

 

 

ووفق محضر اجتماع عقد بين مصر والجزائر في القاهرة في 10/7/1967 قال الرئيس عبد الناصر للرئيس الجزائري ( هوارى بومدين ) في الصفحة 15: ( في النهاية وجدت أمامى كارثة كان يجب أن أوقفها، ولذلك كان قبولي بوقف إطلاق النار، ولم أفكر لحظة في استعمال أسلحة غير تقليدية، كالصواريخ أو الغازات؛ لأنه لم يكن لاستعمالها من نتيجة سوى أننى  ( أزيد ) الاستفزاز وأعرض مرافقنا المائية والصناعية لضربات انتقامية عقابية، والغازات كانت ستثير علينا الدنيا دون فائدة؛ لأن الفرصة راحت إلا إذا كنا نريد مجرد الانتقام وفش الغليل)  (5).

 

”  لا تصعيد جديد “     أنور السادات.

 

إلا انه رُؤي أن الحاجة قد تدعوا إلى استعمال الغازات في مرحلة إزالة العدوان، وبالفعل فإن الفترة الثانية من معركة 1967 شهدت خطوات كبيرة في مجال الأسلحة الكيميائية: فقد أمكن تطويع موادها لتستعمل بواسطة الصواريخ كذلك أمكن التوصل إلى غاز ( السارين المزدوج ).

 

وأثناء الإعداد للخطة ( جرانيت1) التي بدأ وضعها في 1969 لعبور قناة السويس كانت احتمالات الخطة تشتمل على إمكانية استخدام الأسلحة الكيماوية للتغلب على مقاومة النقاط الاسرائلية على الشاطئ الشرقي للقناة، وكانت خطة العمل على الجبهة الشرقية وسوريا مشاركة فيها قد أخذت في اعتبارها احتمال الاحتياج إلى أسلحة كيماوية في المعركة من أجل مرتفعات الجولان.

 

وفى ذلك الوقت ذهب مسئول المشروع الكيماوي المصري إلى سوريا، وقابل الرئيس السوري ( حافظ الأسد ) وهو وقتها وزير الدفاع أيضا وبالفعل اشترى الجيش السوري ما قيمته 6 ملايين دولار من أسلحة الحرب الكيماوية من المصانع المصرية.

وعندما وقعت حرب أكتوبر 1973 كان القرار السياسي هو تأجيل استعمال الأسلحة الكيماوية رغم أن أقنعة واقية وزعت على الوحدات العسكرية المصرية وعندما وقعت الثغرة وبدا الاختراق الاسرائيلى المضاد يتوسع اقترح بعض القادة المصريين أن الوقت قد حان لاستخدام الأسلحة الكيماوية، ولكن الرئيس (السادات) أعطى أمرا في كلمتين : (لا تصعيد جديد) وكان قراره حكيما

 

وأثناء احتدام المعارك على الجبهات العراقية الإيرانية بدأ العراقيون يلتفتون إلى الأسلحة الكيماوية، وكان ظنهم أنها تمثل الوسيلة الوحيدة لوقف تقدم الموجات البشرية الإيرانية، وقد بدأوا في المراحل الأولى من الحرب في شراء الغازات من إيطاليا وألمانيا، ثم تحول اهتمامهم إلى ضرورة إنتاجها ومرة أخرى كان المشروع المصري قريبا على البال .

 

وسنة 1982 كان اللواء ( نزار عبد الحميد) مدير الحرب الكيماوية في العراق في زيارة لمصر هدفها محاولة جمع ما تبقى من المشروع الكيماوي المصري؛ لإعطائه حياة جديدة في العراق واعترض الرئيس ( حسنى مبارك ) على بيع المخزونات المتبقية من المشروع المصري للعراق.

 

 

لكنه وافق على إشراك علماء مصريين في المشروع العراقي وتحت ضغوط الحرب وبموارد كثيفة أمكن تحقيق قدر من التقدم كبير في مجال الأسلحة الكيميائية، وقد تمكن العراق بالفعل قبل أن تجيء حرب الخليج الثانية من تعبئة أكثر من ألف صاروخ بالغازات الكيميائية.

 

 

وكانت تجربة أسلحة الحرب البيولوجية في مصر قضية أقصر عمرا بكثير فقد بدأ اهتمام بها في نفس الوقت مع الأسلحة الكيماوية، ورُؤى أن كل الأبحاث المتعلقة بها يجب أن تتم في عزلة كاملة عن التجمعات السكنية، وبالفعل خصصت لها جزيرة صغيرة في البحر الأحمر أمام رأس بناس وشحن إلى هذه الجزيرة قطيع من القرود جرى استيراده من الهند؛ لإجراء التجارب عليه وبدأت بالفعل تجارب لتربية ميكروبات يمكن تعبئتها في قنابل، ومع ذلك فإنه برغم النجاح الذي حققه.

 

 

المشروع في مراحله الأولى فإن الزعيم ( جمال عبد الناصر ) طلب إيقاف المشروع بالكامل لأن مخاطره كبيرة فالميكروبات لها حياة طبيعية في حد ذاتها، وقد تنتشر بالعدوى بغير وسيلة القنابل، كما أن أية أسلحة يمكن متابعتها بالنظر، وأما الميكروبات فإن متابعة حركتها وتسربها قد يكون صعبا مهما أحكمت الرقابة، ومع ذلك فإن العراقيين في مرحلة من المراحل اهتموا بأسلحة الحرب البيولوجية، ولكنهم توصلوا إلى نفس النتيجة التي توصل إليها المشروع المصري من قبل.

 

 

 ”  مشروع كوندور للصواريخ  “

 

ومع تزايد اتفاقيات الأسلحة التقليدية بين مصر والعراق في منتصف الثمانينات وقعت نقطة انطلاق جديدة في مجال الصواريخ، فقد بدأت مصر والعراق والأرجنتين تتعاون معا في مشروع واحد لإنتاج الصواريخ عرف باسم ( كوندور ).

 

 

وكانت الفكرة الأساسية فيه أن الأرجنتين استطاعت أن تتحصل على قدر كافي من تكنولوجيا الصواريخ بسبب من لجأوا إليها من العلماء الألمان، وأن العراق الذي يبدي اهتماما كبيرا بهذا السلاح لديه الموارد المالية الأزمة، وأن مصر بخبرتها السابقة تستطيع أن تقوم بالتنظيم الضروري بين التكنولوجيا والموارد، وبالفعل فإن هذا المشروع وجد طريقه للتنفيذ .

 

 

ولكن بدايته كانت متعثرة فقد تكلفت الأعمال التحضيرية الإدارية مبالغ تصل ل (500 مليون دولار ) وكذلك فإن إسرائيل أحست مبكرا من مصادر أرجنتينية أن هناك مشروعا مشتركا لإنتاج الصواريخ .

وبدأ  (الموساد) الإسرائيلى حملة ضد بعض العلماء من جنسيات مختلفة وقد رافقت ذلك حملة ضد بعض الشركات الأوروبية الألمانية تحديدا التي قامت بتوريد معدات هذا المشروع ووصلت تلك الحملات إلى حد قتل الأفراد ونسف المنشآت حتى في ألمانيا وسويسرا وكانت إدارة المشروع تحاول أن تعمل في الخفاء وقد بدأت من مقر في ( مونت كارلوا ) ثم انتقلت لمقر في ( النمسا ) .

ثم وقع المشروع كله في مأزق لم يستطع الخروج منه وذلك حينما استطاع أن يضم إليه عالما مصريا يعمل ومقيم في أمريكا وحاصل على الجنسية الأمريكية واستطاعة إدارة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية ( F B I ) أن تسجل مكالمة تليفونية بين احد الضباط المصريين العاملين في المشروع .

وكان يتحدث من النمسا وبين هذا العالم المصري في كاليفورنيا انكشف فيها أن هذا العالم كان مكلفا بالحصول على مادة ( كاربون فايبر ) التي تستعمل في اطلاء الطائرات والصواريخ؛ لكي تتغلب على الكشف الردارى المبكر وكانت هذه المادة من أهم أسرار صناعة السلاح العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية إذ كانت تُستعمل في طلاء الطائرات ( الشبح ).

وبالتالي فإن الحكومة الأمريكية التي تمكنت من ضبط كمية من هذه المادة التي كان مقررا تحميلها سرا على ظهر طائرة عسكرية مصرية خاصة قررت التصرف على أرفع مستوى ممكن فلم تكتف بضبط المادة المهربة، ولم تكتفي بالقبض على العالم المصري ومحاكمته، وإنما وصل الأمر إلى حد أن قام الرئيس الامريكى وقتها ( جورج بوش الأب ) بإثارة الموضوع مع الرئيس المصري وقتها ( حسنى مبارك ) في أول مرة اجتمعا فيها بعد تولى بوش لرئاسة الولايات المتحدة في 3 ابريل 1989 وتوقف مشروع ( كوندور) وكان من تبعات توقفه خروج وزير الدفاع العتيد: ( محمد عبد الحليم أبو غزالة ) من منصب وزير الحربية . ( 6 )

 

 

” أنا لا أعرف ما يريد صدام حسين ؟ هو بهذا الشكل ذاهب في مواجهة مع الإسرائيليين ، نسى ما نشر من أن إسرائيل عندها 200 قنبلة نووية “   الملك فهد للشيخ خليفة

 

 

ومن بعد ذلك انكبت العراق على تطوير ما لديها من صواريخ وبالتحديد صواريخ ( سكود ) الروسية. والواقع أن ضرب ( طهران ) بصواريخ سكود كان هو العامل الحاسم الذي جعل ( الخميني ) يتجرع كأس السم، كما قال ذلك، إن العراق الذي تحمل طويلا ضربات الصواريخ الإيرانية قد أصبح أخيرا في وضع يمكنه من الرد عليها بطريقة مكثفة ومركزة على طهران بقصد إحداث اكبر قدر ممكن من التأثير النفسي.

كان العراق قد حقق بالفعل تقدما في مجال القدرة العسكرية الشاملة لا يمكن إنكاره وكانت إسرائيل تتابع وتراقب ما يحدث عن كثب ويقلقها، إضافة إلى ذلك اضطلاع العراق للعب دور إقليمى أكبر على الساحة الإقليمية وتبنيه للقضية الفلسطينية وللصراع العربي الإسرائيلى ولعل ذلك لم يقلق أمريكا وإسرائيل فقط، بل كان يزعج دول الخليج وعلى رأسها السعودية وقد حصلت المخابرات العراقية على تسجيل لمكالمة بين عاهل السعودية الملك ( فهد ) وحاكم قطر الشيخ (خليفة بن حمد أل ثان )، وفى هذا الحديث كان الملك ( فهد ) يشير إلى المشاكل التي يثيرها العراق ويقول :

( أنا لا أعرف ما يريد صدام حسين ؟  هو بهذا الشكل ذاهب في مواجهة مع الإسرائليين ، نسى ما نشر من أن إسرائيل عندها 200 قنبلة نووية، نسى أيضا ما حصل لجمال عبد الناصر حينما استفز الغرب، يا ليته يأخذ الدرس مما يحدث في الاتحاد السوفيتي ، الاتحاد السوفيتي تحدى أمريكا سنوات، وهو الآن ينهار، وأنا أخشى أنه سوف يودى بنفسه في داهية ) .

 

 ولم تكن السعودية وحدها الخائفة والقلقة، ولكن كانت الكويت أيضا، ففي وثيقة حصلت عليها القوات العراقية بعد دخولها القصر الأميرى في الكويت على تقرير بتوقيع السفير (أحمد الإبراهيم ) سفير الكويت في بروكسل عاصمة بلجيكا جاء في البند الثالث منه قوله : ( التقيت في نفس اليوم وبعد خروجي من مكتب السيد ( مانيوتس ) ( المفوض الاوروبى) مع السيد

( ج.أ ماكوين ) وأثناء تباحثي مع السيد ماكوين تلمست الأمور التالية :

( إن أساليب الضغط على العراق التي اقترحها سمو أمير البلاد المفدى، بما فيها السعي الأمريكى والغربي لتدمير الأسلحة العراقية المتطورة، وجد حماسا لدى الولايات المتحدة؛ لأنه أول طلب عربي بهذا الخصوص. تختلف الإدارة الأمريكية في النقطة الثانية مما ورد في رسالة أمير البلاد المفدى التي يعتقد بها بأن الضغوط الاقتصادية لا تكفى لوحدها في توقيف الصناعة العسكرية العراقية المتطورة حيث تعتقد الولايات المتحدة أن بإمكان هذه الضغوط أن تؤثر في نمو الصناعات العسكرية العراقية إذا لعبت مصر والسعودية الدور المتفق عليه ). (7).

انتهت المساحة المخصصة للمقال، ولكن القصة لم تنته بعد، ولا زالت الوثائق تبوح بأسرارها وتكشف المسكوت عنه وتفضح المخفي منه .

انتهى الجزء الخامس

 

فى الجزء القادم:

لماذا قال صدام حسين للملك  فهد ” الحقيقة أننى أكثر من غاضب في لحظة من اللحظات أحسست أن النار على وشك أن تخرج من خشمى، ولكنى أمسكت بأعصابى ” ؟

وما الذي جرى بين صدام حسين والسفيرة الأمريكية في العراق ( أبريل جلاسبى ) ؟ وماذا قالت جلاسبى لصدام ؟

ولماذا قال كولين : ” إن احتلال الكويت لا يحتاج إلى حجم الحشود العراقية ويستطيع صدام أن يحتل الكويت كلها بقوات البوليس ” ؟

ما الذي تم في اجتماع الإدارة الأمريكية فور علمهم بغزو العراق للكويت ؟

وما هي الخطة ( 1002 – 90 ) ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العرب, سلاح

المصادر

1 – حرب الخليج بيير سالنجر ، أريك لوران.
2 – سنوات الغليان محمد حسنين هيكل.
3 – المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل
4 - حرب الخليج أوهام القوة وأوهام النصر محمد حسنين هيكل.
5 – الانفجار 1967 هيكل.
6 – المطرقة والدرع لمدرس الاستخبارات الامريكية تشارلز امرنجر
7 - القيادة لبوب ود وورد - أرشيف الكونجرس ملف الشرق الأوسط
عرض التعليقات
تحميل المزيد