يقول مالك بن نبي في كتابه «شروط النهضة»: إنه «لصناعة أي ناتج حضاري يجب أن يتوفر إنسان + تراب (مادة) + وقت، ومن خلال تكييف هذه العناصر ومعالجتها، تحت عناوين: توجيه الإنسان أخلاقيًا، وثقافيًا، وجماليًا، واقتصاديًا، وإخضاع التراب وإحيائه، واستغلال الزمن، وكل ذلك في ضوء الحاجات الاجتماعية، هو الذي يفتح الطريق نحو نهضة تعرّفت على وسائلها، وأخذت بأسباب ما تأخذ به كل نهضة إنسانية عبر الأزمان».

سبب طرحي لهذا الموضوع واضح؛ فالناظر لحال العالم اليوم، سيجد أن كل العالم يزدهر إلا عالم العرب يتدحرج، لقد ظل العالم العربي يشعر بالتيه والضلالة بسبب المميزات والإمكانات والدعامات التي جردها المستعمر منه طوال عقود، فأصبح ينظر لنفسه بأنه مريض، واستسلم للمرض وفقد شعوره بالألم، حتى كأن المرض صار يألف جزءًا من كيانه، كنا خير أمة أخرجت للناس، واليوم حالنا يرثى له، أصبنا بالعجز في شتى الجوانب وهرمت أفكارنا وشوكتنا كسرت، وما تبقى لدينا إلا الوهن والضعف، نعم هذا حالنا اليوم، لا إنجازات، ولا شيء نفاخر به سوى ممتلكاتنا، والتي هي أصلًا من صنع بلاد الغرب، فإلى متى سيبقى الوضع هكذا؟ وإلى متى سيبقى هذا المرض ينخر فكرنا، أنفسنا وسواعدنا؟

في الحقيقة، لو قمنا بمراجعة الكيفية والطريقة التي كانوا يتعاملون بها مع هذا الأمر خلال المئتي عام الماضية، سنفهم الحالة الراهنة التي يوجد فيها العالم العربي اليوم والتي يمكن أن تفسر بطريقتين متعارضتين: فهي من ناحية: النتيجة الموفقة للجهود المبذولة طوال نصف قرن من الزمان من أجل النهضة، وهي من ناحية أخرى: النتيجة الخائبة لتطور استمر خلال هذه الحقبة دون أن تشترك الآراء في تحديد أهدافه أو اتجاهاته، وسنجد كل تلك الأفكار والتشخصيات لم تكن إلا لمعالجة الأعراض، وليس المرض في حد ذاته، فهذا المريض يريد أن يبرأ ويتعالج من هذا المرض، ومن آلام كثيرة التي مل منها وأصبحت ترهق تفكيره الذهني والجسدي من الاستعمار ونتائجه، من الأمية بأشكالها، من الفقر بالرغم من غنى البلاد، من الظلم، والقهر، والاستعباد… إلخ، يشكو المريض وهو لا يعلم سبب مرضه هذا، فقط يهرع لصيدلية الحضارة الغربية لطلب الشفاء ولمعالجة عديد من الآلام التي تؤثر فيه.

من خلال قراءتي للعديد من الكتب والمقالات لكبار المفكرين والباحثين في الشأن الاجتماعي والإصلاحي: مالك بن نبي، علي الوردي، رفاعه الطهطاوي، محمد عبده، محمد أركون، أمين معلوف، استنتجت أنه لا توجد سوى طريقتين للقضاء على هذا المرض، ووضع نهاية لهذه الحالة المرضية إن أردنا أن ننهض بإرادتنا لا بانتداب ووصاية:

أولًا: إيجاد علاج للمرض: وهذا يحتم على كل نفس فينا أن تمسك بزمام أمورها بنفسها، ويجب علينا أيضًا أن نعمل ما يجب عمله، ليس ما نحب عمله، فأمتنا ابتليت بالسهولة في عهدها الأخير، كما يجب الإخلاص في عملنا للوطن، واعتباره مسوؤلية كل فرد فينا، هي إحدى الطرق التي نبني منها وطننا بعرق جبيننا، لا بجهد أحد غيرنا وتحت وصاية فكرية تجعلنا عبيد أفكار مستوردة مدى حياتنا.

ثانيًا: إعدام المريض: من خلال تغيير والقضاء على المعتقدات والأفكار السلبية غير السليمة، وهذا الأمر لا يتأتى إلا من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا المبدأ يعني كمال المجتمع، ويكون ذلك من خلال إرشاد إخوتنا الذين انحرفوا عن الخط المستقيم ليستقيموا مرة أخرى بالأسلوب والخلق الحسن والمصلحة العامة، وهنا يتكامل حب الأفراد لبعضهم البعض مع حب الوطن لنبني أجمل أرض في أعيننا، لأنه مهما علا فكر الأفراد، فإذا غاب الإحساس الآخر وانتشرت الضغينة بينهم بسبب إهمال الشخص لمن حوله، وعدم الاكتراث إلا بنفسه، ويكون ذلك من خلال التفكير في المصلحة الشخصية وحدها بغض النظر إن كانت تسبب مشاكل في المجتمع، فإن التفكك والتفرقة ستجتاح المجتمع بالتأكيد؛ لأن أي فرد منا عندئذ لن يتحمل مسؤولية الآخر عند الخطأ، ولا مسؤولية خطئه أيضًا، فينشر الحقد بين الناس والضغينة، ونعود لعادات العرب القديمة، وتستمر الرجعية فينا إلى أن يشاء الله لنا أن ننهض.

إن وقتنا الزاحف صوب التاريخ لا يجب أن يضيع هباء، كما يهرب الماء من ساقية خربة، ولا شك أن التربية هي الوسيلة الضرورية التي تعلم الشعب العربي الإسلامي تمامًا قيمة هذا الأمر، ولك أن تلاحظ الفرق بين ماضي وحاضر الأمة الإسلامية عامة والعربية خاصة لتفهم جيدًا؛ إذ تخلت عن مبادئها الأخلاقية في الحياة وسارت على أهوائها، واتبعت طريق الضلال والتخلف، فلقد كنا فيما مضى حريصين كل الحرص على تمسكنا بقيمنا، والتي تحرص على وجوب إعلاء كلمة الحق، وإقامة العدل في البلاد، ومحاربة الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومحاربة الفساد بكل أشكاله، وتربية الأطفال منذ نشأتهم على الأخلاق الحميدة والقيم الرفيعة نهضنا نهضة لا مثيل لها، وانتقلنا من حياة الصحراء والبادية إلى بناء أعظم وأسرع حضارة في التاريخ، أما عندما بدلنا الباقي بالزائل، ونسينا مبادئنا، والتي هي سر قوتنا، انتشر الفساد بين أفراد المجتمع، وسكتنا عن الظلم، بل حرصنا على أن يبقى، حتى ظن أهل الباطل أنهم على حق، وظن أهل الحق أنهم على باطل، وتحولنا من مرض اجتماعي واحد يسهل حله إلى مجموعة أمراض فردية يصعب علاجها.

خلاصة القول: سلسلة الأزمات التي عصفت بنا، والأحداث التي وقعت لنا، بينت لنا وبصورة أكيدة أن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية، فالعلوم المادية صارت خطرًا في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم أو يتجاهلونها، فليس من الضروري أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي لا يستطيع الدهر أن ينقص من قيمته شيئًا، الرصيد الذي وضعته العناية الإلهية بين يديه: الإنسان + والتراب + والوقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد