في بداية مارس  2014 تقريبا  حسب ما ذكره موقع مركز معلومات الجوار الأوروبي فإنه قد تم اختيار مؤسسة بحوث من إسرائيل ضمن 32 منظمة من بين 560 منظمة للانضمام إلى مشروع “الدماغ البشري” الذي يعتبر من أكبر المبادرات الممولة من طرف الاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى خلق أكبر مركز تجريبي في مجال البحث في الدماغ البشري في العالم، ووقفة بسيطة أمام هذا الخبر من أي مواطن عربي تجعله يتساءل أين مراكز الأبحاث العربية ؟ إن لم توجد التكنولوجية فأين الاجتماعية والسياسية؟

بداية لا يوجد ثمة من ينكر أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين تقدم الدولة وفعالية مراكز الأبحاث فيها ، خاصة أن مراكز الأبحاث على اختلاف تخصصاتها وتصنيفاتها  لم تنشأ إلا من أجل أن تدرس القضايا المهمة التي تواجه الدولة محلياً أو دولياً ولتضع خططا استراتيجية، وتقدم الرؤى والتوصيات والمقترحات التي تساعد صانع القرار  خاصة  عندما يكون الغموض والتعقيد سيدا الموقف .

تعد مراكز الأبحاث عبارة عن مصنع  له خط انتاج ومدخلات ومخرجات تقوده إدارة ويعمل به خبراء ومختصون يهتمون بجودة المنتج الذي هو الأبحاث التي تتنوع في مجالات مثل الدفاع والأمن والسياسة الدولية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية  والتكنولوجية، ومن أجل الأهداف السابقة والجدية وجدت مراكز الأبحاث لتعمل وتنتج وتوجد الحلول لا لتكون مجرد ديكور أو تحمل مسميات فخرية  مثل الاستراتيجية او المسستقبلية   دون أن يكون لها أثر فاعل على أرض الواقع .

وعندما  يدور الحديث عن مراكز الأبحاث والدراسات أو ما يطلق عليه وفقا للمصطلح الانجليزي “الثينك تانكس” فإنه  يتوجب الإطلاع على ما تقدمه جامعة بنسلفانيا الأمريكية من تقارير خاصة متعلقة بتقييم مراكز الأبحاث في العالم والتي تستند على لجان تحكيم يشارك فيها قرابة 2000 خبير من مختلف أنحاء العالم، ولعل آخر ما صدر عنها  في هذا الخصوص بتاريخ 30 يناير 2014 تقرير  تقييم مراكز الأبحاث والدراسات لسنة 2013 والذي صدر بناء على قاعدة بيانات لحوالي 6000 مركز بحثي.

ويمكن للمطلع على أحوال الدول المتقدمة والصاعدة مثل الولايات المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي والصين التي يوجد بها أكثر من 60% من مراكز الأبحاث في العالم على سبيل المثال  أن يرى حجم اهتمام  هذه الدول بمراكز الأبحاث والدراسات وحجم التمويل الذي تخصصه لها من ميزانياتها العامة سواء كانت مراكز حكومية أو خاصة ، فالولايات المتحدة بها قرابة 1830 مركزاً بحثياً  فيما  يوجد في الصين 426 مركزا. فيما تعتبر أكبر دولة عربية من حيث عدد مراكز الأبحاث هي مصر بواقع 55 مركزاً بحثياً في 2013 وبترتيب 19 على دول العالم متساوية مع إسرائيل بعدد المراكز البحثية ! فيما  العراق وفلسطين في كل منهما 43 مركزاً والأردن وتونس 39 مركزاً فيما اليمن ولبنان 30 مركزاً في كل منهما، وتحتل آخر القائمة العربية من حيث العدد موريتانيا بمركزين بحثيين.

لكن تقييم دور مراكز الأبحاث في الدولة لا يكون بعدد مراكز الأبحاث الذي قد يكون مؤشرا على الاهتمام بمخرجات البحث  العلمي، إنما يكون التقييم بناء على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها هذه المراكز ودورها في تحقيق مصالح الدولة  والمجتمع، وهل هي بالفعل لها مساهمة فاعلة في تبوء الدولة مكانة إقليمية أو دولية في مجال معين.

ولعل  هناك سؤالا جدليا يفرض نفسه وهو : هل الدولة هي من تنشئ مراكز الأبحاث وعليها أن تهتم بها وتعزز دورها ؟ أم أن مراكز الأبحاث هي التي يتوجب عليها أن تنهض بالدولة ، وحقيقة تحتاج الإجابة على هذا السؤال وقفة مطولة  لكن باختصار  إن الدولة بالفعل هي سابقة لمراكز الأبحاث بشكلها الحالي، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن البحوث والدراسات لم تكن موجودة ، فعلى سبيل المثال تأسست الولايات المتحدة في 1766 بينما كان أول مركز بحثي فيها هو مركز معهد كارنيغي الذي تأسس في 1910.والذي بالمناسبة حل أولاً في ترتيب المراكز البحثية عالمياً،  وإن أي نجاح استراتيجي حققته دولة ما لم يكن وليد الصدفة إنما كان وراءه جهد بحثي كبير.

في بلادنا العربية التي هي جزء من الشرق الأوسط الذي يحتضن 511 مركزاً بحثياً بنسبة 7.49 % من المراكز في العالم ، وأيضا يحتضن مئات المشكلات المعقدة، ما زالت تنمو أعداد هذه المراكز فيما أيضا ما زالت تنمو المشكلات ويزداد تعقيدها ، وبالعودة إلى تساؤل رعاية الدولة للمراكز البحثية وتمويلها  فإننا يجب أن نتوقف أمام حقيقة هي أن الدولة أو النظام تحديداً قد يكون هو العائق  والمشكلة الحقيقة التي تحول دون تطبيق المشاريع البحثية ودون الاهتمام بالانتاج البحثي  حيث يعتبر هذا في عرف يعض الأنظمة  مسامير تدق في نعشه.

وتعمل النزعة الديكتاتورية التفردية بالقرار لبعض الزعامات السياسية العربية عملها في إحباط جهود مراكز الابحاث الرائدة من خلال التقليل من قيمة مقترحاتها وتوصياتها،  وعدم الاكتراث لجهودها وانتاجها العلمي، لكن هذا لا يعني توقف دورها فهي إنما تبقى قائمة بواجباتها لتكون حجة وشاهداً على الاجتهاد العلمي وكاشفة للحقيقة أمام الرأي العام وهذا لا يخلو من فائدة هي تعرية القرارات الديكتاتورية، وكل ما سبق لا ينطبق على المراكز الغارقة في وحل التبعية للأنظمة الديكتاتورية أو تلك التي تبحث عن رضا الممول.

أمر آخر ومهم يتعلق ببعض المراكز البحثية في منطقتنا العربية وهو المشكلات ذات البعد الداخلي التي تواجهها هذه المراكز وهذه نقطة جوهرية مضحكة ومبكية في نفس الوقت إذ أن المركز الذي أُسس لمواجهة المشاكل وتقديم حلول لها هو نفسه يعاني من مشاكل تتعلق بسطحية الفكر وهشاشة الإنتاج والتفكير بالكم على حساب النوع وانعدام الموضوعية وعدم تقدير أولويات البحث وعدم مواكبة المتغيرات والتطورات بدراسات معمقة، وعلى سبيل المثال كيف لمركز بحثي يشتكي من الفجوة الموجودة بينه وبين القيادة السياسية أن يعمل على إيجاد حلول لجسر الفجوات بين الفئات الشعبية والقيادة السياسية على سبيل المثال حينها فإننا بحاجة لمركز بحث يعالج مشكلات مراكز البحث المتدهورة!

بالعودة إلى تصنيف مراكز البحوث لجامعة بنسلفانيا على أساس الفعالية فقد حل مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية في الترتيب 48 عالمياً والأول على منطقة الشرق الأوسط ، فيما حل مركز الجزيرة للدراسات سادساً  محافظا على مرتبته من العام الماضي، ومركز الخليج ثامناً على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

وحتى نكون أكثر واقعية فإن نظرة على معالجة المراكز البحثية  لموضوع مثل  الربيع العربي  في أغلبها كانت ردة فعل على اندلاع الربيع العربي وإن كانت المراكز قدمت فعاليات ودراسات حول واقع البلدان العربية  لكنها لم تتنبأ بشكل هذا الربيع بالسرعة الكافية،  وهذا يقودنا لعنصر مهم في تقديم السيناريوهات المتوقعة في الوقت المناسب.

ومن الإنصاف أن نذكر أن عدداً من مراكز البحث العربية بذلت جهودا كبيرة رغم حداثة عهد بعضها وما زالت تواجه تحدياتها ومما يذكر في هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر جهود توحيد مراكز الأبحاث حيث عقد في قطر مؤتمرين لمراكز الأبحاث نظمهما المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الأول في 2012 و كان حول “التحوّلات الجيوستراتيجية في سياق الثورات العربيّة  التي فرضت نفسها عنوانا على مراكز الأبحاث  وكان الهدف من هذا المؤتمر إنشاء شبكة موحدة لمراكز الأبحاث العربية ، فيما جاء المؤتمر الثاني في 2013  في قطر أيضاً ليدور حول القضية الفلسطينية  القضية المركزية العربية ،وهذا شيء ايجابي ينبغي أن يستمر ويتعزز.

وعلينا القول أن المراكز البحثية لها دور مهم  لا ينبغي أن نتهاون في قيمته،  فعلى المراكز البحثية أن تكون أكثر فعالية من خلال تحسين أدائها في تقديم الرؤى المعمقة ومراعاة الأولويات، واستقطاب الباحثين وأن تتحرى الدقة والموضوعية، ولكن تبقى الغصة العالقة في الحلق حول هذا الموضوع ونحن نرى المراكز البحثية الغربية تتقدم وتؤثر من خلال تنسيق ودعم من دولها حيث تتمثل الغصة في طبيعة الأنظمة العربية والبيئة التي تريدها، بل ومراكز البحث المضادة إن جاز التعبير.!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد