يمكن تصنيف الموارد حسب أصلها إلى: موارد طبيعية «تشمل الأرض وما عليها، وما فيها من خيرات»، وموارد بشرية «وهي فعاليات العمل الفني، والفكري، والجهد العضلي، والأدبي، والتنظيمي…»، وموارد مالية «من آلات، ومعامل، ومطارات، ومواني…»، وإن أي إنتاج إضافي يأتي بقيمة صافية للدولة تحقق من خلالها تفوقًا أو إيرادًا معتبرًا، يأتي من خلط مجموعة الموارد الموضحة أعلاه في مزيج ما يشكل المنتج المأمول، فاليابان مثلًا اختارت لتفوقها مزيجًا يأتي من العمل العقلي والتنظيمي الدقيق بالدرجة الأولى، مع كميات أقل من رأس المال وكميات قليلة جدًّا من الأرض.

ولعل فندق الكبسولة «كابسول هوتيل» مثال حي على ذلك، فهو فندق لا تكاد تبلغ مساحة غرفه أكثر من ثلاثة أمتار، ولكنها فكرة مبتكرة جلبت موارد إضافية لقطاع السياحة الياباني، وكذلك لو أخذت أي منتج صناعي لوجدت أن كثافة مورد الأرض قليلة مقابل كثافة أكبر لعنصر الابتكار الناتج من المورد البشري. أما في الولايات المتحدة فتجد أن كثافة رأس المال ترتفع ارتفاعًا كبيرًا مقابل الموارد الأخرى، ففي قطاع الطاقة نجد أن رأس المال يبلغ رقمًا فلكيًّا، فإن هذا لا يعني بطبيعة الحال انخفاض عنصر العمل، فشركات الكمبيوتر كـ«أي بي إم، ومايكروسوفت، وآبل» تعتمد على رأس مال ضخم إضافة لكفاءات بشرية عالية.

جغرافية الوطن العربي توفر موارد طبيعية مميزة عن بقية البقع في العالم، فالنفط والمعادن والمياه تتوفر بنسب أعلى بكثير من أي بقعة في العالم، ونتيجة لبيع المواد الأولية منذ عشرات السنين، تكونت لدى الدول العربية فوائض مالية تشكل رأس مال كبيرًا، إن لم نقل إنه ضخم في بعض الدول كالخليج العربي، كما أن الموارد البشرية الموجودة في الوطن العربي جيدة من حيث العدد، وتعمل الجامعات والمعاهد، وحتى الشركات الخاصة على تأهيل هذه الموارد باستمرار لجعلها منافسة لمثيلاتها العالمية.

إلا أن ثمة مشكلة كبيرة قديمة- حديثة في المنطقة العربية، هي مشكلة هجرة الموارد البشرية الكفء من بلدانها الأصلية، والتي ارتفعت بنسب خيالية في الأعوام العشرة الأخيرة، مقارنة بالعشرة التي سبقتها؛ وذلك نتيجة للأحداث التي تجري على أرض الوطن العربي من اضطهاد وظلم ونزاعات، لا يبدو أنها ستخبو قريبًا مما يرجح استمرار موجة الهجرة خارج الوطن العربي، وبالتالي استمرار نزيف الموارد البشرية التي صرفت عليها الدول مليارات الدولارات من أجل أن تشارك ككفاءات مؤهلة في بناء بلدانها، أو إيجاد حلول لمشاكلها.

إلا أن معظم هذه الكفاءات غادرت البلاد عند تعرض بلادها لأول شرارة أو أول أزمة. ولا نريد أن نلقي اللوم على هذه الكفاءات حقيقة، فالواقع العربي مأساوي حتى قبل هذه الأزمات؛ فحجم الكبت والظلم الممارس في هذه الدول عالٍ، وأتت «الأزمات» لتزيد في «الطنبور نغمة» وتعقد المشهد أكثر وأكثر، وتشجع بطبيعة الحال على هذا النزيف في الموارد البشرية، إذ إن عدم تأطير هذه الموارد في مشروع يخدم الأمة أو الشعب يجعل من صوت المعدة أعلى بكثير من صوت الضمير.

فتحجيم العمل الحزبي الذي يساعد على تجنيد الكفاءات وتوظيفها في خدمة المجتمع، والتضييق على المؤسسات المدنية التي تنمي حس الشباب العربي تجاه مشاكل أهله وشعبه، وكذلك محاربة حقيقية للفكر المؤسسي في كافة النواحي، وتغول السلطات العربية على النقابات والجمعيات الأهلية، وتفكيك الطبقات الاجتماعية المتعمد من قبل السلطات التي فرضت نفسها وصيًّا أو وسيطًا بين هذه الطبقات، وصمام أمان وهمي في بعض الأحيان بعد ممارسة سياسة ميكيافيلية بين الطبقات المختلفة لضرب المؤسسية الممكن نشوؤها في الدولة.

كل هذا بالتالي سيمنع الشباب العربي، وخاصة صاحب المهارة العالية والكفاءات من الاستجابة لخدمة البلد في أوقات الأزمات، وسيجعل الشباب يستجيبون استجابة طبيعية لصوت معدتهم المنادي بضرورة إيجاد عمل شريف يدر عليهم إيرادًا يحميهم وأسرهم ويصون كرامتهم، ويغلبوا هذا الصوت على أي صوت آخر بما في ذلك صوت الضمير الذي يدعوهم للمساهمة بحل الأزمات وإيجاد بدائل لما يعانيه شعبهم من مشاكل.

إن دول العالم العربي لا يمكن لها أن تحقق المزيج الأفضل -الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تحقيق تفوق اقتصادي وتراكم النمو- في ظل الظروف السياسية الراهنة، وهي لن تتقدم اقتصاديًّا ما دامت تضع حواجز أمام حرية التعبير عن الرأي، وما دامت السلطات العربية تحاول تقويض كل جهد مؤسسي، حزبيًّا كان أم مدنيًّا أم اجتماعيًّا، لأنها تقوض بشكل ما تفعيل الطاقات الشبابية التي تنتظر الفرصة للانخراط في خدمة مجتمعاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك