لم يكن المشترك بين الثورات العربية فقط هو التزامن أو توافق أسباب الشعوب في الانتفاض أو طبيعة أعدائها، بل أيضًا في أسباب تراجعها.. إن اعظم فرصة صنعتها الجماهير الغاضبة والحالمة لم تكن لتتحول إلى كابوس بشع سوي بسبب من تصدر لقيادتها، نعم لا يمكن أن نتجاهل دور أعداء حرية الشعوب أو تلك العروش المهترئة التي وجهت كل إمكاناتها لإفشال التغيير في كل الأقطار العربية، لكن ظلت كارثية القيادة واختياراتها هي الممهد الأول لتراجع الثورات وفداحة التضحيات.

وهنا دعوني أبدأ بالنموذج الأكثر دلالة على تلك القيادة قبل أن أنتقل لباقي النماذج.

النموذج الليبي

في ليبيا لا جيش صنع على المعونة الأمريكية ليقود انقلابًا ولا قيادات معارضة ذات علاقات أو وزن محلي أو إقليمي، لكن نجح النظام السابق واستكمل دوره محور الثورات المضادة في إنشاء صراع مناطقي على مبدأ فرق تسد، فيما كانت حكومة زيدان تعمل علي التخريب السياسي والاقتصادي للدولة دون إنجاز، حتى أثمر كل هذا انتخاب برلمان مناطقي مضاد للثورة، والذي صدر ضده قرار بالحل وعدم الدستورية من المحكمة العليا، وهو ما لم يتم الاعتراف به، رغم تحاكم كل الأطراف للمحكمة، فالغرب لا يعرف سوى الأحكام التي توافق مصالحه، رغم كون الانقلاب الأول للمدعو خليفه حفتر إعلاميًا، ولا أثر له في الواقع، لكنه كان جرس إنذار كبير، لكن كون حفتر شخصية بلا وزن حقيقي، بل يمثل لذاكرة الليبيين لواء جيش مهزوم ومأسور في حرب تشاد إبان النظام السابق، لم يسترع انتباه القيادات هذا الخطر، فرتب محور الثورات المضادة أوراقه، ولم يكن أمامه، إلا إعادة استخدام هذا الحفتر، فقاد هجومًا بالمنطقة الشرقية، ورغم كل الدعم لمليشيا حفتر لم يستطيع تحقيق اختراق كبير في الشرق، وظل كامل الغرب والوسط والجنوب وأغلب الشرق خاضعًا لحكومة الإنقاذ التي شكلها المؤتمر الوطني بديلًا عن حكومة زيدان، والتي رغم أخطائها كانت المعبر الحقيقي عن الثوار وطموحاتهم.

كانت نتائج حملة حفتر العسكرية غير مؤثرة بشكل كبير في المسار الليبي، وهنا تدخل الغرب والأمم المتحدة جماعات وفرادى ليعطوا الانقلابيين فرصة تحقيق ما فشلوا فيه عسكريًا.

اتفاق الصخيرات 2015

هو أكبر جريمة سياسية صنعتها القيادات التي تصدرت الحديث باسم الشعب الليبي في توافق مهين لتشكيل حكومة عميلة بترتيب غربي، لكن العار كل العار كان لأول مرة في التاريخ السياسي الحديث، وقد يكون في التاريخ كله، يتم تطبيق اتفاق سياسي بين طرفين على طرف واحد فقط، فتم حل حكومة الثوار وتعيين حكومة موالية للغرب، في حين بقي الشرق خاضعًا لحكومة حفتر وبرلمانه المنحل قانونًا، بل كانت الجريمة هي مشاركة أغلب القيادات السياسية، بما فيهم العدالة والبناء ممثل الإخوان في تشكيل المجلس الرئاسي.

وتحت جنح الليل وفي ظلام العاصمة طرابلس تأتي علي ظهر القوارب الغربية حكومة التوافق الناتجة عن اتفاق الصخيرات لتتحرك بعض الكتائب بالترغيب والترهيب وشراء الولاءات في الاستيلاء على مقرات حكومة الإنقاذ في انقلاب لصالح الرضا الغربي على أشلاء الليبيين، خصوصًا من تصدوا لهذا، في ذات الوقت الذي لم يتم تنفيذ أي من بنود الاتفاق في الشرق الليبي، ورفض حفتر وبرلمانه الخضوع لحكومة التوافق.

وهنا أقفز إلى النتائج سريعًا بعد ثلاث سنوات، خسر الثوار كامل الشرق الليبي وكامل الجنوب والوسط ومناطق النفط، فيما ظل حفتر وبرلمانه حتى الآن غير خاضعين لحكومة الوفاق، بل تجذر وتوسع وأصبحت له مليشيات أكثر نظامية، واستمر تدفق السلاح للموالين له، وبتورط أمريكي وفرنسي، في حين لم يعد للثورة حكومة تمثلها، ولم يتم تشكيل جيش حقيقي في الغرب الليبي عكس ما يتم في الشرق.

الأدهى من كل هذا لا زالت حكومة الوفاق مستمرة ولا يصرخ تجاهها ويناصبها العداء سوى دار الإفتاء بقيادة الشيخ صادق الغرياني، وهو في مواقفه وبصيرته يشبه إلى حد كبير الشيخ حازم أبو إسماعيل في مصر، وقد دفع نتيجة هذا شهداء من علماء مؤسسة دار الإفتاء، ولازالت المأساة مستمرة.

النموذج اليمني

النموذج اليمني كما النماذج العربية جميعها تتشابه في المقدمات والنتائج وتختلف في التفاصيل، في اليمن تجد ثوار شجعان وتضحيات لا تتوقف، لكن لا ترجمة على الأرض، فأغلب المعبرين عن الثورة، سواء زورًا أو صدقًا لم ينتج عنهم سوى تضييع لجهود الثوار ودمائهم، من بديهيات الثورات العربية أن المحور الإماراتي السعودي هو قائد الثورات المضادة، بل هو الداعم الأول، وعراب إبادة تيار الإخوان المسلمين خصوصًا.

ومع ذلك ستجد أغلب قيادات الإخوان يعيشون بالسعودية التي تخوض حرب اجتثاث لكل ما يمت للإخوان بصلة في حين يتم قتل أبنائهم بغارات سعودية إماراتيه عن طريق الخطأ كما يزعمون، كانت المبادرة الخليجية أول مسمار في نعش الثورة، ثم جاء التحالف ليدخل البلاد جميعها إلى ذلك النعش.

في اليمن يتم تشكيل ميليشيات القضاء على الثورة تحت أعين وبصر الرئيس والإصلاح وكل قوى الثورة ورغمًا عنهم، كما تخوص الإمارات حرب اغتيالات ضد كوادر الاصلاح في الجنوب، في اليمن محظور الدعم الجوي والعسكري عن المقاومة في تعز، وتتدخل السعودية لإقالة محافظين وقادة في المقاومة، كل هذا وأكثر يحدث، وإذا خاطبت أحدهم بلسان الحال، يقول: وماذا نفعل؟ إذا كنت عاجزًا عن الفعل، وكل الأطراف تحتاجك اليوم، فأنت غدًا عن الفعل أعجز، حينما يتمكن أي طرف من الطرفين ستكون مهمته ذبح الإصلاحيين وعموم الثوار، والعجز عند القيادة الإصلاحية والرئاسة وعموم الثوار هو عجز عقلي لا عجز فعل، فهم يمتلكون أدوات صناعة الفعل، لكنهم مستسلمون.

الوضع في اليمن كالوضع في ليبيا وسوريا ومصر وتونس والمغرب، ما بين قيادات عاجزة وجماهير مضحية وأوطان ضائعة.

ولن يكون هناك حلًا إلا بإرادة ثورية ينتج عنها تغييرًا جذريًا، وهنا أتوقف لأستكمل معكم في المقال القادم مقتطفات سريعة من باقي النماذج العربية المتشابهة في الواقع – وعلى ما يبدو – والمصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

اتفاق الصخيرات
عرض التعليقات
تحميل المزيد