هل سيكون هو الفصل السائد في المنطقة؟

بدأت الحكاية في أواخر 2010 وبالتحديد في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) في عام 2010، عندما انطلقت الثورات الاحتجاجية من أجل حياة كريمة يطمح إليها المواطن العربي ظانًا بأن الحياة ستكون وردية، خاصة بعد تسمية هذه الانتفاضة بالربيع العربي الذي من المفترض أن يكون فصل انتهاء العواصف الفاسدة والرياح المملوءة برائحة الحكومات الطماعة التي سلبت الدفء كله من المواطنين العرب؛ ظنوا أن تسمية الانتفاضات هذه بالربيع سيجعلها تزهر حبًا وستكون بداية حياة جديدة لكل مواطن ثائر محب للأرض وللوطن، ولكنه يكره جشع حكوماته القاهرة، كما يحصل في فصل الربيع تمامًا بعد عواصف الشتاء.

بدأت شرارة الربيع هذا في تونس الخضراء وانتصرت بإسقاط الظلم عن شعبها من خلال إسقاط نظام بن علي، ثم امتدت هذه الشرارة بقوة إلى مصر، وكأنها عدوى بسبب مرض محبب يسمى الظمأ إلى الحرية فكان عاقبته جميلة على مصر بإسقاط نظام مبارك، ثم سوريا الحبيبة التي ما زالت الشرارة مشتعلة بها حتى يومنا هذا، وامتدت رغبة الشعب إلى الحرية المطلقة والحياة الكريمة لبلدان مختلفة من الوطن العربي كاليمن، وليبيا، ولبنان، ظانين أنه إن غابت شمس الحق فالحق يستحيل أن يموت، ولكنني شخصيًا أشكك في هذه المقولة خصوصًا في بلادنا العربية، ويزداد شكي لمعرفتي التامة بنوايا السياسات الغربية تجاهنا.

انتشرت هاشتاجات الربيع العربي، ولم يع أي شخص ما الذي سيحصل لنا خصوصا أننا نشأنا في بلاد تقمع الحريات المطلقة. فما النتائج التي ستكون من شعوب حرة تطلب الحرية داخل بلدان تطمس كل شخص حر وتقص جناحيه قبل أن يحلق، وكأنه ببغاء مقصوص الجناحين ومكبوت الإبداع، وعليه فقط أن يردد عبارات معينة من صنع صاحبه؛ إن النتائج كانت وخيمة جدًا، وكأنه قد تحول هذا الفصل المزدهر إلى فصل خريفي كئيب تتساقط به كل الحريات وكل الحقوق، حيث بدأت الحروب الاهلية اليمنية والليبية والسورية ولا أحد يعرف كيف يطفئها. فالبلاد الخضرة تحولت إلى حطام. العراق ولبنان وتونس مازالوا يناشدون بإسقاط الحكومات ومحاربة الفساد والفاسدين وإنشاء حياة كريمة جديدة حتى وقتنا الحالي وفعليًا لا حياة لمن تنادي.

لبنان والعراق ثائرون الآن من أجل الكرامة، ثائرين من أجل العيش في حياة بعيدة عن فساد حكوماتهم. تحررت العراق من القوات الأمريكية، ولكنها بقيت مقيدة ومأسورة تحت جشع الحكومات الفاسدة، وبقيت لبنان ضحية الحروب الأهلية والطائفية بسبب الفتن التي زرعتها الحكومات فيما بينهم. ولكن بلاد الرافدين ولبنان أبوا أن يستسلموا لهذه الخطط الخداعة فكسرت العراق القيود، وتماسكت لبنان بعد أن تبعثرت وقامت قيامة رجل واحد ضد تلك الحكومات الفتانة. أما تونس، فقد انتصرت في ثورتها الثانية لتطالب برئاسة جديدة تحكم أرضها الطاهرة؛ فالإرادة والظمأ للحرية يصنع المستحيل، ولكن لا نستطيع أن ننكر معاناتها الصعبة التي مرت بها، وندعو الله أن تكون قد انتصرت حقًا لأن فيروس الفساد مرتبط بالعرش دائمًا. كان لهذا الربيع تجديد سنوي، فقد مر علينا تسعة فصول ربيعية، وفي كل فصل مظاهرات وحروب داخلية وتمويل خارجي يتجدد باستمرار مع تجدد الفصول حتى يتحول هذا الربيع إلى برد قارص وخريف مشؤوم يسود المنطقة.

ولكن هذا الربيع لم يقتصر على قمع الحريات فقط، فكانت عواقبه الوخيمة أكبر من كل شيء، حيث كان ذلك الربيع المزيف سببًا لظهور غرابيب سود؛ سود الجباه، يدّعون بأن كلمتهم الأولى هي الحق وأن منهجهم هو الدين وتعاليمه المغلوطة التي صنعوها بأنفسهم لإرضاء غاياتهم وغرائزهم الحيوانية. حرقوا الأخضر واليابس، وقتلوا الأبرياء المظلومين بحجة الدين والتطهير، وما هم إلا دخلاء مجرمون تستروا بعباءة الدين وشوهوا صورته لتحقيق مطامعهم الرذيلة في البلاد الطاهرة. انتشروا في الأرض مُستغلين الظروف السياسية السائدة في المنطقة العربية، ولعبوا دورًا هامًا بتجنيد بعض المواطنين الذين قلبوا الطاولة من طاولة حرب ضد السياسيين الأوغاد إلى طاولة حرب ضد المواطنين الأحرار والابرياء. نعم لقد اختلط الحابل بالنابل، وتحولت الحرية إلى حبل مشنقة يلتف على أعناق أولئك الأبرياء؛ خوفًا على بلادهم التي لم يسعوا يومًا أن يجعلوها ساحة حرب، وغنيمة كبيرة للمطامع الخارجية، ومطامع للسياسيين الداخليين أيضًا، ولكن كل ما أرادوه، أن ينعموا بحياة كريمة بعيدة عن الدماء والغازات المحترقة.

هذا هو الحال العربي الآن، حال يعجز اللسان عن وصفه؛ فالربيع الذي يجب أن يستمر فقط لثلاثة أو أربعة شهور كالمعتاد، قد استمر تسع سنوات على التوالي بين حرب حامية الوطيس وحرب باردة. قد استمر بين الماء وبين النار. لا أمن ولا آمان، فلا أحد يعرف متى سيكتب الله الفرج وتنعم جميع الشعوب العربية بمطالبها.

«بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدادي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد