في مايو الماضي أذاعت القناة الثانية بالتليفزيون الإسرائيلي تقريرًا مصورًا عن صفقات السلاح الضخمة التي تم إبرامها أو إنهاؤها ما بين بعض الدول العربية من جهة وبين كبريات الدول المصنعة للسلاح –وعلى رأسها الولايات المتحدة- من جهة أخرى، وقد تسبب ذلك في حالة من التوتر والقلق داخل الأوساط الأمنية والعسكرية داخل دولة الاحتلال، جاء ذلك على إثر تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي إفيجادور ليبرمان من صفقة التسليح التي أبرمتها المملكة السعودية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ربما لو قرأ معظم العرب هذا الكلام لدخلوا في حالة من الضحك تتبعها حالة من هيستيريا البكاء، وذلك نتيجة ما نراه من واقع، حقيقةً، فهذه هي العقلية العربية التي أُصيبت بنمطية التفكير نتيجة تناول الأحداث من زاوية واحدة في الغالب، وربما نتيجة اليأس من الإصلاح، ولكن، ربما لو فكرنا بعقلية أعدائنا لاستطعنا أن نستنبط شيئًا من ذلك الذي لا يقتنع به المنطق.

فكرت في هذا الكلام الذي أذاعته القناة الإسرائيلية، من زاويتين لعلي أجد له تفسيرًا، أما الأولى، فالعرب أنظمة وشعوبًا قد أذلهم الله للأذل بسبب التبعية والخضوع والاستسلام، بل لقد صارت الأنظمة تتعامل مع الكيان الصهيوني على أنه أحد أهم مراكز صناعة القرار في العالم، فقامت العلاقة على مبدأ «حُسن الجوار»، ومن ثم فليس للتسليح أية أهمية حتى وإن كانت أرقامه مخيفة .

وأما الثانية، فلعلهم يخشون «التعاقب» نعم، تعاقب الأنظمة، فهم لا يأمنون غضبة الشعوب العربية، فربما تفاجئهم الأيام ويجدون أنفسهم أمام أنظمة جديدة تتخلى عن طريق الاعتدال، وقد جربوها مرة، ونجحوا في مواجهتها بسبب من تصدروها، ولكن ومن يدري ما سوف يحدث غدًا، فربما توجه إليهم فوهات المدافع يوما، قال الله «وتلك الأيام نداولها بين الناس»

أيها الحكام العرب.. السلام على من اتبع الهُدَى

أيها الحكام، هل تعلمون من أنا؟، أنا صوت الشعوب الحزينة، أنا ضميرهم المسجون، أيها الحكام، نحن نموت، صدقوني، نحن الشعوب نموت، لعلكم تسمعون بعض أخبارنا، لكنكم لا تشعرون بحجم المعاناة التي نعانيها، أيها الحكام، منا شباب حمله اليأس على أن يشعل النيران في نفسه كي يتخلص من عذابات الحياة، منا من يرمي بنفسه تحت عجلات القطارات، منا من يرمي بنفسه في ظلمات البحار بحثًا عن حياة، المسلمات اللاجئات يُغتصبن في بلاد الغرب بعدما ضاقت بهم أرض محمد صلى الله عليه وسلم، منا من يعرض فلذات أكباده للبيع بسبب العوز، منا من يبيع جزءًا من جسمه بسبب ذل الفقر. أيها الحكام، لقد ازدادت علينا ضغوط الحياة فأصابتنا الأمراض، ضاقت صدورنا فتمزقنا وصار الأخ عدوًا لأخيه فقتله، صار الابن عدوًا لأبيه وأمه فعقهما وأحيانًا قتلهما، أيها الحكام، هل تصلكم صرخات واستغاثات الثكالى والأرامل والأيتام؟ هل تشغلكم همومهم؟

أيها الحكام، ضاقت بنا الحياة رغم اتساع بلادنا فذهبنا للعيش في المقابر وسط الأموات.

أيها الحكام، جميعنا يشعر بالذل والمهانة رغم أننا مسلمون، لقد صرنا نتباهى بالتقاط الصور التذكارية مع أي أحد طالما أنه ليس عربيًّا «فالعروبة هي الذل الآن»، وهذا أيضًا ما تفعلونه أنتم، نحن نقلدكم، حيث أننا لا نرى فيكم استعلاءً إلا علينا أو على ضيوفكم من رؤساء ووزراء الدول الأفقر والأذل منا، وقليلٌ ما هم.

أيها الحكام، لماذا لا نراكم أو نشعر بأنكم منا ونحن منكم؟ لماذا؟ الآن مقامكم عالٍ جدا فصعُب علينا أن نراه، أم أنكم تعيشون في عالم غير عالمنا؟.

أيها الحكام، نحن فعلا نموت، صدقوني واحذروا، فساعتها لن تجدوا شعوبًا مثلنا تحكمونها، نحن طائعون قانعون، نحن لا نطمع إلا في أن نعيش بكرامة، نريد أن نعيش كما تعيش الحيوانات في العالم الغربي، نريد أن تعاملوننا كما يعاملون الحيوانات هناك، أيها الحكام، العالم كله يخشى غضبتنا ولا يخشاكم!

أيها الحكام، أين الثروات والمقدرات؟ ألم يودعها اللهُ أرضَه من أجلنا؟ أما تذكرون يوم أديتم القسم، هل نسيتم عهودكم مع الله؟

أيها الحكام، هل تذكرون أنكم أتباع محمد عليه الصلاة والسلام؟ ثم أتباع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية والقعقاع رضي الله عنهم؟ نحن لا نطلب أن تكونوا أمثالهم، فهذا شاق جدًا عليكم، ولكن من الممكن أن تتشبهوا بهم «وإن التشبه بالرجال فلاحُ».

أيها الحكام، دخلت فاطمة بنت عبد الملك على زوجها الخليفة عمربن عبدالعزيز فرأته يبكي، فلما سألته عن السبب، قال يا فاطمة، إني تقلدت أمر أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فتفكَّرتُ في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطارالأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم هو محمد، صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت حجتي أمام الله، فرحمت نفسي فبكيت، أرأيتم يا حكامنا؟ والله نحن جميعًا هؤلاء الذين تكلم عنهم الخليفة عمر، العادل الراشد، أيها الحكام، هل تعرفون العدل؟!، نعلم أنكم تسمعون عنه، ونحن أيضًا سمعنا عنه، أيها الحكام، نحن نشتاق إلى يوم من أيام العدل، عاش منا من عاش ومات مظلوما دون أن يحظى بشيء منه، وها نحن أيضًا مظلومون ولم نتذوق بعدُ طعم العدل، فيا ترى هل سنموت على الظلم كما مات من كان قبلنا؟

أيها الحكام، هل فكرتم يومًا لماذا تكرهكم شعوبكم؟ وما نكره أشخاصكم بل نكره أفعالكم، لقد توحش الطغيان، ضاعت الكرامة، ضُّيِّعَت الأمانة، غاب الأمان، كثر القتل والتدمير، تفشت الأمراض، ارتفعت الأسعار، عم الخراب، كثرالجدال، عم الشقاق والنزاع، تمزقت العلاقات، ماتت الرحمة بداخلنا، بل ماتت الإنسانية، أيها الحكام، أنتم مسئولون أمام الله، تذكروا يومًا تساقون إليه حفاة عراة بلا سلطان ولا جاه، سوف يسألكم الله عنا، فماذا أنتم له قائلون؟

أيها الحكام، نريد منكم أن تتخذوا موقفًا مشرفًا ولو لمرة واحدة، نريد أن نشعر بوجودكم أمام الطغيان الغربي، فنحن أغنى منهم، وأفضل عند الله منهم، ولقد حبانا الله بميزات هم محرومون منها ولا يستغنون عنها، أيها الحكام، نحن الأقوى والأفضل منهم في كل شيء، فكيف ترضون المذلة لنا ولكم في كل شيء؟!

-أيها الحكام، أعلم أنكم سوف تسألوننا عن الحل، نقول لكم إن كنتم ستطبقونه نخبركم به، وذلك في مقالتنا القادمة إن قدر الله البقاء.

والسلام على من اتبع الهدى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s