جاء الدين الإسلامي واضحًا بتعاليمه السمحة وقوانينه الإلهية لينقذ البشرية، وينتشلها من الجهل والضياع. رافضًا كل أنواع الذل والخنوع، ورافضًا لأن يموت حكامها بالتخمة، ويشترون الجزر والملاهي والقصور وشعوبهم تموت جوعًا وقهرًا. دين عادل دعا إلى تهذيب الأخلاق والنفوس، وضبط موازين الحكم بإرساء مجموعة من القوانين والقواعد التي تهدف إلى الحفاظ على قيم المجتمع وتماسكه بدين أقوم وشريعة غرَّاء، تخرجهم من جاهليتهم إلى سعة الإسلام ورحبه، لا يضيع فيه حق كهل، ولا رضيع، ولا إمرأة، ولا ضعيف، فعرفت الحضارة الإسلامية آنذاك قمة في العطاء والبناء.

الدين يقول إن المسلمين هم أعز أهل الأرض. فلماذا إذن كل هذا الاحتقار واللامبالاة التي تواجههم من لدن كل الدول الكافرة، وهل العرب حقًّا سيتحدون يومًا ما؟ وما هو دين العرب الجديد بعدما انسلخوا عن تعاليم دينهم السمحة وقواعده المتينة في إرساء وبناء هذه الأمة التي شهدت حضارتها أعلى المراتب في عصور خلت؟

بعدما كان هذا الدين هو القائد والحاكم لحقوق الناس، جاءت العلمانية بدسائسها لتبعد المسلمين عن الدين، فوضعت لهم حقوقًا وحريّات تتماشى وفقًا لأهوائهم، فإذا بحقوق الحرية الفردية، وحقوق المرأة في فعل ما تريد، والجماع دون زواج، وحقوق وهمية أخرى تتعارض والدين الإسلامي.

ونظرًا إلى قوة هذا الدين وإحكام قوانينه التي شملت كل مجالات الحياة، دبر أعداؤه المكائد لإضعافه فبدأوا بحكامها الذين أصبحوا دمى تحركهم اليهود وأمريكا والنصارى يمينًا وشمالًا وفي أي اتجاه أرادت، ولنا في أقوال مفكري أعداء الأمة الإسلامية الدليل والبرهان على أن الإسلام دين مستهدف لإضعافه وقتله، معلنين دينًا جديدًا تحت شعار العلمانية التي تعني فصل الدين عن السياسة في بلادهم، وفصل الإسلام كمعتقد في حياتنا اليومية، تاركين الأوامر الربانية مقابل قوانين وضعية فرضها عليهم العدو.

وما إن انسلخت الأمة عن مكمن قوتها، وانصرف حكامها عن شريعة ربهم ابتغاء الشهرة والمال والنفوذ والسلطان، حتى انهارت أمتنا انهيارًا مدويًّا مسها وفي كل الجوانب، فوجدت العلمانية أرضًا خصبة لها في عالمنا العربي، وحظيت بدعم كبير من قِبل حكامنا وقادتنا، رغم أنهم ومنذ توليهم الحكم لم يضيفوا شيئًا إلى هذه الحضارة التي ما زالت تنتحب الأطلال، ليجعلوا من الدين الإسلامي دينًا غريبًا خدمة لمصالحهم، بإعلان الحرب على الإسلاميين، وبإصلاحاتهم الوهمية التي لم تهتم سوى ببناء مجتمعات فاقدة لجوهرها وكينونتها، منفتحة على القذارة.

تصرفات حكامنا الهمجية تذكرنا بديكتاتور تركيا، مصطفى كمال أتاتورك، الذي ألغى الخلافة والشريعة، ومنع الزي التقليدي في وقت كان يقوم فيه بتقوية مواقعه لتعزيز مواقفه، وهي السياسة نفسها الذي ينهجها الحاكم العربي في وقتنا الحالي، بعد تبنيهم لفكر أتاتورك، فما الذي أصبح يعنيه الوطن بالنسبة لهم؟

بحثت كثيرًا عن تفسير دقيق للوطن العربي في ظل حكام ناموا كما نام أصحاب الكهف فلم أجد إلا ما قاله أحمد مطر: «أي وطن هذا الذي حاكمه مراهن وأهله رهائن، أي وطن هذا الذي سماؤه مراصد وأرضه كمائن، أي وطن هذا الذي هواؤه الآهات والضغائن».

وقال أيضًا: «اثنان في أوطاني يرتعدان خيفة من يقظة النائم وهما اللص والحاكم، وعندما استيقظ النائم حاول الحاكم إرضاءه بأي طريقة فطلب الأول من الأخير تغيير سياسة البلاد فبدأ الحاكم يبحث عن رئيس وزراء جديد يلبي فيها طلب النائم الذي استيقظ، فاكتشف أن الصفات الجيدة مكلفة جدًّا، لأنه وجد أن الحمقى أكثر بكثير من الأذكياء، وأن البخلاء والجبناء أكثرية، والكرماء والشجعان أقلية، فاختار شخصًا لا يعرف شيئًا ويعتقد أنه يعرف كل شيء».

بعدما كانت السعودية يضرب بها المثل لكونها مهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومركز الكون وبيت الله المعظم، أصبحت مسارحها مفتوحة للرقص والمجون بحجة الانفتاح وحضور نسائها للمباريات في الملاعب الرياضية والاختلاط. كما قام آل سعود بالإصلاح التخريبي، فهدموا كل المعالم الأثرية، مقابل بنايات شاهقة تفتقر لفن الذوق المعماري الأصيل والرفيع، في وقت تفتقر فيه بعض أحيائها إلى بنية تحتية، وشبكات الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب.

ومن إصلاحات حاكمها أيضًا، بعد انفتاحه وعلمنته، أن سجن دعاتها من الإسلاميين والمعارضين وغيرهم ممن ينادون بالإصلاح، وجعلهم على أعواد المشانق أو في غياهب السجون، كما حد من السلطة الدينية وأطلق العنان للسلطة الترفيهية معتمدًا سياسة التتفيه عوضًا عن الثتقيف.

أما في باقي البلدان العربية، أصبح الاختلاط بين الجنسين في كل مكان أمرًا عاديًّا، فشجعوا الغناء والملاهي، وأن المرأة المتحررة تحظى باهتمام أرقى وأسمى في تولية المناصب عكس المحجبة أو المتدين الذين ينظرون إليهم على أنهم خطر يهددهم، فقيدوا من سلطة علمائها وأغلقوا العديد من المساجد، وقيدوا من حرية الدين واستبدلوا بها العلمانية ليصبح مسلموها فاقدين لكل شيء لا دين لهم.

إنهم حكامنا الذين باعوا الدين بالدنيا، حكامنا الذين وإذا عارضهم معارض وقال لهم إن الإسلام دين، ودولة، كتاب، وسيف، جهاد، وعبادة، وشريعة، ونظام، اتهموه بالعمالة والإرهاب والخيانة، مع العلم أنهم هم الخونة بعدما أقاموا ممالكهم وقصورهم على حساب أرواح الأبرياء وجماجم الشعوب شعارهم كهنوت، دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

التاريخ يعيد نفسه والأمة الإسلامية تعيش لحظاتها الأخيرة، تمامًا كإمارات الأندلس التي كانت تستنجد بألفونسو بعضها ضد بعض، واليوم يستنجدون بترامب وزبانيته من الحاقدين على هذا الدين، لزرع الفتنة في كل البلاد الإسلامية. مخططات استعمارية تخدم مصالح العدو بامتياز، وتسعى لتفرقة هذه الأمة التي لم تجتمع يومًا إلا على الأكل، رغم وجود ما يوحدهم من دين ولغة، وصفعة القرن التي تزعمها رئيس يتغابى على الحكام العرب، كانت له حاجة في نفسه قضاها.

إنه الغرب المدمر للعرب، استعبد الحكام التائهين وسلب خيرات بلادهم، ليعم الجهل مشارق الأرض ومغاربها، فأصبح العربي يقتل العربي، والشيعي يقتل السني. ويسأل: من قَتل من؟ ولم قُتل القاتل؟

تُقتّل الشعوب العربية في سوريا واليمن وليبيا ومصر تحت شعار «محاربة الإرهاب»؛ الذي أدخله الحاكم الشبح ديارنا بتآمر مع الغرب وشيطان العصر أمريكا وبني صهيون.

الحاكم العربي التائه أصبح قاب قوسين أو أدنى، لا هو تصالح مع نفسه وأهله، ولا هو تصالح مع شعبه، مخافة منه أن يفقد عرشه، فأصبح كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ليلجأ الى مداهنة العدو وطاعته ليحارب شعبه، ولو على حساب دينه ووطنه فتكون ملكة الأنا الأعلى هي الحكم.

لا تحمِّلوا الغرب وزرًا لم يزره، لأن الخيانة متجذرة عند العرب ومنذ الأزل ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، عانى من هذه الخيانة، والكاتب الشهير، أمين معلوف، كتب كتابًا عظيمًا في هذا الشأن، كيف كان حكام العرب يقتلون أبناء عمومتهم، وحتى إخوتهم، ليجد الغرب المناخ الملائم لنشر ما يدعون. وهذا أمر يبشر بزوال هذه الأنظمة لا محالة، إما عن طريق ثورات من شعوبهم، وإما بالقوة العسكرية للعدو، وهو ما شهدناه سابقًا في ثورات الربيع العربي وما نشهده اليوم.

إن نظام الحاكم العربي نظام سائر نحو الهلاك، لتوليته المفسد دون المصلح، وتحكيم سياسة الجهل فيه، فحتى جامعتهم العربية التي تبلغ من العمر ستين عامًا لم تقدم شيئًا طيلة مسيرتها، سوى خطابات فارغة تدين وتستنكر فقط، كالذي يسمع جعجعة ولا يرى طحينًا.

العالم يفكّر ويعمل بلا توقّف لتطوير إنسانه، وعلومه، وآدابه، وفنونه، ونحن منشغلون بالتفاهات، وتفسير الأحلام عوضًا عن تفسير الواقع الذي يعيشه الإنسان العربي، وويلاته من مشكلات مسَّت كل جوانب حياته. كلما تقدم العالم خطوتين إلى الأمام تراجعنا نحن بمائة إلى الوراء. كنا نحن من يفكر ويصنع ويتقدم إبان عصور ولت، فأصبحنا عاجزين عن كل شيء ننتظر الإعانة والاستغاثة بمنتجات غيرنا، ونعيش على هبات وصدقات دول لها أهداف وأطماع سياسية وعسكرية أكثر ما هي إنسانية، ومساعدة أشباح الحكام الذين يحكموننا للبقاء في الحكم، والاستمرار في تدمير إنساننا ووطننا خدمة لمصالحها!

الحكّام العرب مجرد أشباح لم يقدموا لهذه الأمة شيئًا سوى الدمار والخراب، فحتى ما بناه الحاكم الشهم في الحضارة الإسلامية السابقة دمروه في لمح البصر؛ لأن أشباه وأشباح الحكام المتربعة على العروش معروفة بهزائمها، وفشلها في الإدارة والتسيير والحكامة وحماية أوطانها، ففسادها وظلمها لشعوبها، وتبديدها للمال العام أساس كل الكوارث التي حلّت بنا جميعًا من المحيط إلى الخليج، وفتحت أبواب أوطاننا لكل طامع بأرضنا وثرواتنا، وأوصلتنا إلى هذا البؤس الذي نحن فيه.

أيها الحاكم الشبح إن لم تكن أهلًا للحكم تنحّ جانبًا، أيعقل أن تتقدم دول وتقام حضارة إنسانية بوجود حكام أشباح؟ طبعًا لا؛ فالأمة الإسلامية تحتضر ونريد أن ننقذها ونخلّصها من موت محقق سببه الحاكم الشبح، وننهي عهود الاستبداد والتبعيّة، ونعيد للإنسان كرامته وكيانه ونعيد ترميم حضارتنا، وفي جميع المجالات لغوية كانت أو فكرية، اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، وعسكرية، ودينية، نحن كلنا مسؤولون عنها لأننا نحن من يصنع التاريخ والحضارة ويبني الإنسان والبلاد، ولا يجب أن ننتظر المساعدة من أحد.

فإذا أراد الحكام العرب والمسلمون أن يرجعوا إلى سابق عهدهم وقديم عزهم غير تائهين ولا أشباحًا، فعليهم أن يرجعوا إلى دين ربهم ويتمسكون بكتابه وسنة نبيه الكريم، كما يجب على كل الحكام العرب أن يتحدوا ويتعاونوا فيما بينهم، ويكونوا قوة يُحسب لها ألف حساب، تأكل ما تزرع يداها، تستهلك ما تنتج، حتى لا تجعل رقابها في أيدي أعدائها وأعداء الأمة والإسلام، لنعود كما أرادنا الله تعالى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فمن يدعي ويعتز بالإسلام فهي من شيم رسول الله، ومن يعتز بالعروبة فهي من شيم أبي لهب وما أكثر أشباه أبي لهب في حكومة الأشباح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد