أربعة أحداث مهمة خلال 26 عامًا لعبت دورًا محوريًّا في توجهات الشيعة العرب في العالمين العربي والإسلامي، من عام 1979 حتى عام 2005، الأول كان الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والحدث الثاني الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين 2003، والحدث الثالث اغتيال رفيق الحريري في بيروت 2005، والحدث الرابع حرب لبنان 2006، فيما ستلعب أربعة أحداث أخرى كبرى بعد عام 2011 إلى يومنا هذا دورًا كبيرًا في تشكيل الوعي الشيعي العربي، تمثل الحدث الأول في الثورة البحرينية، والثاني بالثورة السورية، والثالث سيطرة داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، وأخيرًا الحرب السعودية على اليمن، يمكن اعتبار الأحداث الثلاثة الأولى قد زادت من سطوة الشيعة العرب في بلادهم، ورفعت من حدة نبرتهم بشكل غير مسبوق، فيما يمكن اعتبار الأحداث الأربعة الأخيرة بعد عام 2011 قد وحدتهم بشكل غير مسبوق، وفي الأحداث السبعة آنفة الذكر كان ارتفاع منسوب الحدة ومنسوب الوحدة بشكل عابر للحدود؛ أي حدود أوطانهم المختلفة التي يحملون جنسياتها، ما من شك أنها حدود مصطنعة أوجدها الاستعمار، لكن ما هو مطلوب هو وحدة الأمة وليس وحدة الطائفة، وإلا فوحدة الوطن أهم.

ما تأثير الثورة الإسلامية في إيران 1979 في الشيعة بالعالمين العربي والإسلامي؟

تعد إيران نفسها الأب الروحي والحنون لكل الشيعة في العالم، تمامًا كما نظرة إسرائيل لكل يهود العالم بعد تأسيسها 1948، لكنها تنظر إليهم أيضًا بمنظور استخباري كأذرع ضاربة ومورد بشري مهم لتنفيذ الأجندة الإيرانية سياسيًا وأمنيًا وأيديولوجيًا؛ لتصدير الثورة الإيرانية بحسب الأدبيات الخمينية الثورية، تمامًا كالنظرة الإسرائيلية ليهود العالم أيضًا، يقاتل في سوريا والعراق مقاتلون شيعة من كافة أنحاء العالم، ليست داعش وحدها التي يقاتل في صفوفها الأجانب، يوجد الشيعة في كل بلدان الخليج بنسب متفاوتة أعلاها في البحرين، التي تصل نسبة الشيعة فيها من 60 إلى 70%، و30% في بلد مثل الكويت، فيما يشكل الشيعة ما نسبته 10% من سكان السعودية، يتمركزون في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، تبقى النسب في دول الخليج غير مؤكدة؛ فهي قد تكون أعلى مما يعرف بكثير.

تحول ولاء الشيعة الخليجيين وغيرهم في الدول العربية بعد الثورة الخمينية 1979 لإيران أولًا ثم لأوطانهم، في بعض الأحيان الولاء للوطن غير موجود بتاتًا، بعد الثورة قلما تجد شيعيًّا في العالم العربي مواليًا لوطنه بمعزل عن إيران وسياساتها، قلة قليلة جدًا من السياسيين والمفكرين الشيعة العرب نظروا لبلدانهم بمعزل عن إيران، غالبًا عدو إيران هو عدو الشيعة وصديقها صديقهم، يذكرنا ذلك بدولة المجر زمن الحزب الشيوعي في الخمسينات؛ حيث كان معيار الوطنية بالنسبة له هو مدى حب المواطن المجري للاتحاد السوفيتي، نسمع مثل هذه الأصوات في هذه الأيام في كل من العراق ولبنان، إن اختلفت مع إيران يمكن وصفك بكل بساطة بالخيانة والدعشنة والوهابية والعمالة مع إسرائيل، يحمل الشيعة هموم بعضهم بشكل موحد في كافة الأقطار العربية، ظالمين كانوا أم مظلومين، المظلومية التاريخية للشيعة تلعب دورًا كبيرًا في التكوين السيكولوجي السياسي والفكري للشيعة في العالم تمامًا كوقع قصة الكارثة والبطولة اليهودية المتمثلة في الإبادة النازية لليهود في سيكولوجيا الوعي اليهودي المعاصر، لا توجد مناسبة لا يتحدث فيها مسؤول إيراني أو شخصية مثل نصر الله مثلًا عن مظلومية شيعة البحرين واليمن والسعودية والعراق، تحدث نصر الله عن اليمن والبحرين ما لم يتحدث به الحوثي والمعارضون البحرينيون الشيعة أنفسهم، وبشكل أعنف وأكثر حدية من أصحاب الشأن أنفسهم، تمامًا مثل حديث رؤساء وزراء إسرائيل المتعاقبين عن اللاسامية ومظلومية اليهود في أوروبا، لاحظنا ردود فعل السياسيين العراقيين وقادة الحشد الشعبي العراقي على إعدام النمر في السعودية، وآراءهم في ما يجري في البحرين، قالها نوري المالكي صراحةً في عدة مقابلات تلفزيونية، يلاحظ مهاجمة الشيعة في كل أماكنهم للسعودية بشكل دائم بمناسبة وبدون مناسبة، الأمر مرتبط دائمًا بتوتر السعودية الدائم مع إيران، لاحظنا كيف تغير موقفهم من قطر قبل الثورة السورية وبعدها .

كيف نظر الشيعة للغزو الأمريكي للعراق؟

سيكون يوم إسقاط نظام صدام حسين في العراق 2003 الذي ينظر إليه الشيعة حجاج القرن العشرين يومًا مهمًا في التاريخ الشيعي ما بعد الألفية الثانية، عندما شوهدت الدبابات الأمريكية على جسر وسط بغداد، نزل الشيعة العراقيون يحتفلون في الشوارع بشكل هستيري، وكأن ما يحدث حلم أو فيلم خيالي، لم تصدق عيونهم ما تراه، بكى كثير منهم فرحًا، ينظر الشيعة للحقبة الصدامية كأسوأ حقبة في تاريخهم الحديث، عقب إسقاط نظام صدام حسين صعد شيعة العراق لسدة الحكم، لم ينظر الشيعة العراقيون إلى أن الغزو أسدل الستار عل حقبة ديكتاتورية عاشوا فيها ذاقوا خلالها الأمرين، ولم ينظروا أيضًا إلى أهمية توليهم الحكم بقدر نظرتهم إلى أهمية تهميش سنة العراق عن سدة الحكم بعد هيمنتهم لقرون على حكم العراق، بحكم تلك الظروف الموضوعية لا يملك شيعة العراق الإمكانيات والخبرات التي يمتلكها أهل السنة في أمور الدولة والحكم والجيش، بعد حل الجيش سيخرج إلى السطح ما عرف باجتثاث حزب البعث، من المفارقات المضحكة أن بعض من تحمسوا لهذا التوجه أطاح القانون بهم، بعض من عمل في هذه الدائرة وصله الدور حتى تم اجتثاثه، العراق ليس بلد الشقاق إنما بلد المفارقات العجيبة أيضًا، عانى العراقيون الشيعة من الاستبداد قرونًا، لكنهم وقفوا ضد ثورة الشعب السوري مع النظام بل حاربوا معه! لكنهم مع الثورة البحرينية ضد النظام البحريني الوهابي الظالم! مع الدولة السورية وضد المليشيات المسلحة هناك، لكنهم ضد الدولة اليمنية ومع مليشيا الحوثي! مفارقات ليست بعيدة عن الوعي الطائفي المتراكم عبر قرون لا سيما في ظل فتاوى حملات إعلامية مكثفة، كلها تصب في خدمة المشروع الإيراني بالنظر إليه رأس حربة الدفاع عن الظلم والاضطهاد السني ضد الشيعة في العالم العربي، لعل من أكثر ما يؤرق شيعة العراق بعد سقوط صدام هو ذكرياتهم بالحرب مع إيران، وكيف أنهم قاتلوا أبناء مذهبهم وطائفتهم في إيران، يعد شيعة العراق الحرب بلدهم خطًا فادحًا من النظام السابق وجريمة كبيرة، لكنهم ما زالوا يعتقدون أن الكويت المحافظة ال19 للعراق! قاتل في صفوف القوات الإيرانية ضد العراق قائدان عربيان، الأول لبناني هو عماد مغنية، والثاني يتولى قيادة الحشد الشعبي العراقي وقائد منظمة بدر اليوم في بلده وهو هادي العامري، سيتولى هذا الرجل وزارة في بلده بعد أن حاربها مع إيران!

كيف نظر الشيعة لاغتيال رفيق الحريري؟

أشعل اغتيال رفيق الحريري فتيل أزمة طائفية خطيرة اجتاحت لبنان بعد العملية، ألقت بظلالها على العالم العربي أيضًا، نفى حزب الله بشدة ضلوعه أو علمه بالاغتيال، وأدان العملية بأقسى العبارات، بل امتدح نصر الله الحريري وتحدث عن العلاقة الشخصية الحميمة التي كانت تربطه بالحريري شخصيًا، لكنه أيد سوريا من أول يوم وهي المتهمة الأولى بالضلوع بالاغتيال آنذاك، انسحب الجيش السوري من لبنان وشعرت القوى اللبنانية المسيحية والسنية بنشوة الانتصار عقب ما اصطلح بتسميته في لبنان «ثورة الأرز»، اضطرت حينها الطائفة الشيعية المتمثلة في حزب الله وحركة أمل أن تنزل الشوارع وأطلقت نيرانًا كثيفة في الهواء تحت عنوان وداع الجيش السوري، لكنها في الحقيقة كانت رسائل لباقي الأطراف اللبنانية «لا تعبثوا معنا» نحن الطرف الأكثر عددًا والأكثر تسليحًا في لبنان، عقب الأحداث المتلاحقة التي تمثلت باجتياح حزب الله لبيروت، وما سبقها من انتشار مكثف لأنصار حزب الله عبر السياسة التي عرفت بالتهديد الناعم، الذي كان يحمل في طياته تهديدات خطيرة، حيث كان يوعز حزب الله لكل أعضائه وجماهيره ارتداء القمصان السود، والنزول إلى شوارع بيروت، ليس على شكل تظاهرة إنما توزيع بطريقة أمنية أو مافياوية، يمكن قراءة العمق السيكولوجي لأثر اغتيال الحريري إذ خلصت لجنة التحقيق الدولية إلى اتهام قادة في حزب الله بالوقوف وراء الاغتيال؛ إذ أنه ليس بمعزل عن ثارات كربلاء وثأر الحسين، أطلقت شعارات مثل هذه في مايو (أيار) 2008 .

من جانب آخر نظر إلى قتل الحريري على أنه ليس مجرد اغتيال سياسي لزعيم طائفة تتعامل بنوع من الفوقية مع الطائفة الشيعية، كما أنها ليست إزاحة خصم سياسي حاول العبث في قدسية سلاح حزب الله وسحبه عبر قرار دولي، كما أنها أيضًا ليست عملية أمنية تخدم سطوة المخابرات السورية على الأراضي اللبنانية، نظر إلى الاغتيال على أنه صفعة قوية على وجه السعودية العدو اللدود لإيران بعد عام 1979، والتي تسمى بالوهابية بمفهوم الحزبية الشيعية السياسية، الرجل حليف للسعودية ويحمل جنسيتها وهو يمثل صورتها في لبنان.

لم تأت أحداث السابع من مايو 2008 في لبنان مصادفة؛ بل كانت حصيلة متراكمة من تظاهرة استمرت عامين للمطالبة بإسقاط رئيس الوزراء اللبناني «السني» فؤاد السنيورة، اتهم حزب الله دولًا عربية وعلى رأسها السعودية بالتآمر على حزب الله، وللسعودية حلفاء في الداخل اللبناني على رأسهم تيار المستقبل الذي يترأسه الحريري، اعتقد حزب الله أنه انتصر في الحرب بالتالي سيكون لهذا النصر تبعات أهمها التغيير الجذري في النظام السياسي اللبناني، الذي من المفترض أن يصبح للشيعة فيه مكانة دستورية وقانونية أكثر من كونهم يحوزون على رئاسة المجلس النيابي، الأمر الذي قد يشعل حربًا أهلية جديدة في لبنان، سيكون عنوانها هذه المرة السنة والشيعة، وليس المسلمين والمسيحيين كما الحرب الأهلية السابقة.

يلاحظ في لبنان مدى انتماء السكان الشيعة للجمهورية الإيرانية، صور الخميني وأعلام إيران تملأ الضاحية والقرى الشيعية في الجنوب، يكون إلى جانب العلم الإيراني الأعلام الحزبية لحزب الله أو أمل، قلما يرفعون العلم اللبناني وإن رفع يرفع على استحياء أو على سبيل البروتوكول الإعلامي، كما يظهر دائمًا خلف نصر الله في اجتماعاته أو لقاءاته الإعلامية، يؤشر ذلك على مستوى القيادة والقاعدة إلى مدى ضعف الانتماء للوطن الأم، أو الشعور بأن هذا الوطن ليس لهم أو ملكهم إنما نتيجة ظروف قدرية أن يحيوا على هذه الأرض، لكن القلوب هناك في إيران، يمكن القول إن هذا النمط يسود في العراق في أوساط الشيعة الذين باتوا يشكلون الأغلبية العراقية.

انتقلت العدوى هذه نتيجة ارتفاع منسوبها في الطائفة الشيعية وبشكل مبالغ فيه في بعض الأحيان إلى الطائفة السنية أيضًا، تجد الأعلام السعودية وصور ملوكها المتعاقبين تملأ الأحياء السنية في بيروت والشمال اللبناني، وهذه العدوى نفسها انتقلت إلى سنة العراق لكن من غير انتشار الصور، يمكن مراقبة حدة النقاشات اللبنانية- اللبنانية والعراقية- العراقية على وسائل التواصل الاجتماعي لتصل إلى قناعة أن كليهما لا يملك الولاء لوطنه بقدر ما يملكه لإيران أو السعودية، استوصت السعودية نفسها على سنة العراق ولبنان وهم قبلوا بذلك ضمنيًا على ما يبدو، بدأت كل من السعودية وإيران تتعاملان مع السنة والشيعة في لبنان والعراق وكأنهم ملك يمين، تمثل هذا الشعور باستقالة الحريري مؤخرًا التي شابها كثير من الغموض والهرج والمرج في كل العالم العربي، تشعر من النقاشات التي تراقبها على منصات التواصل الاجتماعي اللبنانية والعراقية مدى الشرخ العميق الذي أحدثته الطائفية في كلا البلدين، تشعر وكأن الشعب أصبح شعبين والمجتمع مجتمعين، شرخ ثقافي وقيمي وحضاري عميق جدًا.

زار في عام 2010 الرئيس الإيراني نجاد واستقبله الألوف من الشيعة حاملين للأعلام الإيرانية، ورحبوا به في لافتات كتبت بالعربية والفارسية، زار لبنان بعد شهر تقريبًا أردوغان واستقبلته جماهير سنية حاشدة حاملة للأعلام التركية، من أحد الوسائل التي يحارب سنة وشيعة لبنان من خلالها بعضهم بعضًا هو نقل ما يقوله الإعلام الإسرائيلي عن الطرف الآخر، وكأن الإعلام الصهيوني هو الحكم بينهم، وكأن ما يقوله الصحافي الإسرائيلي منزل ومنزه، وهذه دونية مخجلة أو يمكن تسميتها بما يعرف «بعقدة الخواجة» من يتفحص جيدًا سيكتشف أن الإعلام الإسرائيلي ليس أكفأ من الإعلام اللبناني ولا بأي جانب، ينقل الفرقاء في لبنان بشكل يدعو للحزن والشفقة ما يقوله الإعلام الإسرائيلي عن الطرف الآخر، وينقلون الأخبار السيئة بطبيعة الحال! فيما يتهمون الدول العربية بالتبعية الدائمة والعمالة لأمريكا وإسرائيل، بينما أصبح حكام العراق الجدد الذين دخلوا على ظهر الدبابات فجأة من حلف المقاومة والممانعة بعد الثورة السورية! فيما كان يتهم شيعة العراق سوريا بشكل دائم على أنها ممر للإرهاب والإرهابيين والمفخخات، قاتلوا مع النظام بعد الثورة السورية! كلمة السر هنا أيضًا هي إيران والطائفية هي المفتاح لكلمة السر هذه.

انعكاس أحداث الربيع العربي على الشيعة العرب

في أوج الثورات العربية، وبالتزامن معها انطلقت ثورة أوائل عام 2011 في البحرين، نظرت دول الخليج بخطورة إلى هذه الأحداث التي في حال انهار فيها النظام البحريني الملكي فإن البحرين ستتحول إلى قاعدة إيرانية في قلب الخليج وخاصرته، الأمر الذي قد يمتد إلى القطيف شرق السعودية التي حدث فيها قلاقل واشتباكات مسلحة عنيفة مؤخرًا بين الأمن السعودي ومسلحين شيعة هناك، يعد شيعة البحرين والقطيف أنفسهما بقعة واحدة وشعبًا واحدًا، أيد الشيعة في العالم الثورة البحرينية والمصرية والتونسية والليبية بقوة، حتى الخميني نفسه أصدر بيانات بذلك، لكنهم وقفوا ضد ثورة الشعب السوري واعتبروها مؤامرة، خلال أيام قليلة دخلت قوات درع الجزيرة الخليجية البحرين وفرضت فيها الأمن وتم تأمين النظام فيها من الانهيار، سيكون لاجتياح داعش المحافظات السنية العراقية وفتوى السيستاني بالقتال والحرب السعودية على اليمن والثورة السورية وما سمي حماية المقامات الشيعية هناك عوامل وحدت الشيعة بقوة حولها وحول كل ما يدور هناك نقطة رئيسة تجمع بين كل هذه الخيوط هي إيران، وصلت الخطورة بمكان أن صرح مسؤول إيراني أن إيران تسيطر اليوم على أربع عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، ساهمت مثل هذه التصريحات في تصاعد الأحداث في اليمن، وزيادة الشرخ الطائفي في العالم العربي.

ما مدى مسؤولية الأنظمة العربية عن ضعف الولاء الشيعي لأوطانهم والولاء لإيران؟

تتحمل الأنظمة العربية المتعاقبة وسياساتها من كافة النواحي مسؤولية نحو ذلك، عانى الشيعة القمع والاضطهاد والتمييز السلبي طوال كل العصور والحقب الإسلامية ليومنا هذا، حرم الشيعة من الوظائف والمناصب المهمة في كل الدول التي يحكمها حكام سنة، حتى وإن كانوا أغلبية في بلدان مثل العراق والبحرين، إضافة إلى معاناتهم من الفقر المدقع في بلد غني مثل السعودية، رغم أن النفط يوجد تحت أقدامهم ومناطقهم، يقال إن المواطن الأجنبي في البحرين من البلدان المختلفة العربية وغير العربية يعامل بشكل أفضل من المواطن البحريني الشيعي، تخيل أن يعامل الغريب في بلد بشكل أفضل من ابن البلد نفسها! وهذا ما حدث ويحدث اليوم مع الأغلبية السنية السورية تحت حكم الأقلية الطائفية العلوية المتحالفة مع إيران.

لكن المدقق جيدًا في طبيعة الاستبداد في العالم العربي سيكتشف أنه يطال الجميع من حيث الحقوق السياسية والمدنية والثقافية، التمييز يمكن وصفه بالتمييز المادي والوظيفي، عمل كل من النظامين البعثيين السوري والعراقي بآليات وظيفية متشابهة إلى حد بعيد، أحاط كل من صدام وحافظ الأسد نفسيهما بطواقم استشارية وأمنية وعسكرية حديدية، ومجموعة من الموظفين المخلصين القريبين من العائلة والأنسباء والمنطقة الجغرافية التي ينتسبون لها، فمفهوم تكريت في الذهنية العراقية لا يختلف كثيرًا عن مفهوم القرداحة في الذهنية السورية، كان لهذه الدوائر المقربة النفوذ الأكبر والأقوى في كلا البلدين، ومارست هذه القوى نفوذها على كل الشعب في بلديهما حتى طائفتهم نفسها ممن هم خارج دائرة السلطة، فقمع المعارضين وتكميم الأفواه والفساد الإداري والمالي والسرقات والقتل خارج القانون لم يقتصر فقط على الطوائف الأخرى بل مارسوه على طائفتيهم الصغيرتين أيضًا، كان مصير من يعارض النظامين أو يكتب عنهما بما لا يرضيهما يواجه المصير نفسه بغض النظر عن طائفة هذا المعارض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد