يوم بكت البواكي وناحت الأرامل، يا لعزة الأرض التي وقف عليها الرجال يباهون بأرواحهم ملائكة السماء! خرجوا دفعًا للعدو، صدًا للمعتدي، دحرًا للخائن. الله الله في رجال المقاومة! الله الله في وحدة شعوب الأرض خلف أبطال التحرير! واللّعنة اللّعنة تحيط بخائن الرجَّال! اللّعنة اللّعنة تمحو ذنوب الأبطال! اللّعنة اللّعنة تصب على من طعن وخان!

ليست مقدمةً وجدانية، وليست تسليطًا للضوء على حدثٍ برّاقٍ يكاد سوادُ وجه فاعلها يطيح بنور الشمس، يتسابق صنّاع عروبة المجد إلى أبواب الجحيم، لا يريدونه أن يصل وحده؛ يظلِّلون عليه وحشته، يوصلونه إلى محافل جَهَنَّم طارقين الأبواب، ذارفي الدموع، بلسان حال العروبة يقول «نحن بكم لاحقون».

من هو شمعون بيريز؟

ولد في بولندا، وانتقل مع عائلته للعيش في فلسطين في العام ١٩٣٤، الرئيس التاسع لإسرائيل، ورئيس وزرائها لفترتين منقطعتين، وزرير دفاعها وخارجيتها، جنديٌ مؤسس في عصابات «الهاجاناه» التي شكّلت فيما بعد نواة الجيش الإسرائيلي، عضو في جهاز الإستخبارات الخارجية الإسرائيلي «الموساد»، زعيم «حزب العمل» الإسرائيلي، قاد الحرب على لبنان، فيما عرف بـ«عناقيد الغضب»، حاز جائزة نوبل للسلام، بالمناصفة مع الزعيم الفلسطيني «ياسر عرفات»؛ تقديرًا لقيادته الوفد الإسرائيلي المفاوض في «أوسلو»، والذي انبثق عنه ما عرف بـ«اتفاقية أوسلو للسلام».

يعتبر بيريز من مؤسسي كيان إسرائيل وصانعي جيشها، أدركته أجيال الثورة يوم كان في عنفوان شبابه مقاتلًا شرسًا في وجه أصحاب الأرض، يومها، أي: في أربعينات القرن العشرين توحّدت بنادق شعبنا العربي في وجه جيشه، حاربته، ودماءُ الشهداء روت أرض الوطن، تقلّد مناصب الحرب العليا في «إسرائيل»، حارب من أجل السلام، من أجل سلام أبناء جلدته، ويوم جاء بجيشه الجرار إلى لبنان يحارب الأطفال ويطأطئ رأسه للمقاومين الأبطال عاد بجيشه يحمل عناقيد غضبه، وقد بلغ من الكبر عتيًا، كافأه العالم المخادع بزعم صناعته للسلام: سلام الدماء.

أعلنت السلطات العبرية وفاته يوم الثامن والعشرين من سبتمبر (أيلول)، كان من المفترض على صنّاع السياسة العرب، إمّا السكوت بحكم سياستهم، أو التبريكُ بحكم وطنيتهم، فاختاروا ثالث الأمرين: «تعزيةٌ» للقاتل على حساب الوطن، على حساب الكرامة. اختارت السلطات الإسرائيلية المكان بحنكةٍ غادرة، تكريسًا للأمر الواقع على أرض المدينة المقدسة. وكانت المشاركة العربية من الطراز الرفيع معزية لأخلاق العرب، في المقدمة من يفترض به حمل شارة الدفاع عن فلسطين، رئيس السلطة الفلسطينية على رأس وفدٍ من قادة الصف الأول باكيًا، معزيًا، بالرغم من عدم إيجاد مقعدٍ له على مأدبة القادة، كذلك حضر وزير الخارجية المصري مراسم دفن العروبة، يليه ممثّل البلاط الملكي الهاشمي، ونظيره المغربي. كانت البيعة في زمن انقلاب الموازين عظيمة، لسنا عشاقًا للحروب، نحن أهل السلام، عندنا القيامة، والمهد والأقصى، سكن في أكناف أرضنا العرب بمللهم، والإفرنج بأهوائهم، والزنوج بسوادهم، واليهود حينها بسلامهم. على الصعيد العام حققت زيارة التعزية هدفًا هامًا للمفاوض الفلسطيني: فقد أثبتت انحيازًا مبالغًا من قبل المفاوض الفلسطيني لإسرائيل «المتطرفة »؛ فقد قدّم المفاوض الفلسطيني تنازلًا لناحية مكان إقامة مراسم الدفن في القدس المحتلة، إضافةً الى تنازل مبطّن عن الدعاوى المتعلّقة بمجازر اتهم بها بيريز، والمزمع رفعها ضدّ إسرائيل في المحافل الدولية بها. عربيًا ضرب العرب بعرض الحائط ما سُمّيَ بالفرصة الأخيرة لإسرائيل للتفاوض تحت مظلة المبادرة العربية.

الشومير: الحارس الذي يقف لحراسة الميّت، وهو تقليد يهودي، حيث لا يجوز ترك جثة الميّت بعد وفاته وحيدًا حتى يوضع في القبر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد