عند الكتابة عن حال الشعوب العربية أحتار من أين أبدأ، فإضافة إلى أن العرب في ذيل أي تصنيف عالمي حول التعليم، أو التنمية، أو الابتكار… لا نجدهم يحتلون المراتب الأولى سوى في نسب الفساد، وقمع حرية التعبير، وبما أن ما صرنا إليه لا يخفى على أحد فلا فائدة من تعداد الأرقام والإحصائيات التي تثبته، فهي متاحة للجميع. لكن من المسؤول عن ذلك؟

لا أحد يمكنه تجاهل حقيقة أن الساسة العرب فشلوا في أن يقودوا شعوبهم نحو بناء دول حديثة وديمقراطية. لكن من منطلق أن الدول القوية لا يبنيها الحكام وحدهم، مهما بلغ تبصرهم وقدرتهم، ربما على المجتمع العربي تحمل مسؤوليته تجاه عدة قضايا. فالفساد الذي يتفاقم في دولنا ليس وليد اللحظة، وليس منحصرًا في دوائر ضيقة سياسية كانت، أو عائلية، أو قطاعية إنما هو منتشر على صعيد واسع. «فالمواطن» العربي يدفع الرشوة للموظف، وللشرطي وهذا الأخير يقبلها، والمواطن العربي يختلس من مال مشغله ومن وقت عمله. فلماذا يلام الحكام وسياستهم فقط؟ ومن هذا الذي يستطيع الإصلاح في ظل الفساد الذي يعم كافة المجالات، والذي تساهم فيه جميع فئات الشعب؟

إن الواقع يجيب على جزء هام من هذه التساؤلات. فموجة التفاؤل التي عمت بعد الربيع العربي لم تدم طويلًا، بدليل النكسات الحاصلة في ليبيا واليمن، ولا يفوتنا عودة البدلة الخضراء إلى سدة الحكم في أرض الكنانة، علاوة على المجازر المرتكبة في سوريا. حتى أن تونس التي أخرجت حزب التجمع الدستوري أعادت انتخاب حزب نداء تونس، الذي يعد واجهة جديدة للنظام القديم. فهل من الوجاهة التعامل مع هذا الواقع بتفاؤل على اعتبار أننا في سياق ثوري، ومرحلة الحسم الثوري قادمة لا محالة، أم أن هذه الثورات تم وأدها في المهد؟

رغم الانقسام بين المثقفين العرب حول الثورات التي حصلت، وما أدت إليه من تغيرات واضحة على المستوى الإقليمي والعالمي، فلا أحد يستطيع الحسم بمآلها، وما ستؤدي إليه على وجه اليقين. فهل الطابع الصادم والفجائي الذي غلب على الثورات عند ظهورها سيطبع أيضًا نهاياتها، هذا إن لم تكن قد انتهت أصلًا؟ وبماذا يفسر هذا التفاوت في أوضاع الدول التي مرت بها؟

من المؤكد أن عوامل عديدة تؤثر في سير الثورات، منها خصوصية كل دولة، وأهميتها الإستراتيجية، والتعاطي الدولي مع الوقائع. لكن رغم أهمية ما سبق تبقى الشعوب إلى حد كبير أهم محدد لمسارات ثوراتها. فهل العرب قادرون على احتمال الضغط الاقتصادي والاجتماعي المتزايد، والعمل من أجل بناء مجتمعات قوية، أم أن بعض الصعوبات كفيلة بإرجاع هذه الشعوب إلى بيت الطاعة؟ ألم يهتف التونسيون في بداية الثورة «خبز وماء وبن علي لا»، لكن هذه الهتافات سرعان ما خفتت وصار جزء من المنادين بها يتحسرون على الوضع الاقتصادي في عهد ما قبل الثورة، وكذلك الحال في مصر؟

من الجلي أن العرب يعيشون اليوم ارتباكًا وانقسامًا حادين. فالتناقضات في المواقف صارت أكثر حدة، والتشتت بين المجتمعات برز أكثر، فعوضًا عن معالجة المشاكل التي كنا نعانيها أصلًا تراكمت مشاكل جديدة سياسية واقتصادية واجتماعية.

تأبى المجتمعات العربية أن تؤمن بأن تحقيق ما تصبو إليه من تقدم يحتاج منها إلى جهد، وتضحية، وعمل، وليس إلى حكومة جيدة فقط. إن الشعب العظيم لا تصنعه حكومة بل قيم، وحين يصبح بذل الجهد والتمتع بالنزاهة مدعاة للسخرية والاستهزاء، لا ينفعنا أن نلوم الساسة على سوئهم. لقد صار كل فرد في مجتمعاتنا يأمر بالبر وينسى نفسه، يغطس في الفساد خلقيًّا واقتصاديًّا ثم ينتصب متذمرًا من وضعه.

إني أكاد أجزم أنه لو حكمتنا أكثر حكومات العالم وطنية وكفاءة وقدرة على التخطيط، فلن تزحزحنا من ما نحن فيه. فاسألوا أنفسكم هل تستحقون أفضل من قادتكم الحاليين؟

لن تحتاجوا إلى إجابة فواقعكم يجيب بدلًا منكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد