هانحن اليوم نخطو نحو نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ولم تزل أحوال العرب كما كانت، مطبوعة بالتخلف والضعف، فقط مع استثناءين: العمارة من مبان شاهقة، وناطحات سحاب، والمساجد المبلطة، والإدارات الفخمة من جهة، ومن جهة أخرى تزايد ثقافة الاستهلاك، واقتناء الجديد من سيارات وطائرات وغيرها مما لا يمكن عده.

والجدير بالذكر أن الجماهير العربية ابتهجت – وتبتهج – بهذه الإنجازات، ولكن الواقع يقول على لسان حاله: من يعول على هذه الإنجازات كأنما يعول على سراب في صحراء شديدة القفر، خاصة وأن كل هذه الإنجازات تمَّت بقدرات وكفايات خارجية، سواء من الناحية المادية، أو المعنوية، وغير هذا فنحن نفتقد إلى كل ما هو جوهري، نفتقد إلى الاستقرار السياسي والفكري، نفتقد للحرية والكرامة وغير هذا من مقومات الحضارة، بل إننا نسجل غيابًا قياسيًا في الصرح العلمي للبشرية، إذ تأتي جامعاتنا ومؤسساتنا في ذيل الترتيب العالمي، وليس هذا فحسب، وإنما اعتنقنا الطائفية والمذهبية، وغيبنا ثقافة الحوار والتشاور؛ حتى أصبح التفاهم مستحيلًا، وارتقينا بالعنف إلى مرتبة الشرعية، كل (يدستره) وفق رؤيته، ووفق هواه.

كانت في البداية دهشتنا إلى المجتمع الغربي بتقدمه وثقافته، وبالخصوص المجتمع الأوروبي في تكتله ووحدته، وأثنينا على المجتمع الياباني الذي استثمر في الإنسان، ولم يركع لحتمية الموارد وضيق الجغرافيا وكثرة الكوارث. ورغم كل هذا بقينا حيث نحن؛ لأن ثقافة الشعر القائمة على الوصف لا الفعل، ما تزال تطبع الذهنية العربية، ذلك أن المقارنة غير كافية إذا لم يتم بلورة مشروع مجتمعي أو حضاري متكامل تأخذ فيه كل الأبعاد التاريخية والسياسية والاجتماعية، ولذلك كانت النتيجة لهذه المقارنة، بدلًا عن أن تدفعنا لتقييم الوضع ونقد الذات، دفعت رغبتنا في الهجرة والهروب من الديار، وكانت نخبتنا، ومثقفونا، أول المبادرين، وأول الراغبين، يتولد عن هذا الفعل ردة فعل معاكسة نظرًا للأدوار الطلائعية والاختصاصات التي تضطلع بها هذه الفئات في النهوض بالمجتمع وتقدمه، فهي مؤهلاته وهي رصيده، وحينما يفقدها يصبح لقمة صائغة للبيروقراطية الداخلية التي تعمل على ضرب جذورها في عمق المجتمع مدفوعة بمصالحها الانتهازية وخططها اللاشعبية، فتأتي على الأخضر واليابس، طبعًا هذا بمباركة أسيادهم في الخارج كان ذلك بشكل مباشر أو عن طريق المؤسسات المالية، فيستفيد الجميع ويدفع الشعب المغلوب على حاله الثمن.

اليوم نشاهد مأساتنا الكبرى، نشاهد دولنا تتحول إلى دويلات، وحكامنا يرتقون لمراتب الفرعونية، ثم شاهدوا ما يقع في بلادنا من حروب طاحنة وصراعات عالمية تدك البشر والحجر، بل إننا تحولنا إلى فئران تجارب سهلة يتم فيها اختبار الأسلحة الجديدة والتخلص من القديمة، ومقابل هذا يمضي الإنسان العربي في سعيه وراء الرفاهية والموضة وهلم جر، ولو توقف برهة، ونظر في تبصر من حوله لتبين مقدار السوء الذي بلغناه.

إن هذا هو واقعنا الذي لا غبار عليه، بيد أن المشكلة لا تكمن في هذا الواقع بقدر ما تكمن في التعاطي معه فكرًا وعملًا، ولما كان التفكير نشاطًا يميز العقل البشري، فهو إذًا العقل العربي ذاته، حينما يوضع وجهًا لوجه أمام هذا الواقع الذي يلفه، آنئذ تظهر اللامعقولية في كيان المعرفة العربية الحالية، وتظهر أيديولوجية هذا العقل عارية تمامًا، فالسلفي له منهله المعرفي الذي يوجه تصوراته، كما للحداثي منهله، وليس العيب أن تختلف المناهل، بل العيب كل العيب في بروز عقليات متصلبة تكفيرية، تقول برزانة موقفها وتصوراتها، وضرورة نفي الآخر، وهذا يجعلنا أمام تأويلات منحرفة ومتعجرفة تقوم على منطق الصراعات، بدلًا عن البحث عن آليات كفيلة تخرج المجتمع العربي من المأزق الذي يتخبط فيه.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول: إن السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس سؤال الحداثة، ولا هو سؤال السلفية، وحتى سؤال الهوية يصبح غيض من فيض، وإنما هو سؤال العقل والطبيعة ونقصد بذلك العلاقة بين العقل العربي والعلوم الطبيعية؛ إذ يسجل غيابًا تامًا للعرب في مجالات العلوم البحثة، وبعبارة أخرى المجالات التي تتعاطى مع الطبيعة وتسير في البحث عن القوانين المتحكمة فيها، بينما نلحظ علماء الغرب وبعض الدول في جنوب شرق آسيا يستثمرون الكثير في العلوم الطبيعية وفروعها، ويحققون كشوفات علمية مذهلة؛ مما ينعكس بشكل إيجابي على المجالات الأخرى، كالتكنولوجيا وغزو الفضاء، ناهيك عن المجالات العسكرية والاقتصادية وغيرها، بينما نحن نلتصق بالماضي التصاق الأصداف بالحجر، سواء من يقول بنقده، أو من يقول بالأخذ به، فالكل سجينه.

إن السؤال الذي ينبغي طرحه، أو أننا لا نمتلك القدرة على طرحه بالشكل الصحيح، هو على النحو التالي: أين يتموقع العقل العربي بالنسبة للطبيعة والكون المادي؟ يبدو سؤالًا بسيطًا، لكنه في الواقع يختزل أزمتنا وأسباب تخلفنا الحضاري، ولا غرابة أن نشهد تصاعدًا مطردًا للخطاب الروحي والعاطفي، والرواج الهائل للقضايا التي تتناول علاقة الإنسان بالغيب، قضايا الإيمان والإلحاد، قضايا الإعجاز، ولنقل كل القضايا التي يتم من خلالها البحث عن ميكانيزمات التعويض النفسي الذي يحكم الثقافات المنحطة، وعلى كل فإن المعرفة العربية تقصي الطبيعة من مجالالتها وتهول من قدر الغيبيات، فالدنية دار فناء وإختبار، والآخرة دار بقاء وخلود!

واختبار الدنيا يفهم بتأدية الطقوس الدينية، أي الفهم الميكانيكي للعبادة، لا الفهم القرآني لها من حيث مبدأ الاستخلاف ومبدأ الضرب في الأرض، وهكذا الخطاب في ظل واقع موسوم بكل مظاهر التخلف والضعف يعد إشكالًا كبيرًا، ويجسد اللامعقول الذي نتحدث عنه، فخطاب من هكذا النوع ينفي الأهمية الحقيقية للوجود الإنساني، ويختزل الإنسان في التقليد العرفي والسلوك الفطري لا أكثر، ثم آخر يختزله في ناقل عن الغرب منبهرًا أمام منجزاته، أليس هذا اختزالًا؟ بل اغتيالًا للوظيفة الحقيقية للعقل؟ والتي تتمثل في الإنتاج والإبداع، بدلًا عن الترتيب والنقل؟ أليست المذاهب السلفية والعلمانية تنقص من قيمة العقل؟ الواقع أن كلًا من الموقفين متشابهان، والاختلاف يكمن في السلعة فقط، فكل منهم له موقفه الذي يصور العقل على أنه تمثال من حجر صوان، وكل يعمل بمبدأ (هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا)، سواء بوعي أو بدونه.

وعلى أيّ فإن الخطوة الأولى التي يتوجب علينا القيام بها، هي أن نتحلى بالمعقولية من خلال الإحتكام إلى العلم ومنطق العلم، من خلال تغيير الوجهة والعودة إلى كنف الطبيعة الأم نكتشف مكنونها ونسبر غورها، وهو العلم وحده من له القدرة على فرش تلك المطويات التي تحتمي تحتها العقليات البائدة والغائبة عن واقعها وعصرها، بحيث نستبين الطريق الصحيح دون قلب أو خلط، ونحن نقول هذا لأننا نؤمن بأن التغيير لا يمكن أن ينبعث، ولن ينبعث، إلى من قوانين الطبيعة، فتبني العلم هو أحد أرقى الوسائل وأسمى الإمكانات التي ستخولنا إبداع التغيير، مثلًا، كانت اكتشافات كل من برونو وكوبرنيق وغاليلي الكسمولوجية، بمثابة الطعنة القاتلة للكنسة في أوروبا، وكان ذلك كافيًا لإثارة الشك في أبسط المسلمات، ذلك أن العلم يتعاطى مع قوانين الطبيعة التي خلقها الله، فكيف لله أن يتعارض مع خلقه؟ وجدت الكنيسة نفسها أمام حقيقة قاتلة اكتشفها العلم، وإن حاولت إسكات الأفواه فهي لم تتمكن من جعل الأرض مركز الكون!

لا غرابة إذا قلنا إن العقل العري (انطلاقي)، وليس (استباقيًا)، ونعني بذلك أنه يفتقد للقدرة على الإنتاج، وينطلق دائمًا مما هو مُنتج، كذلك فإننا دائمًا ننتظر حدثا حتى يقع ثم نبدأ في البحث عن الكيفيات التي من خلالها يمكننا التعاطي معه مثلما وقع في نكسة 1967، وبعبارة أخرى إننا نستجيب للصدمات بدل استباقها والاستعداد لها. وكل استجابة من هذا النوع تعد عقيمة في الظرفية الراهنة.

يمتلك العالم العربي كل مقومات الحياة من ثروات مادية متنوعة وغزيرة، كذلك يمتلك مؤهلات ديمغرافية كبيرة، وبدلًا عن استثمارها في خلق مجتمع علمي منتج للمعرفة، يتم دهنها بالخرافة والأساطير البائدة والتي لا تزيدنا إلا تخلفًا مع تخلفنا، ولذلك فإنني أقول بضرورة رد الاعتبار للعقل العربي، عن طريق تشجيع البحث العلمي في العلوم الحقة والحث على الخلق والإنتاج، بدلًا عن الأخذ والتقليد، فمستقبل البشرية اليوم رهينا للإنجازات التي يتم تحقيقها في مجالات من مثل، فيزياء الكم والكمياء الجزيئية والبيولوجيا، وأسياد الغد هم من يمتلك زمام هذه العلوم، وإذا قلنا هذا فنحن لا ننسى العلوم الأخرى، وعلى كل حال فاللامعقول يطبع العقل العربي، العقل التراثي الذي دأب على أن يلعب دور المفتش، ونسي واقعه ومستقبله.

ونختم بمقولة للعالم نيل تايسون مقدم برنامج حديث النجوم، وبرنامج (cosmos) «اتركوا أعينكم دائمًا إلى السماء»، وهذا هو تجسيد لمستقبل الغرب، بينما نحن اعتزلنا السماء والأرض معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد