من أهم المظاهر الدخيلة التي ظهرت في الآونة الأخيرة في المجتمعات العربية، ظاهرة الكتابة والرسم على الجدران، في سلوك يراه أغلب المنتقدين أنه صادر من شخص غير عاقل؛ ما أثار استهجان وانتقاد الكثيرين خاصة مع تزايد انتشارها يومًا بعد يوم، فلم يسلم منها مرفق عام ولا خاص.

أن تكون فنانًا ما عليك سوى أن تقتني بخاخًا بثمن بخس وتعبر عن مكنونك على الجدران، هكذا يعتقد البعض ممن يدعو لتقبل هذا الفعل كأنه نوع من أنواع الفن.

في سلوك غير حضاري مشوه للمنظر يرفضه الكثيرون، تنتشر هنا وهناك رسومات وتعابير مختلفة الشكل والمعنى منها ما هو أخلاقي ومنها ما تجاوز حدود الأخلاق، كتابات صادرة من أشخاص يعيشون فراغ نفسي يعبرون بها عن مكنونهم الداخلي، يشكون همومهم للجدران، ويبدو جليًا أنها تكتب في أوقات متأخرة من الليل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أصحابها عاجزون وخائفون من مواجهة الواقع في النهار.

أصبحت جدران المرافق العامة والخاصة جريدة حرة، من هب ودب يدون عليها وينشر فلا رقيب ولا حسيب، كل يغني على ليلاه، تعبير عن الحب والولاء، تعصب لفريق كروي أو تأييد لتوجه سياسي وغيرها، كل هذه التصرفات الطائشة راح ضحيتها وجه العمران.

هذه الكتابات والرسومات ما هي إلا مرآة لما يخالج نفس كاتبها فمنهم من يبعث برسائل حب وغزل، وآخرون بأشعار شوق وحنين، متأثرين بأبيات نزار قباني حين غناها كاظم الساهر وقال:

علمني حبك أن أتصرف كالصبيان .. أن أرسم وجهك بالطبشور على الجدران

وليتهم اقتدوا به حُسنًا وعبروا بالطبشور لكان الأمر حينها هينًا.

وليست العاطفة فقط من أخذت حصتها من هذه الظاهرة فقط فلقد كان للسياسة أيضًا نصيبها، فما إن اقترب موعد الانتخابات بشتى أنواعها، إلا وامتلأت الجدران والواجهات بفوضى اللافتات والعبارات الموالية لكل توجه ورأي.

انتشرت هذه الظاهرة في الوسط العربي كنوع من التقليد الأعمى لدول الغرب كما يطلقون عليه هناك.

فن الجرافيتي Graffiti، بحيث نجد في الدول الغربية بعض الجمعيات والنوادي يؤيدون هذه الظاهرة ويعلمونها، كونها تخدم مصالحهم في التعبير والتشهير لمختلف قضاياهم الاجتماعية والسياسية، هذا ومع تضارب الرأي العام الغربي تجاه هذا الفن رغم تبنيه من طرف مؤسسات وجمعيات عديدة، فقد صُدّر إلينا كغيره من الظواهر لكن ما وصلنا هو غير صورته هناك، فما نراه اليوم في الشوارع ومحطات القطار وجدران المؤسسات العمومية والخاصة ما هي الا خربشات لا تسمن ولا تغني من جوع، بل وعلى العكس تشوه العمران وتثير غيض السكان، في صورة تبرز أن ما تم استيراده من الغرب ليس إلا الاسم فقط.

لقد سبق وذكرنا أن هذه الظاهرة دخيلة على مجتمعنا، لكنه كان لنا منها صور بسيطة ربما ساعدت في انتشارها والدليل على هذا ما نجده في مدارسنا اليوم، فلا تخلو طاولة مدرسة أو جدار قسم من تعابير ورسومات ولو بضع صور وكلمات.

ما يحز في النفس وما يثير الأسى أنه حتى بعض جدران بيوت الله لم تسلم من هذه التصرفات الساذجة، فما سيكون جوابهم حين يسألهم رب البيت ومالكه؟ وهو القائل سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24). (سورة النور).

وفي الأخير ما علينا سوى توعية الشباب بدورهم الحقيقي والتعبير عن مشاعرهم العاطفية، الاجتماعية القتصادية والسياسية بالطرق الحضارية دون المساس بالمرافق الخاصة والعامة، وهذه المسؤولية مهمة تقع على عاتق الأسر والمعلمين ورجال الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد