لا يكف هذا المجتمع عن ممارسة جاهليته في كل ما يتعلق بالمرأة، من يوم ولادتها المشؤوم حسب اعتقادهم حتى ساعة رحيلها مصطحبة همها إلى قبرها!وبين النحس والشؤم الذي يحل ساعة ولادتها إلى حين وفاتها يحدث أن تتزوج! فإن ماتت عن زوجها فهي محظوظة، أما إن حدث أن مات عنها زوجها أو طلقها، فهي هجالة!

وهي بين رأيين اثنين لا ثالث لهما:

إما أنها لا خير فيها ولهذا طلقها زوجها، وإما أنها «كلتلو» رأسه!

عبر تاريخ البشرية لم تحظ المرأة سوى بالازدراء والدونية، فقد كانت في المجتمع اليوناني تباع وتشترى في الأسواق، وبلغ امتهانها إلى الحد الذي اعتبرت فيه رجسًا من عمل الشيطان!

وفي شريعة حمورابي كانت المرأة تحسب في عداد الماشية المملوكة، ولم يكن لها في شريعة مانو حق في الحياة بعد وفاة زوجها، ووجب حرقها معه حية على موقد واحد!

أما اليهود فاعتبروا المرأة لعنة لأنها أغوت آدم، ولم يكن موقف النصرانية بأفضل من اليهودية، فقد أعلن رجال المسيحية الأوائل أن المرأة باب الشيطان وسلاحه للفتنة والإغراء!

ظل هذا الموقف المحتقر للمرأة في التراث الديني اليهودي والنصراني للحضارة الغربية ثابتًا عبر العصور، فقد تأثر فلاسفة العصور المتأخرة بفكر سابقيهم، فهذا فيلسوف الثورة الفرنسية جان جاك روسو يرى أن المرأة وجدت من أجل الجنس ومن أجل الانجاب فقط.

أما نيتشه فكان يقول: إذا قصدت النساء فخذ السوط معك!

ولم يكن حالها عند العرب قبل الاسلام بأفضل من سابقيه، فقد كانت أرملة الأب تعتبر ارثا يرثها أحد أبنائه كبقية أموال أبيه، وكانوا يتشاءمون من ولادة الأنثى وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودًّا وهو كظيم وسلب حقها في الحياة لمجرد أنها ليست ذكرًا!

وكان الرجل منهم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون ودرج سلوك وأد البنات خشية الخزي ولدفن العار الذي تمثل لهم فتاة سوية!

وسط هذا الظلام المعتم والجاهلية العمياء والنظرة الدونية للمرأة التي توارثتها الأمم المتعاقبة جيلا بعد جيل، بعث النبي الكريم رحمة للعالمين فأضاء الله بنور رسالته ظلمات الشرك والجهل والظلم، ونزع عن المرأة ثوب الخزي والعار الذي وشحتها به الأمم الغابرة عبر التاريخ، وفك عنها أغلال العبودية والدونية والحيوانية، وأعلن أنها إنسانة كاملة الحقوق واللبنة الأولى في بناء المجتمعات ونهوضها.

وبلغ قدر المرأة ومكانتها في الإسلام مبلغًا عظيمًا، فكرمها أمًا وأختًا وزوجة وبنتًا وأعلى شأنها مطلقة وأرملة، بأن جعل أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها، أول زوجات النبي وأمهات المؤمنين، وكانت أرملة عن زوجين اثنين، وكرمها بأن جعل جميع زوجات النبي وأمهات المؤمنين مطلقات وأرامل باستثناء أمنا عائشة رضي الله عنها.

وفي قصص الصحابة الأمثلة كثيرة، فأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين طلقها حواري رسول الله الزبير بن العوام، ولم ينقص ذلك من قدرها وفضلها شيئًا، وكانت تسمى عاتكة بنت زيد أخت سعيد بن زيد، أحد العشر المبشرين بالجنة، زوجة الشهداء ذلك أنها تزوجت عبد الله بن أبي بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم الزبير بن العوام، وكلهم نالوا الشهادة، حتى قيل من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة.

كل هؤلاء لم ينقص الطلاق، أو الترمل من قدرهن وفضلهن شيئًا، فلماذا تصر مجتمعاتنا على جعلهما تهمة وعارًا تحمل وزرهما المرأة دون الرجل!

وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا ترملت امرأة الغازي في سبيل الله أو طلقت امرأة، يسارعون إلى الزواج منها بغية كفالتها، محتسبين ذلك من القربات إلى الله عز وجل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار رواه البخاري.

لقد أسس المجتمع النبوي قيم التكافل والتراحم بين أفراده، فحملوا الأمانة وبلغوا الرسالة، لمن خلفهم فكيف هي نظرة البعض، إن لم أقل تشاؤمًا، نظرة الأغلبية إلى الأرملة والمطلقة في عصرنا؟

الهجالة هذا اللقب الذي تذم به المرأة التي مات عنها زوجها أو طلقها في منطقة المغرب العربي، وتكنى به في أرياف مصر، وبين ذم المغاربة ومدح المصريين خيط رفيع!

فالأول جعل منها رمز النحس والشؤم، واعتبرها سهلة المنال إلى الحد الذي تتساوى فيه بالمومسات والبغي!

أما الثاني فقد سرق منها فطرتها وأنوثتها ورقتها، مقابل أن تكون محترمة ومهابة من الرجال! وفي هذا الخصوص يقول الدكتور رياض حسن محرم: بدءًا من اللحظة التي تترمل فيها هذه المرأة، تبدأ في التحول شيئًا فشيئًا في جميع النواحي النفسية والجسمانية والاجتماعية، لتصبح أشبه بالرجال من النساء، وينفرد جسمها وتمشي بخطوات سريعة ويبدأ صوتها في التخوشن، وترتدي زيًا أشبه بملابس الرجال، وتتعامل مع الآخرين بطريقة رجالية وتتولى حراسة أرضها وتتناوب مع الرجال في الأعمال الشاقة.

كان هذا إذًا الموقف المعاصر لحاملي رسالة الإسلام من الأرملة والمطلقة، وللمقارنة لنا أن ننظر إلى الديانة الهندوسية لنرى كيف تحيا فيها الأرملة في وقتنا الحاضر!

هذه الأخيرة تواجه مجموعة من المحرمات الاجتماعية، ويطلق على الأرملة الهندوسية عبارة برام وتعني أنها ليست بشرًا، وفي بعض اللغات الهندية يشار إلى الأرملة بعاهرة وتعتبر الأرملة عندهم مصدرًا للنحس وسوء الطالع، وفي بعض الحالات يعتبر حتى ظلها نجسًا على أفراد المجتمع الطاهرين!

إذا كان هذا حال الأرملة الهندوسية، التي تعاني بسبب المعتقدات الدينية المتخلفة، فلماذا تعاني إذًا الأرملة أو المطلقة المسلمة؟! وقد كفل لها الإسلام الرعاية والاهتمام، وجعل لها المنزلة الكريمة، بل قد جعل الإحسان إليها من أعظم القربات إلى الله تعالى!

دون شك أن الأرملة أو المطلقة التي أنصفها الإسلام، قد ظلمها أغلب معتنقيه! إن لم يكن قصدًا فجهلًا، وذاك جلل المصاب، أن تدين بالدين الذي ارتضاه الله لك ظاهرا وتخالفه قولًا وعملًا كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ثم تدين بمعتقدات المجتمع الباطلة التي ارتضيتها لنفسك! ومثل الباطن والظاهر كالجاهلية والإسلام، ولن تنصف المرأة مجددًا في مجتمعاتنا حتى ندين بالإسلام باطنًا وظاهرًا، ونصدق بالعمل ما وقر في القلب ونطق به اللسان، فلن يصلح حال المرأة آخر هذه الأمة إلا بما صلح به حالها أولها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد