عاشت الدول العربية لسنوات طويلة في ظلمات الحكم الديكتاتوري، ديكتاتوريات طغى عليها اللون الأسود فغطى كل منفذ للنور، كانت حرية التعبير والإبداع والفن جريمة، كان كل من يتجرأ على النقد أو كشف مساوئ الأنظمة إرهابيا في نظر السلطات, التي كرست كل قوتها للقمع خوفا من انفضاح عوراتها.

 

أبطال ما قبل الربيع العربي

قبل الربيع العربي، وفي تلك السنوات العجاف على كل المستويات، كان كل من ينتقد الأنظمة الحاكمة وسياستها غير عابئ بالعواقب، بطلا في نظر الشعوب، وكان الأبطال حينها قليلون، منهم من اختار المقاومة بسلاحه، منهم من اختار أن يقاوم بصوته, ومنهم من وجد في المسرح سلاحا فعالا.

 

المسرح، لم أكن من المولعين به في صغري، إلى أن وقعت عيناي ذات يوم على من كنت أرى فيه فارسا مغوارا، كان يتقد حماسة، يتحرك على المسرح بكل خفة وثقة في النفس، تعابير وجهه كانت أفصح من عشرات المجلدات، ذلك الفارس هو محمد صبحي.

محمد صبحي ولد في القاهرة في 3 مارس 1948، صاحب مسرحية وجهة نظر، تلك التحفة الفنية الرائعة التي لعب فيها هذا الفنان دور شخص كفيف, لكنه من خلاله جعلنا نبصر ونكتشف أن الحكام يستغبوننا ويجُهّلوننا ويفقروننا ويسرقوننا ويقتلوننا, حتى نعيش عبيدا تحت أقدامهم، نرى فقط ما يريدون منا أن نراه.

محمد صبحي صاحب مسرحية سكة السلامة، تلك التي بكيت بسببها لساعات، تلك الجوهرة التي فضح من خلالها الفنان هوان الأمة العربية وانقسامها وزاد فيها من عمق جرحنا، فلسطين.

أما عن مسرحيته تخاريف،  تلك التي خصص فيها جزءا بعنوان الديكتاتور, فكسر فيه صنم الرئيس الغاشم والمنفرد بالسلطة، نقد من خلالها البذخ الذي يعيشه حكامنا, بينما نموت نحن جوعا.

 

دعني أحدثكم عن بطل آخر من أبطال ما قبل الربيع العربي، مسرحي أيضا، من مواليد 27 جانفي 1934، ترعرع في دمشق، عمل كمدرس في جنوب سوريا, وبدأ حياته الفنية في 1960، اختار المسرح وأبدع فيه, كما أبدع محمد صبحي.

بطلنا الثاني هو دريد لحام،  صاحب واحدة من أجمل المسرحيات في العالم العربي “كاسك يا وطن”، ومسرحيات أخرى مثل “قضية وحرامية”، “غربة”.

كاسك يا وطن، مسرحية كانت بالنسبة لي كالنور الذي يكسر ظلام الديكتاتورية، كنت أشاهدها مرارا وتكرارا، معجبا أشد الإعجاب بجرأة دريد لحام, الذي لعب دور “غوار الطوشة” فانتقد من خلاله كذب ونفاق أصحاب المناصب الذين ضحوا بالوطن من أجل مصالحهم، تحدث عن فلسطين وعن انقسام العرب، عن الفقر والتهميش، لامس كل القضايا الحقيقية التي تشغلنا.

 

الربيع العربي فضح زيف الأبطال

جاء الربيع العربي، انتفضت الشعوب أخيرا ونادت بما نادى به من قبلهم محمد صبحي ودريد لحام، أسقطت الشعوب الظلم، تغنت بالعدل والمساواة، قدمت أرواح شبابها فداء للوطن، وحتى وسط النيران وأسلحة السلطات القمعية لم تنس الشعوب فلسطين. جاء الربيع العربي فعرى الأنظمة القمعية وأسقط قناع السياسيين، لكنه لم يكتفِ بذلك، فربيعنا أسقط قناع محمد صبحي، ذلك الفنان الذي بكى فرحا – على حد تعبيره – بفوز عبد الفتاح السيسي بمنصب رئيس الجمهورية المصرية، وقال ذات يوم عن طريق مداخلة هاتفية على إحدى القنوات المصرية: ” اليوم أرفع رأسي شامخا, لأن مصر اختارت من احترمها واحترمته”.

نعم، ذلك الفنان الذي طالما عمل على تحريض الشعوب ضد الظلم, يشعر اليوم بالفخر, رغم أن أداة القمع لا تزال مسيطرة على وطنه، أم أن صاحب مسرحية “وجهة نظر” قد أصابه العمى, فلم يقدر على رؤية تقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية التي تتحدث عن الاختفاء القسري، عن التعذيب في السجون المصرية، عن التصفية الجسدية التي يواجهها  كل من تسول له نفسه معارضة ما أبكى بطلنا فرحا، ألم يطلع على حالات الاغتصاب في مراكز الأمن المصرية؟! ألم ير ابتسامة حبيبة التي حرمنا منها السيسي؟! ألم تحرك دموع أسماء البلتاجي وهي تحتضر حسه الفني، فالفنان عادة ما يكون رقيقا!!

بطلنا الثاني، دريد لحام، لم يفلح في الصمود أمام رياح الربيع العربي التي كشفت وجهه الحقيقي, فظهر حديثا يمدح من يرسل جنوده لقتل أطفال سوريا و نسائها وقال حرفيا: “في روحك القداسة, وفي عينيك الأمل, وفي يدك العمل يا خامنئي”.

غوار الطوشة، ذلك الشاب الذي كان يحلم بالوحدة العربية، كان يتمنى أن يفطر في بغداد ويتغذى في الخرطوم, ويزور أبوظبي، ها هو اليوم في إيران يتغزل بمن تلطخت يداه بدماء أبناء سوريا ويحمي الديكتاتو بشار الأسد.

دريد لحام في مسرحيته “كاسك يا وطن” في مشهد أثر في نفسي، خاض حوارا مع والده الشهيد:

– الأب: طمني يا ابني كيف حالكم؟

– غوار (دريد لحام): كلو تمام يابي مو ناقصنا شيء.

– الأب: والوحدة العربية؟

– غوار: كلنا متوحدين، اليوم أفطرت في بغداد وتغديت في الخرطوم وعم بحكي معك من أبوظبي.

دريد في هذا المشهد نسي أن يقول لوالده بأنه في طريقه إلى إيران, ليبارك لمن قتلوا الآلاف من غوار.

 

 مواصلة الخداع والظهور في صورة البطل

مؤخرا وقعت عيني على برنامج جديد لمحمد صبحي، يلعب فيه دور الواعظ والمثقف، يحاول نشر القيم الحميدة، يحث الشعوب على العمل واحترام الغير، لم يدرك بعد أننا لم نعد نقدر على أن نفرق بين محمد صبحي الممثل ومحمد صبحي الحقيقي.

 

 الفن رسالة نبيلة:

منذ صغرنا، تعلمنا أن الفن للنبلاء وأصحاب الذوق الراقي والأخلاق العالية، أن الفن سلاح في وجه الظلم, وحامله كالجندي في ساحة الوغى, يستبسل دفاعا عن شرفه.

حين كبرنا، ويوم هبت رياح الربيع العربي، اكتشفنا أن الفارس قد يرضى بالذل وأن البطل قد يهلل لقتل أبناء بلده وأن الشاعر قد يدعو إلى الفتنة وأن وزير العدل قد يظلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد