في عيد ميلاد أم الثورات الحديثة، بات من الأساسي أن نقرّ بأن التّاريخ قد سجّل نُسخة ثورية هجينة مما يمكن أن نعتبره ثورات بصيغة عربية. إذ إن أحداث الربيع العربي وإن كانت من ناحية المطلب لا تختلف عمّا عرفته الإنسانية في تاريخ نضالها من أجل بناء الحقّ والعدل والحرّية، شكّلت من حيث الصيغة والمآل ما يجعلها متفرّدة عن غيرها.

الثورات العربيّة فيما سَلِم منها من صياغات عسكريّة خارجية، لم تكن كغيرها نِتاج رؤية سياسيّة حقيقية أو مشروعًا مجتمعيًا تقوده نخبة مؤمنة بضرورة التّغيير. بل جاءت أغلبها تلقائيّة لا تحمل أيديولوجية غير نبذ الاستبداد، ولم تقدها زعامة غير طموحٍ مُنتِجه الشّباب. والحال هذا أثبت أنّ اعتماد العبث السياسي بالتحالف مع نخب فاسدة لضمان استقرار الأنظمة في تغييب لشرعية الإنجاز، إنّما يفتح الباب أمام حراك شعبي غير مؤطّر هو طوفان لا قبل للإجراءات السياسية المتأخرة بإيقافه.

الربيع جعل الشعور القومي يظهر للعلن بعد أن خال الجميع أنّ الانتماءات القطرية قد عوّضت الهويّة المشتركة للأبد. ولعلّ أوّل ما يقلق أعداء ربيع العرب هو قدرة أي نموذج يبنى على أسس سليمة على تدمير ما يطوله أي اعوجاج في باقي مكونات الوطن العربي. هذا الطرح يجعل الحلّ لإخماذ أدنى أمل في الإصلاح مرتكزًا على التلاحم من أجل إفشال كلّ نواة عربية له، وعلى تقديم الربيع كمنبع دمار للشعوب تَفقد معه الاستقرار، تمامًا كما صُنع في النموذج السوري.

الثورات العربية تنفرد بكونها ثورات شباب قد تمنح السلطة للشياب. ثورات يُؤَدَّى ثمنُها أرواحًا شابةً طاهرةً، ثم يتسلم جيل لطالما رضي الصمتَ جوابًا على التجبّر، مقاليد السلطة لصياغة ديمقراطية لم يعشها يومًا، بل لم تتسلل صيغتها لأحلامه قط. والغريب أنه مع كل هذا الإيثار الذي يغزو الثوار الشباب، ما زالت شريحة الكهول هي الطاغية فيمن يلعنون الثورات ويكيلون لها تهم الخيانة لليوم.

الثورة عرت واقع تجدر التخلف السياسي في عقول كثيرة، حتى نشأت في قلوب الغالبية قدرة على صناعة عبودية ذاتية، تجعل الخوف من أي تغيير أساس دفاعها عن كل عقاب يطول الثورات. والخطير في مواقف من تأخذهم العزّة بالإثم هؤلاء، هو أن منبع عدائهم الحقيقي لأي تغيير سياسي نابع من كونه يحمل خسارة لهم تطول على الأقل ماضي انصياعهم الذي أوصلنا للأوضاع التي نعيشها. وستظلّ مشاهد المتباكين على سقوط الرؤساء المعمّرين، وصور الثّائرين ضدّ الثّائرين مع الإصرار على تشاطر المكان، ومواقع الجمال والسيوف شاهدة على سقم شعوب ألفت الاستبداد حتى صار كثيرها نابذًا للحريّة. الربيع العربي أكّد أنّ خضوع الشعوب أكسبها السذاجة صفة، ولكنّه رفع في نفس الوقت قدرة الأنظمة على التلاعب بالمشهد السياسي، وأخلى قلوب بعض السياسيين من الإنسانية فصارت مستعدّة لسقي أرض حكمها بالدماء مقابل الحفاظ على محاصيلهم من السّلطة.

ومع أنّ التّاريخ يمجّد معظم الثورات التي خرجت من رحم معاناةٍ، فالنّسخة العربيّة الحديثة هي الوحيدة التي طالها هذا الكم من لعنات حتّى ممن قامت لأجلهم. وإذا كان كل الفخر الفرنسي مثلًا نابعًا من ثورة بلاده مع أنها أغرقت البلاد في سنوات من غياب الاستقرار، فإن الكثيرين من العرب ما زالوا يصرون على أن الربيع العربي خريف رياحه مؤامرات أجنبية، وكأن الحكامة السائدة واقعًا تجعل العرب أحرارًا لا تطول قراراتهم أي اعتبارات للغير لا مجرّد تابعين لا قبل لهم بالاستغناء عن رضا الآخرين!

الربيع العربي أظهر في مختلف محطّاته أن الأمة العربية تعيش في انفصام متعدّد الشخصيات. فعندما يتولى من لم يعش ديمقراطية قط مسؤولية الدّفاع عن بنائها في بلد آخر، وعندما يموّل السلاح باسم المساعدة على التّغيير ممن لا يسمح بكلمة خارج السرب في بيته، وعندما يخرج الفقير المعدم حاملًا لافتة أسف على رئيس، وعندما يستمتع جزء من المجتمع بتخوين من ضحى بروحه مقابل مستقبل أقل ظلمًا، فلا يمكننا غير الجزم بأن هذه الأمّة باتت تحمل أمراضًا نفسيّة في مراحل متقدّمة، بل ومن المشروع التّساؤل للأسف عن استحقاقها من الأساس لتضحية من تمنحها أمل الشفاء.

لنكن واضحين مع الحق والواقع، الربيع العربي هو أشرف ما عاشته أمتنا مند عشرات السنين، والمنطق الرافض لبقائنا في قعر الأمم حضاريًا يقتدي من الأجيال الشابة التعلق بفطرة الحق في حياة كريمة، السلطة السياسية التي تصوغ تفاصيلها تتصف بالكفاءة والمسؤولية وترتضي المحاسبة في ظل عدالة حقيقية قائمة على الجميع. وكل من ارتضى غير ذلك تحت أي نوع من الذرائع هو متحمل للمسؤولية تمامًا ككل من يعيق هذا الحق الإلهي في إقامة العدل بين البشر. من يتهمون ربيع العرب بأنّه خريف ربّما هم على صواب، فالخريف دائمًا ما يمهّد لمقدم ربيع حقيقي، ولعل ما نعيشه اليوم من أحداث هو بالضبط الشتاء الذي يفصل الاثنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد