القضية الفلسطينية بين الثورة والثورة المضادة

أخطئوا مَنْ ربطوا الربيع العربي بتراجع القضية الفلسطينية، وأخطئوا أكثر من اعتبروا أن الربيع العربي مؤامرة أمريكية صهيونية للإطاحة بالدول العربية أو قضية العرب الأولى المتمثلة في القضية الفلسطينية، ما يجري أمام الأعين بما لا يدع مجالًا لتحليلات واسعة، أو أسرار عميقة؛ هو أن الدول التي قادت نهج الثورات المضادة ودعمته ومولته في الانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر، وحاولت في تونس، ولا زالت بشتى وسائل الترغيب والترهيب هي نفسها من تعد العدة، وتعقد المؤتمرات لدفن القضية الفلسطينة حية أو ميتة.

إن أخطر ما واجهته إسرائيل أو ما قد تواجهه مستقبلًا هي حكومات عربية تمثل شعوبها، وهذا ما فسر حالة التخبط الإسرائيلي السياسي والإعلامي للثورة التي اشتعلت في تونس، والتي سرعان ما امتدت لتصل مصر؛ لأن هذه الثورات كان من المفترض والمأمول أن تنتج حكومات تمثل شعوبها عبر صناديق الانتخابات، والإطاحة بكل الزمرات الفاسدة، وأيادي الأمن الطويلة التي تتكئ عليها إسرائيل والولايات المتحدة في ضرب الشعوب العربية وإفقارها، عدا عن كونها أحد الأدوات التي تربطها بإسرائيل علاقة مصيرية مصلحية، والتي تقمع شعوبها باسم العداء لإسرائيل، أو منطق نظريات المؤامرة الإسرائيلية التي تريد الإطاحة بهذه المكونات الوطنية؛ حيث تم ربط أي حديث عن الفساد أو الاستبداد بأنه يأتي في سياق هذه المؤامرة على قاعدة: إن كنت وطنيًّا اصبر واسكت وإلا فأنت عميل!

القضية الفلسطينية بين التهريج والشيطنة

شكلت القضية الفلسطينية مادة دسمة لكل الأنظمة العربية؛ لدغدغة مشاعر شعوبها منذ ثورة الضباط الأحرار في مصر إلى يومنا هذا، استفادت هذه الأنظمة واستغلتها حتى آخر قطرة، وبشتى الاتجاهات السياسية، والاقتصادية، والثقافية… إلخ. من يريد الحرب يجد في فلسطين شعارًا جميلًا، من يريد الانبطاح يقول إن هذا لمصلحة الشعب الفلسطيني، تم استغلال فلسطين لضرب كل المعارضين في البلدان العربية لتثبيت أركان هذه الأنظمة باتجاهين اثنين؛ فإما أن تكون عميلًا لإسرائيل، أو الاتهام باستغلال فلسطين لضرب استقرار البلاد ووحدتها في حال تم ضرب جماعات مؤيدة لفلسطين بشكل واضح.

منذ أن تفجرت ثورة الربيع العربي في تونس، لوحظ رفع العلم الفلسطيني والكوفية الفلسطينية في الميادين الاحتجاجية، ولوحظ ذلك بشكل واضح في ميدان التحرير وسط القاهرة، والمثال الأبرز مؤخرًا هي ثورة الشعب الجزائري ضد نظام «بوتفليقة»، أدركت القوى التي أخافها هذا الربيع وعلى رأسهم إسرائيل، أن اللبنة الأولى في مسار الثورة المضادة هو شيطنة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية؛ بمعنى آخر ضرب حالة الوعي هذه التي ربطت ثورة الشعوب للخروج من قبضة هذه الأنظمة المستبدة بثورة الشعب الفلسطيني بالخروج من قبضة الاحتلال، إن شعار الحرية التي رفعته الثورة السورية هو نفسه شعار الحرية الذي رفعه الفلسطينيون.

في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قاده «السيسي» على الرئيس الراحل «مرسي» وهو أول رئيس مدني منتخب في مصر، بدأت حملة إعلامية مصرية عنيفة ضد الشعب الفلسطيني بلا أي مقدمات، بدأت عشرات الفضائيات المصرية تردح ردحًا مخيفًا ومرعبًا بحق الشعب الفلسطيني، احتوت على شتائم وذم وقدح وتحقير منقطع النظير، تزامنت هذه الحملة مع إنشاء آلاف الحسابات الوهمية السعودية على منصة التواصل الاجتماعي «تويتر» فيما بات يعرف بالذباب الإلكتروني، وهو المصطلح الذي أطلقه أنصار الربيع العربي على هذه الحسابات، حيث هاجمت هذه الحسابات الشعب الفلسطيني واتهمه بالإرهاب والتسول والتخريب… إلخ. وبدأ يخرج علينا مثقفون، وكُتّاب، وصحافيون سعوديون ومصريون بأفكار وتغريدات تفتقر للحد الأدنى للعلم والموضوعية وحتى المعرفة، والتي رافقها ردحًا لا يرتقي حتى لمستوى «زعران الحارات» وهذا ما خلق أيضًا حالة إحباط شديدة للمتابعين الفلسطينيين، وما نُشر على لسان صحافي سعودي اسمه «فهد الشمري» هو تتويج لهذه المرحلة حيث تزامنت تصريحاته مع ورشة البحرين في بلد كما يقال أي (السعودية) لا يستطيع المواطن فيها إبداء رأيه سوى في ملعب كرة القدم بتأييد هذا الفريق أو ذاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد