تعددت سيناريوهات تحليل ثورات الربيع العربي، وتظل نظرية المؤامرة عند البعض لتكون هي الطاغية على المشهد ، بحيث يعتقدون بأن الثورات صنيعة غربية أمريكية وذلك لتنفيذ السياسات الأمريكية بالمنطقة، سياسات التفتيت والشرق الاوسط الكبير، وتطبيق “سايكس-بيكو” جديدة كمرحلة ثانية من تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، ويعول البعض على تأكيد نظريته بسبب الأحداث الحالية التي من الممكن أن تؤول إلى تحليل يشبه ذلك التحليل.

 

وتحليل بعض المواطنين العرب لتلك المظاهر التي تصف الحراك الثوري، يتواءم مع نهج الإعلام الرسمي، فهو يتبنى ما يتلقفه من الإعلام دون أن يحلله، فالكثير ممن آمنوا بهذه النظرية كانوا يؤمنون بها في بداية حراك الثورات ثم تغير موقفه عندما تحول الإعلام بشقيه الرسمي وغير الرسمي لتبني مطالب المتظاهرين في الثورات فتجده تحول أيضًا ليتبناها كما تعرض عليه، وعندما انقلب المشهد ضد الثورة تحول هو الآخر ضدها، فهو بالنسبة له رأيه هو أن يكون متوافقًا على ما يشاع بين العوام، ذلك هو مدلوله لسلامة رأيه ورجاحته.

 

وبالنظر لأحداث ثورات الربيع العربي؛ نجد أنها كانت ثورات شعبية خالصة، ظهرت نبتة وطنية دون أية إملاءات خارجية، وكانت الشرارة التي أطلقت ثورات الربيع العربي هي شاب تونسي يدعى “البوعزيزي” يعمل كبائع خضراوات أقدم على إشعال النيران في نفسه بسبب ما تعرض إليه من ظلم على يد الشرطة وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى قيام ثورة شعبية.

 

 

فالحراك هو حراك شعبي صافٍ في ثورات تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا. وبالنظر لسياسات الغرب وتحديدًا الولايات المتحدة، نجد بأنهم يتبنون استراتيجيات طويلة الأمد أهدافها واضحة، ووسائلها مختلفة ومرنة، تتغير بتغير الظروف والأحوال، فبسط يد الولايات المتحدة على منطقة الخليج (هدفًا) في الثمانينات أسرع في تحقيقه عندما تحركت الوسائل لذلك بتحرك طمع صدام حسين نحو الكويت عقب خلافه مع دول الخليج في إسقاط ديون العراق التي زادت بسبب الحرب مع إيران.

 

والجميع يعلم بالحديث الذي دار بين صدام والسفيرة الأمريكية في العراق وقتها، حيث أبلغته رسالة محددة بأن أمريكا لا يعنيها غزو الكويت في شيء، وكانت هذه المصيدة التي نصبت، فلولا تحرك صدام نحو الكويت لكانت الأمور قد أديرت بوسيلة أخرى ولكن لتحقيق نفس الهدف (بسط يد الولايات المتحدة على منطقة الخليج).

 

ولذلك فإن ما حدث هو استثمار الغرب والولايات المتحدة لثورات الربيع العربي، وتحويل مسارها من تحقيق أهداف الشعوب، إلى مسار يحقق أهداف الغرب ومصالحه، وهو ما شاهدناه بالفعل. والأزمة الكبرى عند الغرب وأمريكا هي محاولات الحفاظ على النظام العالمي القائم، وعدم تهديد أركانه بأي تحالف أو نظام جديد، وهذا ينطبق على أي منطقة في العالم (وليس في منطقة الدول العربية أو الإسلامية فقط).

 

فنذكر وقوف أمريكا بقوة ضد تحالف النمور الآسيوية برمي جزرات ورفع عصي لبعض أعضائها ليكونوا حجر عثرة ضد استكمال هذا التحالف الآسيوي، كما ذكر مهاتير محمد في أحد خطاباته.

 

ولذلك فإن ثورات الربيع العربي إن حققت اهدافها، ستعد في المستقبل شوكة في حلق الدول الكبرى وسطوتها على النظام العالمي، فدول الربيع (تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا) إن استقرت الثورة فيها بعد نجاحها مع تواجد دول تؤثر على المشهد تأثيرًا كبيرًا مثل تركيا وقطر، يمكن أن تشكل تحالفا يجتذب عدة دول عربية وإسلامية أخرى، لتكون أدوات ضغط قوية تستطيع أن تناور وتتحرك باستقلالية خارج إطار سيطرة الدول الكبرى على النظام العالمي.

 

كما سُتجبر عدة دول عربية وإسلامية كانت ضد الحراك أو تقف منه موقف المتفرج على المشهد على أن تحذو حذو هذا التحالف. ويكفي للدلالة على ذلك الطرح أن بوادر نشأة تحالف صغير بين مصر وتونس وتركيا وقطر في أزمة غزة 2012 واستعمالهم لأدوات ضغط قوية أتت ثمارها، بتمكين المقاومة الفلسطينية لأول مرة من فرض رأيها دون تنازل أثناء الأزمة، وعمل تغير نوعي كبير لإمكانياتها سواء اللوجستية والدفاعية ورؤيتها في إدارة المشهد الفلسطيني بأكثر حنكة ظهرت بوادرها في أزمة 2014.

 

وهو ما يؤكد بأن الثورات العربية لو استمرت وحققت أهدافها ستستطيع أن تغير المشهد بشكل كبير على أرض الواقع.

 

والبعض يعتقد فعليًا بصلاح النظام العالمي وسعي الدول الكبرى لتحقيق أهدافه المعلنة وقيمه السامية التي يتبناها كالعدالة، والحرية، وحقوق الإنسان، وما إلى ذلك، وذلك عبر المنظمات العالمية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن. وهو اعتقاد خاطئ حيث أن الأمم المظلومة لم تجنِ شيئًا ملموسًا من الولاء للنظام العالمي وتشكيله من قبل القوى العظمى التي تسيطر على العالم وتحمي مصالحها عبر قوانين وقيم وهيئات خلقت لا لشيء إلا لتحقيق مصالحها والحفاظ عليها.

 

وعند التمعن بعمق في النظام العالمي نجد بأنه يتطبع بقيم الأقوى، فالنظام العالمي الحالي ينحاز للقيم والأفكار الأمريكية كقيم الديمقراطية والفكر الليبرالي. وبذلك نجد بأن الدول تحاول أن تتواءم مع النظام العالمي بالتواؤم مع قيم الديمقراطية والليبرالية ومن يبتعد عنها يوصف بأنه “مارق، إرهاب، محور الشر…” وغيرها من المسميات المعتادة (بالرغم من أن ذلك ضد قيم الديمقراطية والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها).

 

وذلك نتيجة انتصار أمريكا على الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، ولو انتهت الحرب الباردة بغلبة الاتحاد السوفيتي، لتطبع النظام العالمي بقيم ” الاتحاد السوفيتي” وصارت الديمقراطية الشعبية أو الشيوعية في حد ذاتها منتشرة في العالم بأسره، وكل الدول تحاول أن تتواءم معها، ومن يبتعد عنها سيتم نعته أيضا بنفس الصفات.
وبالنظر في التاريخ نجد بأن نظرية “النظام العالمي يتطبع بقيم الأقوى” هي بالفعل النظرية التي يتم الاستدلال بها عند قراءة التاريخ، ففي وقت من الأوقات في ذروة قوة الخلافة العثمانية، كان العالم كله يتواءم معها، حيث سمي البحر المتوسط بالبحر العثماني بسبب أن جميع الدول المطلة على المتوسط إما تتبع الخلافة العثمانية أو تستجديها. وترفع الدول غير المسلمة العلم العثماني ولا تدق فيها أجراس الكنائس حين مرور سفن الأسطول العثماني أمامها، وهكذا فرض النظام العالمي نفسه بوجود الطرف الأقوى وتواءم الآخرون معه.

 

ولذلك فإن أية محاولات جادة لإنجاح منظومة ثورات الربيع العربي تصب مستقبلاً في ضرب النظام العالمي في مقتل، وهو مايبشر بالوقوف أمام قراراته وكسر أنف القوى العظمى المتحكمة في كل شيء.

 

ولذلك بالتأكيد فلم تمر ثورات الربيع العربي دون مخاض ومحن وحروب شديدة ستؤدي إما لكسرها أو الانقلاب عليها أو أن تجبرها على التوافق مع النظام العالمي والالتزام به، بالحفاظ على تبعيتها وعدم استقلال قرارها بشكل تام يحقق آمال مواطنيها ومصالح الأمة.

 

وتلك الحرب الضروس فرضت علينا، ولابد أن نصبر كي ننتصر في النهاية، ونحاول أن نطور من رؤيتنا واستراتيجيتنا التي دائما ما تفتقد عنصر المبادرة وتقتصر على رد الفعل وليس الفعل نفسه، بينما يقوم أعداؤنا بوضع الخطط وتبني الرؤى الاستراتيجة المستقبلية، لن نستطيع أن نقيم نتائج ثورات الربيع العربي بنجاحها أو فشلها سوى بالانتظار لما سيسفر عنه حراكها ونتيجتها بأيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد