هل ستكون ثورة الياسمين في تونس شرارة الانطلاق التحرر السياسي في العالم العربي؟ سؤال طرحته في مقال باللغة الفرنسية في العام 2011 ، وقد أحيا الحراك التونسي آنذاك الأمل بأن الشعوب العربية وجدت طريقها إلى الديمقراطية أخيرًا. طبعًا، من السهل الإجابة عليه اليوم إن نظرنا إلى واقع الدول العربية إجمالًا وتلك التي شهدت ما اصطلح على تسميته عربيًا ودوليًا بـ«الربيع العربي». لكن هل أسرفنا في الأمل والتفاؤل وقتها؟ وهل كان من الخطأ الانجرار وراء مقولات الديمقراطية الجاهزة، وكأن الأخيرة ليست إلا آلة تُجمَّع قطعها لتصبح جاهزةً للعملية الإنتاجية؟ تحديدًا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن أدوات الحكم التسلطي متجذرة في أغلب الأنظمة العربية، وأن هذه الأخيرة امتلكت خبرات كبيرة عبر عقود فيما يتعلق باحتواء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أصابتها.

جمود البنى الاجتماعية والسياسية

الأسباب البنيوية التي أدت إلى فشل محاولات التغيير السياسي في الدول العربية بعد 2011 ليست وليدة لحظتها، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية تعود للفترة الاستعمارية وعملت الأنظمة على تعزيزها وهي على مستويين اجتماعي وسلطوي. اجتماعيًا، لم تعمل هذه الأخيرة على إعادة بناء للبنى الفوقية المجتمعية بحيث تجهزها لعملية التحول الديمقراطي. تستند العلاقات الاجتماعية في المجتمعات العربية على القوة وعلى ثنائية مهَيمِن / مهَيمَن عليه ، سواء في البيت أو الشارع أو المؤسسات التعليمية أو العمل. إذًا لم تعتد هذه المجتمعات على الحوار، وعلى تعدد الآراء ومناقشة الأفكار الجديدة بروح منفتحة، بل على اعتبار كل ما هو جديد غريب والنظر إليه بعين الشك وغالبًا على أنه نتيجة لمؤامرة لـ«تفتيت المجتمع وضرب وحدته»! المؤسسات الديمقراطية لا تُبنَى من فراغ، بل من طرف الأشخاص أي الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.

لذا فمخرجات أي عملية ستكون على شاكلتهم، أي أن العقليات المنغلقة والتسلطية لا يمكنها بأية حال إنتاج مؤسسات ديمقراطية، بل هياكل تعكس نمط العلاقات المجتمعية السائدة. يتطلب العبور من حالة إلى أخرى، أو الخروج من الاستبداد إلى الديمقراطية، تغييرًا في طريقة التفكير، في النظرة إلى دور الدين وإلى القوانين والمؤسسات السياسية، بمعنى آخر تغيير إيجابي في البنية الفوقية للمجتمع، وهو ما لم تعمل عليه الأنظمة العربية من خلال القيام بإصلاحات في ميادين التعليم والحرية المدنية وحقوق الإنسان وتشجيع المرأة واكتساب المعرفة. أدت محاولات التغيير بعد العام 2011 إلى عملية استقطاب عميقة في المجتمعات العربية بين داعم أو رافض لها ولمخرجاتها؛ مما أدى في المحصلة إما إلى إعادة إنتاج النظام القديم (مصر)، أو إلى حرب أهلية طاحنة (سوريا، واليمن، وليبيا)، أو إلى الخمود (البحرين).

نجحت الحكومات في الدول التي لم يحدث بها تغيير جذري لنظام الحكم نتيجة تدخل عسكري خارجي، في الحفاظ على نسبة معينة من التأييد الشعبي كثمرة لسياساتها الممنهجة التي قولَبت الرأي العام من خلال وسائل إعلام مكرسة بالكامل لهذا الهدف، كذلك من خلال تدجين طبقة من المثقفين المزيَّفين والمزيِّفين الذين قاموا (ويقومون) تحت غطاء الدفاع عن الوطن والأخلاق بتزوير الحقيقة، وتبني أطروحات تسمح لهم بالترقي في المناصب. يفتقدون للموضوعية وينشرون الدعاية والأخبار الكاذبة، ويقدمون كل عمل حكومي على أنه إنجاز فريد من نوعه عالميًا. لم يغير هؤلاء من منهج عملهم حتى بعد انضمام بعضهم إلى الجانب المناوئ للسلطة. في ظل الاستقطاب المذكور، يتحول مفهوما «الوطن» و«المصلحة العامة» إلى مكافئين لمصلحة السلطة، المطالبة بالتغيير إلى خيانة للوطن وتأييد السلطة إلى عمالة.

سلطويًا، رأينا أن إرث الاستبداد كان وما زال ضاربًا جذوره في عمق البنى المؤسساتية. بقيت السلطة هي من يحدد فضاءات الحرية التي على الجميع التحرك تحت سقفها، بمعنى أن الحريات الممنوحة لا تشكل تهديدًا لاستمراريتها أو لطريقة ممارستها للسلطة. لا وجود لمبدأ فصل السلطات فيها، كما أن للجهاز التنفيذي سلطات واسعة. خضعت بعض المجتمعات العربية لقوانين الطوارئ لعقود، بغض النظر عن الإطار المؤسساتي، أو الدستوري، وبشكل غير مبرر، مما حدَّ من النشاط السياسي المعارض. استمر حكم الحزب في بعض الدول حتى بعد العام 2011، مع الترخيص لبعض الأحزاب السياسية الصغيرة والتابعة، والتي لا تملك أي قاعدة شعبية. لا تداول سلمي على السلطة، باستثناء تونس، كما أن نسبة المشاركة في الانتخابات هزيلة لأن النتائج تعطي مسبقًا الأكثرية البرلمانية للسلطة الحاكمة. أي أن الدول العربية لم تعبر «عتبة الديمقراطية»، وهي العتبة الفاصلة عن الاستبداد، باستثناء تونس. فإنجاز أي نظام ديمقراطي يتطلب توفر ثلاثة شروط:

ـ المشاركة الشعبية.

ـ التعددية السياسية.

ـ تداول السلطة. كل الإجراءات المسماة «إصلاحية» تصدر عن الأنظمة القائمة، وليس نتيجة لوجود مجتمعين سياسي ومدني قائمين بذاتهما، ولذلك فإن التحول نحو الديمقراطية يُعتبَر قسريًا، ويؤدي إلى أشكال جديدة وهجينة من الاستبداد.

ثبات أولوية الإصلاح الاقتصادي

اهتمت الأنظمة العربية بالبعد الاقتصادي لإصلاحات التكيف الهيكلي دون الإصلاح السياسي؛ لأنه كان من غير الممكن تنفيذ الاثنين معًا؛ لأن ذلك كان سيقود للفشل من وجهة نظرها.

الانفتاح الاقتصادي واللحاق باقتصاد السوق لا يجب أن يتواكب مع توسيع الحريات العامة. كانت حجتهم أن الأزمة الاقتصادية لا تُخرج الانفتاح السياسي من سياقه فحسب، بل تزيد من حظوظ الإسلاميين في أي اقتراع. اعتبروا أن الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية بدون توفر مستوى معين من النمو الاقتصادي لن يفيد إلا هؤلاء. هذه الرؤية حول الانتقال من نمط نظام إلى آخر عشوائية بالمطلق؛ لأنها تنسى أو تتناسى أن الحوكمة الجيدة شرط أساسي للحرية الاقتصادية. في ظل غياب القانون، ومع إساءة استخدام السلطة والخلط بين الأصول العامة والخاصة، ستقود الحرية الاقتصادية إلى تدعيم موقف النخب الحاكمة وشبكاتهم الزبائنية

وهذه بالضبط ما حصل بعد الخطط الاقتصادية المتوالية لكثير من الحكومات العربية. في الحقيقة إن التنمية الاقتصادية ستكون ضحية مرة أخرى، لكن هذه المرة للربيع العربي، ما زالت دوله تئن تحت وطأة وضع اقتصادي صعب للغاية كما في مصر، وتونس، وليبيا، وسوريا (نتيجة الحرب والعقوبات الدولية). ارتفاع مستوى البطالة، وتدني مستوى المعيشة، والقدرة الشرائية جعل موضوع الحريات والإصلاح السياسي يتراجع على سلُّم أولويات الفرد في تلك الدول.

فالخبز أصبح أكثر أهمية من الحرية، كما أن الانتفاضات التي انتهت بحروب أهلية أو بتدهور كبير جدًا للأوضاع الأمنية جعل الشعوب في البلدان التي بقت بمنأى عن الحراك تفكر مليًا قبل النزول إلى الشارع خوفًا من أن تلقى بلدانها المصير نفسه وجعلها حريصة على حفظ الاستقرار والسلم الأهليين. أما في البلدان الريعية، فما تزال حكوماتها قادرة على شراء صمت السكان من خلال إنفاق الأموال على الهبات والمساعدات الاجتماعية.

يمكن القول إن الجميع رفع سقف التوقعات حول مآلات الانتفاضات الشعبية العربية. ربما هي أهمية اللحظة التاريخية التي جعلتنا ننسى أن نتساءل إن كان العرب جاهزين للديمقراطية، أم أن إرث الاستبداد كان أكثر ثقلًا إلى درجة أنه سيمنع التحول السريع نحو مجتمعات سياسية حقيقية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد