لماذا نحس بالانهزامية عندما يتعلق الأمر بالتغيير؟

ما يقع للثورات العربية من تحولات؛ إذ تركد حينًا، وتنفجر حينًا آخر، لن يفاجئنا لأننا نعرف جيدًا مراحل التحول الديمقراطي الذي مرت به فرنسا، فقبل أن تصبح دولة ديمقراطية يختار الشعب من يحكمه عبر صناديق الاقتراع، ويسقط من يشاء، وينعم في رفاهية حقوق الإنسان، عانى الفرنسيون الويلات لما يقارب قرنًا من الزمان، تحت وطأة الحكم المستبد العائد بعد ثورة 1789 على الملك لويس السادس عشر.

وإسبانيا ألم تمض سبع سنوات في المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية فقط لتتخلص من فلول نظام فرانسيسكو فرانكو الدموي؟

قرأنا في السنوات الأخيرة كيف تحولت رواندا المنقسمة شعبًا ما بين الهوتو والتوتسي من إبادة جماعية، راح ضحيتها مليون قتيل، إلى معجزة اقتصادية، وانتقلت من انقسام عرقي إلى وطن يتعايش فيه الضحية والجاني يوحدهم حب الوطن.

كل من له مصلحة في بقاء الأمة تحت براثن التخلف وقيود الجهل يتآمر ويدبر ويكيد، عبر أذرع إعلامية فاسدة، تحاول إقناعنا بأننا خارج سياق الحضارات، وأننا أمة دون الأمم، عندما يتعلق الأمر بالتغيير واستشراف مستقبل يعيش فيه المواطن بكرامة، وتحيا أوطان بعد موتها.

لكن لماذا يبتلع بعضنا طعم هؤلاء بسهولة؟ لأن الخوف من التغيير وضعف الثقة في ذات الأمة على أنها قادرة على صنع نهضتها، خيمت على عقولنا، وأشربت منه قلوبنا؛ حتى استمرأنا الذل والهوان، وألفنا الخضوع والاستعباد، أساطير ظلوا يرددونها على مسامعنا، أن الحاكم ولو كان مستبدًا، ظالمًا، ديكتاتورًا سمه ما شئت هو صمام الأمان، وحامي الشعب والوطن.

كيف تنبهر بالديمقراطية الغربية تبعية دون أن تنظر في ماضيها، لتعرف أنها لم تأت من فراغ، وأن ثمنًا غاليًا دفعه الأوربيون حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من حرية واحترام للفرد والمجتمع..

ألم تنفجر الثورة الفرنسية نتيجة الفساد والبذخ الذي كان يعيشه الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت، يشاطرهم في ذلك طبقة من الإكليروس والنبلاء، بينما غالبية الشعب في بؤس ومجاعة وشقاء، فثاروا وانتفضوا على الحاكم ورغم تعاقب الأنظمة على قمعهم ومصادرة حقوقهم السياسية والمدنية، بل إعدامهم، ورغم هذا وذاك ظلوا صامدين حتى تغير الحال، وصار ممكنًا ما يظنه البعض مستحيلًا.

إذا كان وضعهم كما وضعنا، فلماذا التغيير كان عندهم ممكنًا؟ ولماذا عندنا يقولون تغيير الحال من المحال، لأن شعوبنا متخلفة وغير واعية؟

انظروا إلى سلمية الحراك العربي في مواجهة رصاص الأنظمة القمعية، يموتون ولا يردون العنف بالعنف، ومشهد قتل السودانيين يوم أقدمت قوات المجلس العسكري على فض اعتصام القيادة العامة، وقتل المتظاهرين، وحرق خيام الاعتصام في الثالث من يونيو (حزيران) من السنة الجارية وهو واحد من مشاهد كثيرة. ألا تعبر عن قمة الوعي والنضج الإنساني؟ ألم يفصح خروج المواطنين إلى الشوارع والميادين جنبًا إلى جنب، لا فرق بين هذا وذاك، عن مكنونات الشعب من تضامن، وإخاء، واتحاد لمواجهة الفساد، وأثبتوا أنهم فوق مستوى الانتماء العرقي، وأنهم في حل من الانتماء الطائفي، وأنهم شعب واحد، وطن واحد.

لم تعد الشعوب العربية تلك النفوس القاعدة العاجزة تكتفي بالتصفيق لخطاب الزعيم وبيان الجنرال المنقلب على شرعية الحاكم، بل أضحت تتربص بالحاكم كما كان يتربص بها، تنتظر الفرصة السانحة لإسقاطه، وإن عاد عادوا حتى لا يبقى مستبد ولا ديكتاتور.

والتغيير يا سادة! ليس عصا سحرية، وليس معجزة تأتي من السماء؛ فما أفسدته القرون لا يغير بنطح القرون.

إن درب الحرية وعر طويل، وله ثمن غالٍ، لكنه ليس أغلى مما خسرناه أو سنخسره، إن بقيت دار لقمان على حالها، وما بداية الربيع العربي إلا فرصة تاريخية فتحت الطريق أمام الشعوب المقهورة في كل أرجاء العالم، لتضع أقدامها على ساحة التغيير، وسيرها الثابت الخطى على درب الصمود والنضال سيكفل لها تحرير الأرض والعباد من أيدي الفساد.. 

«وإن كان هناك من أمل فالأمل يكمن في عامة الشعب» كما قال الكاتب جورج أورويل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد