الربيع العربي في الجزائر

منذ أزيد من شهر والشعب الجزائري يبحث عن التموقع بدل التقوقع، من خلال أفكار يطرحها ورؤى استراتيجية يرتبها، لننتقل بالحراك الشعبي الذي هزّ أركان النظام الحاكم في الجزائر، وقطع جزءًا كبيرًا من أوصاله، إلى أهم نقطة، وهي مركز القيادة وكرسي الرئاسة الذي تتداعى عليه بقايا الأيادي الداخلية والأيادي الخارجية. فبعد أن خرج قائد أركان الجيش الجزائري القايد صالح بقرار تطبيق المادة 102 من الدستور، وإعلان شغور منصب الرئاسة، وإن كان هذا القرار متأخرًا إلا أنه أمام تأزم الوضع في الجزائر يعتبر قرارًا متقدمًا، ومن يقول بأن الحراك لم يحقق مطالبه فهو باعتقادنا مخطئ؛ لأن الشعب ما كان يمكنه أن يحقق أي مطلب من مطالبه لو لم يُصرّح بشغور منصب الرئيس، أما اليوم فالشعب سوف يتحرك برؤية ثاقبة وخطى صائبة، إنما ليس في حراك الشارع، بل في حراك المشاريع السياسية.

فهذا النظام الذي تفككت كل أحزابه تقريبًا، خاصة حزب جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم في البلاد، وكذا بعد ظهور رؤوس الفساد بملفات ثقيلة، وإذ بلغت لدى خصومه جميع بوادر الإخفاق، وإذ بلغت لدينا كل مؤشرات الانطلاق، وبعد مرحلة رسم خط في الطريق، حانت الآن مرحلة رسم خطة للطريق، بالتركيز على مرتكز فيه يأمن الشعب بوائق القمع، ويحول دون الالتفاف على إرادته، بمحاولة الاتكاء على نقاط قوته الذاتية، فما يعين على الحسم ويؤتي القطاف ويعجل الآجل، هو أنّ:

1- الشعب الجزائري الأبي أثبت بوحدته العربية والأمازيغية والأيديولوجية، أنه لا يطالِب بقِسمته مِن الحكم، لتكون لعُصبته ما لِعصبيّته وهذا ما ينبغي أن يبقى ليبقى موطّد الأركان.

2- على القضاة العمل الجاد للحصول على الملف الطبي الكامل للرئيس، ومن ثم تطبيق المواد الدستورية المتعلقة بتأخير تطبيق المادة 102؛ ولأن المؤكد أن الملف سيثبت أن المادة قد تأخر تطبيقها، فينبغي معرفة من خطف إذن ختم الرئاسة، ومن كان يكتب ويرسل الرسائل للشعب، وفوّض لنفسه طيلة تلك الفترة سلطة الرئيس بدلًا من الرئيس، ثم محاسبة كل المفسدين والعابثين بأموال الشعب.

3- إعادة تشكيل لجنة انتخابية، تشرف على الانتخابات، مستقلة يختارها الشعب.

4- رفض أي تدخل خارجي سواء بالإشراف على الانتخابات، أو بغيرها من الإملاءات.

5- الاستمرار في تكوين ممثلين وقيادات شعبية، وذلك لا يستوجب الحراك، فتكوين القيادات على مستويات ضيقة ابتداءً من الأحياء والقرى الصغرى، ثم المدن الكبرى، يبلور لنا ممثلين حقيقيين يمكننا الاعتماد عليهم في مراحل التغيير القادمة.

6- توقيف الحراك الشعبي حتى يتبين أنه لم يتبين تطبيق ما سبق.

وعلينا ألا ننسى أن صراعنا ليس الانتخابات الرئاسية، بل استعادة القيم النوفمبرية، بما نمتلكه من بذور الحرية التي نبتت في أرض الإنسان الجزائري، فصار يرفض كل أشكال الاستبداد والاستعباد، ويبحث عن التحكم في مرابط جواده، ليحقق السيادة التي مات لأجلها الملايين من أجداده، فهي الأفكار التي نقاوم بها لقطف الثمار، يقول مالك بن نبي: «ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان أو تقع حرب، فتمحو عالم الأشياء محوًا كاملًا، أو تفقده ميزة السيطرة إلى حين، فإذا ما حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الخراب ماحقًا، أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء».

ولا أجمل من هذه الأبيات لمؤسس الدولة الجزائرية الأمير عبد القادر لنختم بها:

لنا في كل مكرمـة مجـال ** ومن فوق السماك لنا رجالُ

ركبنا للمكـارم كـل هـول ** وخضنا أبحرًا ولها زجـال

إذا عنها توانى الغير عجـزًا ** فنحن الراحلون لها العجـال

سوانا ليس بالمقصـود لمـا ** ينادي المستغيث ألا تعالـوا

ولفظُ الناسِ ليس له مسمّـى ** سوانا والمنـى منّـا ينـال

لنا الفخر العميم بكل عصـرٍ ** ومصر هل بهذا مـا يقـال

رفعنا ثوبنا عن كـل لـؤمٍ ** وأقوالـي تصدّقهـا الفعـال

ولو ندري بماء المزن يزري ** لكان لنا على الظمأ احتمـال

ذُرا ذا المجد حقا قد تعالـت ** وصدقا قد تطاول لا يطـال

فلا جزعٌ ولا هلـعٌ مشيـنٌ ** ومنّا الغدرُ أو كذبٌ محـال

ونحلم إن جنى السفهاء يومًا ** ومن قبل السؤال لنـا نـوال

ورثنا سؤددًا للعـرب يبقـى ** وما تبقى السماء ولا الجبال

فبالجدّ القديم علـت قريـش ** ومنا فوق ذا طابـت فعـال

وكان لنا دوام الدهـر ذكـرٌ ** بذا نطق الكتاب ولا يـزال

ومنّا لم يزل في كل عصـرٍ ** رجالٌ للرجال هـمُ الرجـال

لقد شادوا المؤسّس من قديـم ** بهم ترقى المكارم والخصال

لهم هممٌ سمت فـوقَ الثريـا ** حماة الدين دأبهـم النضـال

لهم لسنُ العلوم لها احتجـاج ** وبيضٌ ما يثّلمهـا النـزال

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد