إن القضية الفلسطينية ستظل تمثل ترمومتر قياس للأحداث المتعاقبة في العالم العربي، فكل حدث جلل في المنطقة ارتبط بشكل ما بفلسطين، فحروبنا مع إسرائيل على مر التاريخ واحتلال الولايات المتحدة للعراق والحروب الأهلية والصراعات الطائفية في لبنان وسوريا كل ذلك ارتبط بتخطيط له أهداف متعددة تأتي القضية الفلسطينية على رأسها.

وما سمي بالربيع العربي لم يكن خروجًا على القاعدة، فتعالوا لنرى جانبًا واحدًا فقط من آثاره على القضية الفلسطينية.

ففي أثناء حرب إسرائيل على غزة 2014، وبينما إسرائيل تذبح الأطفال في غزة وتقصف البيوت وتمطرهم بأطنان من المتفجرات التي تقتل دون تفرقة بين طفل وشاب أو رجل وامرأة أو مدني ومقاوم، فإن اهتمام العرب لم يبلغ حتى الدعاء لهم كما كان من قبل. ففي المرات السابقة كنا نعيب على العرب أن أقصى ما يقدمونه للقضية الفلسطينية هو التظاهر والتبرع بالدم والدعاء وكان هذا محل نقدنا – نحن العرب – لأنفسنا.

أما في الحرب الأخيرة، فإنني وأنا أرى الأجساد التي تحولت إلى كومة لحم بشري بعد قصف إسرائيلي هنا أو هناك فإننا شاهدنا على الجانب الآخر العرب منقسمين لا بين من يدعو إلى الحل العسكري وبين مؤيد للمفاوضات، ولكن بين داعٍ إسرائيل للإجهاز على حماس وللجيش المصري بغلق معبر رفع، وبين فريق آخر يدعو إلى قتال الجيوش العربية نصرة لفلسطين!

إن العالم العربي اليوم يمر بمنعطف خطير يدعو للقلق؛ فهي المرة الأولى التي يظهر فيها من يدعو وفي العلن الصهاينة إلى قتل أهلنا في غزة. فعلى طول تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كنا دائما ما نرى وقفة عربية شعبية ثابتة وواضحة ومباشرة نصرة للمقاومة بصرف النظر عن ماهية تلك المقاومة سواء كانت حماس أو فتح أو جهاد، فكل هؤلاء وغيرهم في النهاية يقبعون تحت الراية العربية يدافعون عن شرف ومقدسات وأراضي الأمة ولم يكن هناك من أحد يجرؤ على أن يتفوه بكلمة ضد المقاوم في ميدان الحرب، فالحرب مشتعلة وليس هناك أي مظهر من مظاهر التكافؤ في القوة بين الطرفين ولا صوت يعلو فوق المعركة. هكذا كانت الثقافة العربية أثناء ضرب غزة قبل 2011، فماذا حدث للنسيج الوطني والشعبي العربي اليوم؟

ألا يستحق منا التوقف والدراسة؟ هل هناك علاقة بين الثورات والحروب الأهلية العربية وبين تشتت الشعوب العربية حول قضية العرب الأولى؟

إن المتأمل في واقع الأمة في هذا المنعطف التاريخي يجد أن الأمة ابتليت بغياب المثل العليا بعد الثورات العربية، فمن العراق إلى سوريا ومصر واليمن وليبيا وتونس فقدت الثقة في الحكومات والمعارضة والإسلاميين.

أذكر أنه قبل ثورة 25 يناير 2011 في مصر كان الناس يلتفون حول القنوات الدينية بعد العشاء لمشاهدة هؤلاء الأعلام في الدعوة والعلم الديني كما كان يظن الناس في هذا الوقت، وكان الناس – خاصة من الطبقة المتوسطة – يملِّكون هؤلاء الدعاة قلوبَهم وعقولهم ويرونهم كنجوم في السماء فهم رسل العلم الديني بالنسبة لملايين البسطاء الذين انقطع عنهم أي سبيل للثقافة الدينية أو السياسية أو العلمية، ولكن بعد الثورة انهارت قيمة هؤلاء الأعلام شيئًا فشيئا حتى ضرب بعضهم بالأحذية وسبوا في برامج التليفزيون وعلى صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الاجتماعية.

عندما نتحدث عن انهيار قيمة هؤلاء العلماء عند الشعوب فإننا بالضرورة يجب ألا نغفل أثر هذا على الشخصية المصرية. على سبيل المثال فلم يعد هناك من محظور فتحول اعتقاد الناس من “لحم العلماء مسموم” إلى “ليس هناك علماء”، فانهارت منظومة القيم والمعتقدات الثابتة في مجتمعنا العربي فتستطيع أن ترى اليوم من يؤيد إسرائيل لكراهيته للإخوان ومن بين الإعلاميين من دعا الجيش المصري إلى التدخل لضرب حماس في غزة!

ومع كل هذا الخلل في منظومة الثوابت العربية فإنه حق لنا أن نتساءل من المسئول؟

وحقيقة فإن المسئولية متشابكة بين من ادعى التدين فحسبناه إسلاميًا حتى منحناه الدولة فتخلى عنا وعن تدينه من أجل مصلحة حزبه وتمسك بالسلطة وضيع في سبيلها البلاد والعباد، وسانده في غيه شيوخ كانوا محل ثقة الشعوب حتى إذا ثار الناس ضدهم أفتوا بقتل الثوار وأحلوا دماءهم، ثم كونوا جماعات وفرقًا مسلحة توجه بارودها إلى صدور الجيش والشعب العربيين، ورأينا صورًا لضرب حتى الموت لرجال الأمن وقتل جنود كانوا صائمين في الشهر الكريم على الحدود تحت مسمى الجهاد!

على الجانب الآخر فإن الإعلام الراقص المائل الذي يرى بعين واحدة وهو الإعلام الرأسمالي الذي يحرك الشعب على حسب هوى صاحب المال في كل وقت. إن هذا الإعلام غير المهني وغير المسئول أيضًا ساهم بشكل كبير في الوصول إلى تلك الحالة التي نحن عليها اليوم.

الأمة العربية بحاجة إلى من يعيد إليها بوصلتها. نحن بحاجة إلى تكاتف كل المعنيين لتعريف الأمن القومي وإعداد خطة لإزالة ما لحق بالنفوس من مغالطات وما علق بالعقول من تشويش.

إننا بحاجة إلى تصدير وجوه جديدة في الدعوة والإعلام من أجل استعادة ثقة الشعوب وإعادة بناء الشخصية العربية بما فيها من صفات النخوة والعزة والشرف، وكل الصفات الجميلة التي كنا نبحث عنها في الغرب والشرق، ولا نجدها إلا في العالم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد