الثوارت التي اجتاحت عددًا من البلدان العربية مع بداية العقد الثاني من القرن الحالي أطلق عليها اسم ثورات الربيع العربي. إن هذه الثورات مهما تعاطفنا مع مفجريها وداعميها، إلا اننا يجب أن نكون صادقين ونقول بكل شجاعة إن نتائجها كانت كارثية، ولم تحقق قدرًا ولو ضئيلًا جدًا من الأحلام والآمال المنتظرة.

ففي اليمن الوضع يسير من سيئ إلى أسوأ، وكذا ليبيا، ومصر، بالرغم من مستوى الاستقرار السياسي الملحوظ، إلا أن الوضع الاقتصادي لازال أكثر ضعفًا وهشاشة من ذي قبل، وحتى تونس التي تعتبر الأفضل بين دول الربيع العربي من حيث مستوى الأمن، ولم تكن تعاني من الفوضي كما هو حال البلدان الأخرى، إلا أن مستوى دخل الفرد والخدمات التي تقدمها الدولة للمواطن أقل بكثير من عهد الهارب زين العابدين بن علي.

أما سوريا التي نالت حظها من حصاد السنين المر..

أجزم أن من فجرو ثورتها يتمنون اليوم لو لم يخرجوا على حكومتهم أصلًا.. بغض النظر عن ظلم بشار أو عدله، وإنما لأنه بلد عظيم صاحب تاريخ رائع.. وقوة عسكرية مهيبة، كم كنا نؤمل أن تحدث قدرًا من التوازن مع الكيان الصهيوني المحتل للأراضي العربية في فلسطين، اليوم سوريا عادت إلى الوراء 50 عامًا.

فقدت العملة الوطنية أضعافًا مضاعفة من قيمتها، وتهاوى اقتصادها، مدنها التاريخية العظيمة أصبحت أكوامًا من الركام، وربع شعبها ما بين نازح ومشرد ولاجئي، المنتجات السورية التي كانت من جماليات التسوق في كثير من المدن العربية اختفت في لمح البصر، أكبر ترسانة للأسلحة الكيميائية في العالم تم تفكيكها، وهو الهدف الكبير للصهاينة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في الثامن عشر من شهر مارس (آذار) 2011، أي قبل سبع سنوات، انطلقت شرارة الثورة السورية في دمشق ودرعا وحمص تحت شعار جمعة الكرامة، وياليتها حققت الكرامة للبلد الذي طالما كانت تحفزه أحلام العظمة.

الثورة التي انطلقت سرعان ما تحولت إلى نزاع مسلح؛ فظهر عدد كبير من التنظيمات السياسية المسلحة، منها (داعش)، (جبهة النصرة)، جماعة (جيش الإسلام) و(الجيش السوري الحر)، وغيرها… وكل هؤلاء لم يكونوا علي قلب رجل واحد. بمعنى أن لكل منهم توجهًا وأيدولوجيا معينة. وتختلف عن الآخر، المهم أنه خلال سبع سنوات انقسم المجتمع السوري إلى قسمين، قسم موال لحكومة حزب البعث العلوي، وهو الطرف الأقوى، يستند على دعم خارجي قوي من روسيا وإيران وحزب الله اللبناني وتنظيمات عراقية موالية لإيران.

والقسم الثاني هم المعارضة المسلحة المتشظية فيما بينها، وتحصل على دعم خارجي كبير جدًا من دول الخليج الغنية: الإمارات، قطر، السعودية، وبعض الدول الغربية كأمريكا وفرنسا.

بغض النظر عن أسباب ودواعي الخروج على النظام السوري تحت هوس ما يسمى بثورات الربيع العربي، إلا أنني شخصيًا لو كنت معارضًا لسلوك بشار، فسوف أترك السلاح وأنضم إلى الدولة، ليس حبًا في بشار الأسد، ولا الاستسلام والتنازل عن قضية، وإنما احترامًاً لبلد يستحق أن يكون في الأعلى.

نعم إن حصاد سبع سنوات من الثورة كان حصادًا مرًا كالعلقم، لا يمكن هضمه أبدًا، فما هو هذا الحصاد؟

سوريا البلد المهيب قبل بضع سنين.. اليوم يتعجرف في شمالها الأتراك بحجج واهية، وتضرب إسرائيل داخل عمقها، والملحد الفاجر فلاديمير بوتن هو صاحب القول الفصل فيها، إيران تفعل ما تشاء بكل أريحية، وحتى اليوم السبت العجوز المتصابي دونالد ترامب يهاجم مواقع سورية مستندًا على التابع الفرنسي والإمعة البريطاني، هذا هو حصاد السنين المر لهذا البلد العظيم.

وكل هذه الفوضي لا يمكن أن تكون، لولا تآمر بعض العرب عليها، فنفس النوعية من البشر الذين باعوا عراق صدام، هم اليوم يتآمرون على سوريا.

أنا لست مع بشار، ولست متعاطفًا مع المعارضة السورية، لكن لا يشرفني أن تتحرك قاذفات (b1) من قواعد عربية في أبوظبي، وقطر، لتقتل عربيًا ومسلمًا؛ حتى وإن كان ضالًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد