مقدمة

ماذا بقي من رياح الهبة الشعبية التي اندلعت سنة 2011 ببعض البلدان التي تبدأ من المغرب إلى اليمن مرورًا بتونس وليبيا ومصر؟ وماذا بقي من أحلام التغيير والانتقال الديمقراطي؟

إنها أسئلة وتساؤلات تجر معها أسئلة أخرى تسعى لفهم ما جرى بالضبط أمام التحولات الدراماتيكية والانهيارات السريعة لمعظم تلك البلدان، فمنذ أكثر من ست سنوات توصف في مجملها بأنها سنوات عجاف؛ بسبب أنها قتلت الأحلام، وقبرت مع الأزمات السياسية والاقتصادية العميقة التي حملها الشر الذي سمي بهتانًا جهادًا.

إن تفاقم الحرب الأهلية والحرب على الإرهاب بسوريا مع الاستعادة السلطوية لمصر والتوترات السياسية المستمرة بتونس وزعزعة الاستقرار في لبنان وإدامة الفوضى في كل من ليبيا والعراق وكلها أوضاع لا يعني لها شيء سوى التلاعب بألفاظ ومصطلحات الربيع والديمقراطية، فإن كان ربيعًا فقد تحول إلى خريف، أو هو شتاء، والأهم من الألفاظ والمصطلحات ذلك الصوت المضاد للضجيج الذي يعلو قائلًا: ألم نقل لكم إن المسلمين غير مؤهلين للديمقراطية.

إن الربيع العربي كما يوصف موضوع شائك ومعقد تتداخل فيه العوامل والظروف، وتترافق الكثير من مقاربات التحليل سعيًا لفهم ما حدث بالضبط، ولماذا آلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن، وأمام الموضوع والأوضاع لا يمكن الادعاء بالموضوعية؛ فالذاتية ستتسلل، والـتأثر بالمعتقدات المسبقة قد يجد له موضعًا في ثنايا السعي للتحليل والحفر في الظاهرة وأحداثها.

فأمام الوضع وسلوك المواطن تختلف القراءات وتتعدد وتتنوع، وسنجد أنفسنا في مقابلة مع مواطن إما مؤيد لما حدث لأنه متضرر من الوضع القائم ويبحث عن التغيير لعل ما يأتي قد يخدمه. وإما معارض لاقتناعه بصواب الوضع القائم، أو هو من المستفيدين، وأي تغيير يعني تضرره من القادم. وإما صامت غير مبال ومشاهد، لأن الأمر لا يهمه، أو خائف من تردي الأوضاع. وهذا التوصيف كما ينطبق على الأفراد، فهو ينطبق على المؤسسات والأحزاب السياسية، وحتى فعاليات المجتمع المدني.

لقد استخدمت لفظة الربيع العربي إعلاميًا منذ اليوم الأول لخروج المواطنين التونسيين إلى الشارع، مطالبين بحقهم في الكرامة والعيش بأمان، لتنتقل العبارة إلى مملكة المصطلحات التي تفهم من خلال مناهج ومقاربات، دون إخضاع المصطلح نفسه للتحليل العلمي وللحفرية العلمية المعرفية، ومعظم الكتابات حول الظاهرة لا تتجاوز إبداء الرأي أو وجهة النظر باستثناء بعضها، والتي تعتبر جادة، وهي تلك الكتابات التي تجاوزت وجهة النظر، والتي هي الحق المشاع الذي يملكه الجميع، إلى سند الرأي الذي يتطلب الجهد المعرفي، وطبعًا هناك فرق شاسع بين الاثنين، وهنا تثار الإشكالية حول المصطلح نفسه قبل إشكالية الظاهرة ومدى ارتباطه بمصطلح الانتقال الديمقراطي والدمقرطة.

المصطلح الوصف المضلل

الإشكالية الأولى التي تواجه هذا الموضوع هي إشكالية المصطلح نفسه ومن أطلقه واستخدمه؟ ومن أطلق هكذا تسمية على هبات شعبية أو مظاهرات شعبية اجتازت بلدان ما يسمى بالمنطقة العربية؟ والملفت للانتباه هو أن ما حدث قد سمي بأسماء عديدة تنافست كلها في وصف تلك الأحداث، فقد سميت ثورات أو حركات احتجاجية وسميت بالمظاهرات المطالبة بالديمقراطية، كما أنها سميت بتواريخ انطلاقاتها، ففي مصر سميت بثورة 25 يناير (كانون الثاني) وفي ليبيا بـــــــ17 فبراير (شباط)، وسميت هبة الشعب التونسي بثورة الياسمين، ولكن ولا واحدة من التسميات يمكن أن تطلق بالمطلق على جميع الأحداث بتلك الدول، فلماذا يتم استخدام مصطلح الربيع العربي كحالة واحدة تنطبق على جميع البلدان والدول وكمصطلح متفق عليه على الأقل في الأدبيات الصحافية والإعلامية؟ والمفارقة أنه حتى بعض الأكاديميين الذين من المفروض أن يكونوا أكثر صرامة مع المصطلحات واستخداماتها استخدموا المصطلح على أنه مصطلح علمي يلقى الإجماع والتوافق، المفارقة الأخرى أن ما سيقال عن عدم التوافق والإجماع حول المصطلح أنه فرض نفسه أو فرض من كثرة الترديد الإعلامي له.

التوقيت نفسه الذي دارت فيه الأحداث بالمنطقة التي اصطلح على تسميتها بالعربية، بالرغم من أن هذا مصطلح آخر مضلل وغير صحيح، جرت أحداث مشابهة، ولكنها لم توصف بالربيع، فقد حدث بمالي ثورة هدفها الإطاحة بالنظام السياسي القائم سنة 2012، وقادها متمردون، ووصفت وقتها تلك الأحداث بعدة توصيفات وتسميات، إلا أنها لم توصف بالربيع، فقد وصفت بالصراع في شمال مالي وسميت كذلك بثورة الطوارق، ولكنها لم توصف بالربيع، ويمكن التسليم بأنها أحداث غير متجانسة مع ما حدث بالمنطقة العربية، إلا أن الهدف كان واحدًا، والأسباب تكاد تكون متشابهة، ولكن أحداث مالي لم توصف بالربيع.

وقبل تاريخ 2011 حدثت الكثير من الثورات والاضطرابات عبر الكثير من بلدان العالم، ومنها ما حدث بصربيا سنة 2000، وتلك التي حدثت ما بين 2003 و2005، والتي بدأت من جورجيا سنة 2003، ثم أوكرانيا سنة 2004، ثم ظهرت احتجاجات بلبنان وقيرغستان سنة 2005، وكل هذه الثورات والانتفاضات الشعبية تميزت بالسلمية، كما وصفت الانتفاضات الشعبية في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وأنها كانت ذات مطالب سياسية تتحدد في المطالبة الشعبية برحيل النظام القائم، ورغم هذا لم توصف بالربيع، والمفارقة هنا أنها ثورات وصفت بأنها ثورات ملونة بألوان الربيع، فقد وصفت الثورة بجورجيا بأنها ثورة الورود وحمل المتظاهرون خلالها الورود الحمراء، كما أن الثورة الإيرانية سنة 1979 تميزت هي الأخرى بنفس الميزة، وهي خروج مختلف الفئات الشعبية إلى الشارع للمطالبة برحيل شاه إيران، ولكنها لم توصف بالربيع.

من جهة أخرى فإن تسمية تلك الأحداث بالربيع العربي مضللة بعض الشيء، فالربيع يرمز للاخضرار والبهجة والفرح، وهذا ما لا يستقيم إطلاقا على أحداث حملت معها الغضب والثورة على الأوضاع وجاءت محملة بالدم والدموع.

ذهب الأستاذ لورانس ويذهيد وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة أكسفورد بقوله: الربيع لا بد أن يسبقه الشتاء… إن التسمية التي تعد تعبيرًا مجازيًا يمكن من خلالها فهم سبب فرح الناس بالوهم. وكأن التسمية تستبق المستقبل، وتبشر بأنه سيكون مفرحًا ومبهجًا، أو قد يكون وهمًا بيع للناس على غفلة منهم.

إن تسمية الربيع العربي يمكن أن يفهم منه كذلك الزمن أو الفصل، ويمكن أن يشار إلى الفترة المعنية، وهي الربيع، ولكن ما قبل هذا الفصل هو الشتاء، وما سياتي بعد الربيع هو الصيف، وكلا الفصلين السابق واللاحق على مستوى المناخ لهما أعراض غير مستحبة، فإذا كان الشتاء يأتي بأمطاره وبرده وثلجه، وأيامه عصيبة، فإن فصل الصيف يأتي بالحرارة وقد تكون أيامه عصيبة في بعض المناطق الحارة، وقد يكون كلا الفصلين حاملين للخير والوفرة.

إن اقتران فصل الربيع بالعالم العربي، أو هكذا يفهم من لفظة العربي، فيه بعض المغالطات؛ فالاستخدام المفرط والعشوائي لكلمة العربي في الأدبيات الصحافية قد انتقلت إلى الحقل الأكاديمي لوصف منطقة جغرافية تعرف بالتنوع العرقي والمذهبي والطائفي، يحمل الكثير من الأيديولوجية، ويصف فيليب ليتش في مقالة له على موقع ستراتفور[*]: إن مصطلح العالم العربي هو في الواقع مثله مثل مصطلح أمريكا اللاتينية، أو أوروبا الشرقية، وهو إشكالية كبيرة؛ لأنه يشجع الناس على التفكير بطريقة عامة وبسيطة.

وهذه المقارنة لها صدقها لما ذهب الكاتب، لأن اسم العربي يجمع مجموعة من مختلف البلدان والمجتمعات والشعوب الممتدة من ساحل المغرب الأطلسي إلى شواطئ الخليج العربي ليسوا عربًا كلهم من الناحية العرقية، فهذا الوصف يهمل المميزات والخصائص التي يتميز بها كل بلد عن الآخر، فالمنطقة بها تنوع عرقي وديني وطائفي، ولكل بلد مميزاته التي تختلف عن باقي البلدان، بالإضافة إلى أن الكثير من مواطني هذه المنطقة يرفضون أن ينعتوا بأنهم عرب، فالصفة تحمل التمييز ضد مواطنين كانوا سباقين في الثورة ضد الظلم والبغي والتسلط والتهميش، لقد حملت الشعوب التي ثارت ضد أنظمتها مطالب كان أبرزها القضاء على الاقصاء والتهميش، ومن المنطقي أن لا يتم ذلك على مستوى وصف انتفاضتهم وثورتهم.

إن الاستخدام المغرض لكلمة العربي أفقدها وجودها، سواء الجغرافي أو السياسي، فعلى سبيل المثال: توصف بعض السياسات المضادة لشعوب المنطقة وقيمها بأنها قرارات ضد العالم العربي، بالرغم من أن هناك بعض القرارات تشمل بعض البلدان غير العربية، فعندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة حصر حمل أجهزة إليكترونية في الطائرات القادمة من دول الشرق الأوسط وإفريقيا، وفي الأخبار بالقنوات الناطقة بالعربية تم تداول الخبر الذي أذاعته قناة (بي بي سي عربي): أعلنت الحكومة البريطانية حظر حمل أجهزة الكمبيوتر المحمولة واللوحية على متن الطائرات القادمة إلى المملكة المتحدة من تركيا ولبنان والأردن ومصر وتونس والمملكة العربية السعودية، وقد وصف هذا القرار بأنه حظر موجه ضد العرب، بالرغم من أن تركيا ليست دولة عربية، ولا تصف نفسها كذلك، الأمر نفسه ينطبق على وصف الرئيس الأمريكي ترامب للأفارقة بالحثالة، فقد غضب الأفارقة، دون الدول التي توصف بأنها عربية، بالرغم من أنهم أفارقة بحكم التموضع الجغرافي.

وحتى أن وصف ما حدث بالعربي، وكأنه خاصية عربية فيه الكثير من التعصب وفيه في نفس الوقت الكثير من التناقض، فقد قامت الانتفاضات ضد الاستبداد، ولكن التوصيف العربي هو مفهوم قومي عرف تاريخيًا بأنه كان دائمًا الدافع لتنفيذ مآرب توسعية من قبل حكومات استبدادية.

ثورات الربيع الأوروبي

هذه تسمية لثورات اندلعت بقارة أوروبا ما بين سنتي 1848 و1849، وفي هذه الفترة سادت الكثير من الدول الأوروبية حالة من الجمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي كنتيجة للارتدادات السلبية للثورة الصناعية وقد اندلعت هذه الثورات الشعبية بسلمية ومطالبة برحيل الأنظمة الاستبدادية بأوروبا وقد أطلق المؤرخون عليها تسمية ربيع الشعوب وشملت في بدايتها 50 دولة أوروبية وانطلقت شرارتها الأولى من جزيرة صقلية الإيطالية في يناير من عام 1848، حيث قام الشعب بتلك الجزيرة ضد حكم أسرة البوربون ونجحت الثورة فيها، وقامت دولة على أنقاض حكم تلك الأسرة، وبدستور استمر الحكم بمقتضاه ستة عشر 16 شهرًا.

بعد شهر من ثورة صقيلية قامت ثورة أخرى بفرنسا، وكانت هذه الثورة الثالثة في فبراير 1848، والتي كانت قد قامت بها ثورة أولى سنة 1789 وثورة ثانية عام 1830، لتتتابع قيام ثورات أخرى في كل من ألمانيا والمجر والدانمارك وبولندا وغيرها من الدول الأوروبية.

ومن خلال بعض الكتابات، فإن أول من استخدم لفظة الربيع لوصف ثورة شعبية هو المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم المولود سنة 1917، وحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة كمبريدج البريطانية، والذي وصف ما حدث خلال الفترة من 1789 و1848 بثورة ربيع الشعوب، وذلك في كتاب له بعنوان: عمر الثورة 1789-1848 (The age of revolution 1789-1848)، ويذكر في الصفحة 112 من الكتاب المذكور:

«What had been in 1789 the rising of single nation was now, it seemed the springtime of peoples of entire continent».

ما حدث في سنة 1789 هو انتفاضة أمة واحدة، الآن يظهر وأنه ربيع الشعوب لقارة بأكملها.

لقد استخدم هذا المصطلح (الربيع) من قبل لوصف ظاهرة انتفاضة الشعوب في وجه حكامها، وهو ما حدث سنة 2011 بالمنطقة العربية، فهل المصطلح يتكرر أم أريد له أن يكون على شاكلة الدول الأوروبية، تكون مخرجاته ديمقراطية وحرية وتطور؟

يذكر عبد الله بن خالد شمس الدين في مقالة له بعنوان (أصل تسمية الربيع) نشرت على موقع جريدة دنيا الوطن يوم 17 أغسطس (آب) 2014، أنه راسل عبر الإيميل الدكتور جون ماري مان (John Merriman) والحاصل على الدكتوراه من جامعة ميتشجن بالولايات المتحدة الأمريكية، وأستاذ مادة تاريخ فرنسا وأوروبا المعاصرة مستفسرًا عن مصطلح ربيع الأمم فرد عليه الدكتور بعد سبع دقائق (كما يذكر الكاتب عبد الله بن خالد شمس الدين) بالآتي: مرحبا عبد الله، شكرًا على رسالتك ربيع الشعوب، أو أحيانًا ربيع الأمم، غالبًا تستخدم كتعريف للثورات الأوروبية سنة 1848 قبل عدة سنوات لما حصلت المظاهرات وحتى الثورات التي ظهرت في الشرق الأوسط أو أفريقيا الشمالية، هذا المصطلح استخدم من جديد.

إن التوصيف الذي وصفت به ثورات الشعوب الأوروبية ينطبق على ما حدث بالمنطقة العربية من حيث الشكل والمطالب، واستخدام المصطلح من طرف الإعلام الأوروبي أولًا ربما يكون مرده إلى هذا التاريخ، ويكون استبشارًا من وسائل الإعلام الغربية بتبني الشعوب العربية وشعوب المنطقة – الأكثر غليانًا وتوترًا بالعالم – أخيرًا قيم الديمقراطية على الطريقة الغربية، وهو ما يعد انتصارًا لهذه القيم، وانتصارًا لكثير من النبوءات التي أطلقها المفكرون الغربيون على أساس أن الديمقراطية والقيم الغربية هي المنتصرة في النهاية.

ما وراء ظاهرة الربيع العربي

الادعاء بمعرفة ما وراء الظاهرة هو ضرب من التوهم وضرب من الخيال الجامح، فالأحداث حملت معها الكثير من الأحداث الأخرى، وما آلات إليه يظهر آنيًا أنها مؤامرة كبرى حيكت ضد المنطقة لأسباب يعرفها الكثيرون، وفي المقابل قد تكون الأحداث بالرغم من مأسويتها تحمل بذور التغيير الحقيقي الذي يقود شعوب المنطقة ودولها إلى التطور والنهوض من الكبوة التي تعرفها.

في يوم 06 يناير 2011، ويومين من وفاة محمد البوعزيزي في تونس متأثرًا بحروقه البليغة، كتب الدكتور مارك لينش Mark Lynch أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن مقالًا نشر بالمجلة الأمريكية Foreing Policy بعنوان Obam’s Arab Spring أو الربيع العربي التابع لأوباما، فهل هناك علاقة ترابطية بين عنوان المقال والوصف الذي أضفي فيما بعد على انتفاضات شعوب المنطقة العربية؟ إنه سؤال أراه منطقيًا، والإجابة عنه قد تكشف مدلولات أخرى للمصطلح غير التي نعرفها اليوم.

وفي نفس السياق نشير إلى ما قاله هنري كينسجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق وأحد المنظرين للسياسة الخارجية الأمريكية في سبتمبر (أيلول) 2012 بأن هناك سبع دول عربية تمثل أهمية استراتيجية واقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، وكل الأحداث التي تجري بهذه الدول تسير بطريقة مرضية لأمريكا، وطبقًا للسياسات المرسومة لها من قبل.

إن مثل هذه الكتابات والتصريحات والخطابات السياسية تدفع الكثير من المحللين إلى اعتبار أن ما جرى يصب في خانة الشرق الأوسط الكبير، وأن الأحداث ليست عفوية ولا هدفها الديمقراطية؛ بدليل أن الذين خرجوا إلى الشارع أخرجتهم الحاجات الفسيولوجية، أكثر من خروجهم للمطالبة بالديمقراطية وحرية التعبير، فالفلاح والعامل البسيط لا يهمه من يحكم بقدر ما يمهم من يضمن له لقمة عيشه.

وتاريخيًا، أية ثورة شعبية كانت تسبقها ثورة فكرية تنير للناس قضاياهم دون تجييش ودون إثارة، وتهيئ لوعي ينبثق عنه رأي عام يؤمن بفكرة التحرر والبناء، إن أية ثورة كانت تسبقها إرهاصات فكرية تهيئ للثورة التي هي فعل انقلابي شامل لكل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية للمجتمع.

وما حدث بالربيع العربي لم يكن ثورة فكرية، بل ثورة تحريض، وثورة حملت معها الغضب على كل ما هو ينتمي للبلد، فقد أحرقت مقرات لا علاقة لها بالنظام القائم، بل تخدم المواطن البسيط بالدرجة الأولى، ودمرت مصانع ومشاريع اقتصادية لا يفهم لحد الآن لماذا تم تدميرها وحرقها.

إن ما حدث هو حراك قد يقترب من توصيفه ثورة؛ لأنه جاء كنتيجة لتراكمات، وجاء كلحظة انفجار لتراكم طويل، كما أن هذه الأحداث بغض النظر عمن حركها هي تعبير صارخ عن فشل النخب التي قادت حركات التحرر من بناء الدولة الوطنية الجامعة، وفشلها في إرساء حد أدنى من العدالة التوفيقية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

تبقى أن الأحداث لا تتصف بالنمطية الواحدة، فلكل منطقة ودولة خصائصها الدولاتية التي تميزها عن باقي الدول، حتى وإن اتصفت في المقابل بالانفتاح والتشابه والتشارك، ويبقى كذلك أن مصطلح الربيع العربي هو مصطلح إعلامي استخدمته وسائل الإعلام بناء على أيديولوجية مسبقة، فوسائل الإعلام تختار وتوزع المصطلحات بناء على ما تقتضيه المصالح والسياسة، فلا براءة في التسمية.


[*] فيليب ليتش هو مؤلف كتاب دولة فلسطين تحليل نقدي، والمحرر المشارك للهويات السياسية والانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط، كما أنه باحث بمركز بحوث وتعليم حقوق الانسان بجامعة أتاوا بكندا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد