سبعُ سنواتٍ مرّت على انطلاق الثورات التي بشّرت بتغيير سياسي ينقل العالم العربي إلى واحات الديمقراطية المأمولة، سبعُ سنواتٍ مرّت والجدل في أوساط الدارسين حول المفهوم الذي يصف ما حدث ما يزال مستمرًا.

وليس موضوع المقالة هنا تبيين الصعوبات التي واجهت الدارسين والباحثين في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية بشأن الاجتماع حول تحديد مفاهيمي لما حدث، فللدارسين والباحثين في تلك الحقول تبريراتهم المعرفية في استخدام كلمات مثل: ثورة أو انتفاضة أو حتى حراك، وذلك عند بعض الباحثين الذين يدفعهم عدم اطمئنانهم للتوصيفات السابقة إلى الاتجاه نحو توصيف أكثر حيادية، يعكس نزوعهم إلى مراقبة التحولات الجارية قبل القيام بالحكم عليها وتقديم توصيف معين لها.

بل المقالة هنا تتناول مدى أحقيتنا كأفراد وشباب – تابعوا وتحمّسوا لتباشير التغيير التي جاء بها ما حدث – في الانحياز لمسمّى ومفهوم الربيع العربي، واتخاذه كتعريف توافقي تُذكّرنا حمولاته ومضامينه بالذي حدث، وتُساعدنا كأفراد على الرفض الذهني لكلّ المسميات الأخرى التي ابتدعتها أذهان أشخاص رأوا فيه الأساس لكل انتكاسة أصابته بعدها، وكأنّ بداياته هي المسؤولة عن نهاياته، وكأنّ نتائجه هي مخرجاته الحتمية القطعية المتوقعة والملازمة له حتى من قبل أن يبدأ!

ينسى هؤلاء وغيرهم من المتبنين لمسميات مثل: الخريف العربي والشتاء العربي بدايات هذا الربيع، ويتناسون الحمولات والمضامين والأهداف التي استند عليها في انطلاقاته، وأرادها في غاياته. وإذ يُبرّر هؤلاء انحيازهم وتفضيلهم لهذه المسميات من منطلقات تُحاكمه على مآلات لم يبتغها، ونهايات لم يردها، فإنّنا كأفراد تحمسّوا له منذ البداية لدينا كلّ الحقّ والمشروعية بالتمسّك بمسماه الذي يحمل في متنه دلالات الأهداف والغايات التي من أجلها كانت بدايته وانطلاقته.

إنّ انحيازنا كأفراد لمفهوم الربيع العربي هو انحياز مشروع ويعبّر عن تحيّز مشروع للأهداف والقيم النبيلة التي حملها الربيع وبشّر بها، ونقصد هنا قيم العدالة والكرامة والحرية التي ظلّت غائبة عن وعي الأفراد في مجتمعاتنا لعقود طويلة. كذلك، فإننا بانحيازنا لهذا المفهوم نُعبّر عن تحيّز آخر مشروع، بل مطلوب لضرورة تغليب قيمة المواطنة على كلّ حمولة أيديولوجية أخرى، وهو ما عبّرت عنه اللفظة الثانية من المفهوم – أية لفظة العربي – صراحة. فالبنية التأسيسية لبدايات هذا الربيع تعكس تمركزًا واضحًا حول هذه القيمة، بعيدًا عن تمركزات إثنية أو دينية أو قومية أو عرقية محدّدة، وهو ما نطقت به حالة التنوع والاختلاف التي تميّزت بها العلاقات بين جميع القوى الشبابية والدينية والسياسية والفكرية والنسائية والتي تمّ رصدها في الميادين التي انطلق بها هذا الربيع.

وحدها هذه الحالة هيَ من ساهمت في تخليق لحظة وعيْ حديث للجمهور؛ أيْ وعي الجمهور بذاته. وزادت من مستويات التجانس الاجتماعي بين مكوناته، فالمدقّق في حيثيات تفاعل مكونات الجمهور مع بعضها في الميادين، يلاحظ أنّ الشعارات التي رُفعَت في الميادين كانت فضفاضة بما يكفي لتُمكن أي مواطن – بغض الطرف عن أصوله الاجتماعية والفكرية – غير راضٍ عن الوضع العام من الانخراط في حركة الاحتجاج التي ضجّ بها قلب هذه الميادين.

كما أنّ الأهداف المعلنة لهذه الشعارات لم تتضمن أي برنامج دقيق من شأنه أن ينحاز لإحدى الأيديولوجيات ويُحدث انقسامات داخل صفوف المحتجين. وإنّ هذا التجانس والتكتل بين مكونات الجمهور يُدلل على أنّ التقسيمات والفوارق الاجتماعية – بين الريف والحضر – أو المهنية – عمال، فلاحين، تجار – أو الأيديولوجية الحزبية – علمانيين، إسلاميين – حضرت بصفتها مفردات غير وظيفية في عملية تحشيده، فكلّ الذين حضروا في الميادين لم يحضروا بصفتهم الطبقية أو المهنية أو الفكرية الأيديولوجية، وإنّما بصفتهم المواطنية كمواطنين.

وتبعًا لذلك، فإنّ جمهور الربيع العربي، سواء الذي شارك فِعليًا في الميادين، أو الذي تحمّس وهتف وهلّل لما حدث هناك، برزت عنده ذاتية جديدة، نابعة من وعي عميق استجدّ داخل ذاته، وعي بذاته المستقلة عن ذاتية الدولة وذاتية السوق وذاتية النخبة، ووعيْ بحقوق هذه الذات ومطالبها المشروعة. وإنّ الوعي المستمرّ بهذه الذات هو الأساس الذي يجعلها تتبنى وتنحاز لمفاهيم تُعبّر عنها وعن مطالبها ويقع مسمى الربيع العربي في مقدمتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد