بينما نقطف في الجزائر أولى ثمار حراكنا المبارك، أو «ثورة الابتسامة»، كما يهوى للبعض منا تسميتها، ونعيش أولى سنواتنا بدون بوتفليقة وزبانيته الفاسدين، يعيش أشقاؤنا العرب في الضفة الأخرى الذكرى التاسعة لاندلاع ثوراتهم «الربيع العربي» كما اصطلح عليه، بعد أن انتفضوا معلنين رغبتهم في الكرامة والحرية وبغية تحقيق ولو جزء من أحلامهم الممنوعة واختراق ما يرونه أفقًا مسدودًا هذه الأحلام التي تعاملت معها السلطات بعنف عبر الدعاية والمعتقلات ودون تردد أعطت أحلامهم اللون الأحمر القاتم في محاولة بائسة لإعادة الشعوب إلى مربع الطاعة واختزال تلك الملايين في جماعات خارجة عن القانون أو عرائس تحركها أياد أجنبية لا تبغي الخير للأمة العربية.

إذا حاولنا البحث والتحري بدقة لوجدنا أن تاريخ الثورات في العالم الإسلامي طويل جدا بدءا من الخروج على عثمان – رضي الله عنه – وثورة أهل المدينة (وقعة الحرة)، وثورة الفقهاء بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث (دير الجماجم)، وثورات الخوارج، وثورات للفقهاء والقراء، والثورات في العهد العباسي كثورة النفس الزكية وحركة موسى الكاظم، وثورة الزيدية في الرقة، ولم تتوقف الثورات ضد المماليك والعثمانيين ومنها ثورة علماء الأزهر الشهيرة، لكن تكاد الثورة العباسية تكون الوحيدة التي نجحت في إقامة دولة لقرون، وعالميًا قامت ثورات تميزت بأنها أعادت تشكيل المجتمع وأثرت في السياسة والاقتصاد وغيرت مجرى التاريخ على الأقل في أوروبا شرقها وغربها وفي أمريكا.

وبالتالي فإن ثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي» ليست بالشيء الجديد، ولا بغير المتوقع بعد الاستبداد والوهن الذي عاشته الجماهير التي أصبحت ترى الحل الوحيد للخروج من دائرة الاستبداد الذي تعيشه يكمن في الثورة، فاستجابت الجماهير في تونس، ثم مصر أكبر قطر عربي مستهدف أمنيًا ومخابراتيًا من أمريكا وإسرائيل «فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا»، ومضت تفرد أجنحتها في سوريا وليبيا واليمن في موجة أولى مضى عليها اليوم تسع سنوات.

وها هي تظهر ثانية في الأفق بحثًا عمن يتبناها من جديد في كل من السودان، والجزائر، ولبنان، والعراق، ومحاولة استعادة أهميتها وأحلامها المغدورة وقد نفيت من التاريخ والجغرافيا وتحولت إلى جموع تكتفي بالبحث عن سبل العيش، وهنا يمكن القول إن عملية اغتيال المواطنة قد جرت من المحيط إلى الخليج عن سابق إصرار وترصد لتحويل المجتمعات العربية إلى شعوب محرومة من الحريات الأساسية، بل من فرص التنمية التي تشمل التعليم والصحة والعمل والمشاركة في تقرير المصير، وجرى تشويه وتحقير قيمة المواطنة المتعلقة بالبلاد ضمن قيمة الحقوق والحرية والعدالة، وجرى تحويلها إلى ولاء سياسي لشخص أو أفراد أو حتى عائلة.

ولو تعمقنا بحثًا عن الأسباب الحقيقية خلف قيام الثورة لعرفنا أن الشعوب لا تميل إلى الثورات كما لا تميل إلى الحروب، ولكن قد يصبح الامتعاض سبيلًا إلى أن يصل الناس إلى عنق الزجاجة ويفوق الظلم درجة تحملهم، ولا يوجد ما يدعو لتشجيع الثورة بذاتها، فهي محفوفة بالمخاطر، ولكنها تأتي مثل قدر لا يرد حينما يتعذر الإصلاح الجذري الجاد.

ليس هناك «دعاة» للثورة، القمع، والفساد، والتخلف، والفقر، والاستبداد، وحدها داعية للثورة فالثورة لا يرتب لها أحد ولا يخطط لها أحد، ولكنها تنفجر على حين غرة رافضة الطغيان. لذلك فالحكومات الواعية تقيس النبض، وإذا رأت بوادر الاحتقان والسخونة الاجتماعية تسعى جديًا إلى الحلول، وليس إلى المسكنات عبر إصلاح داخلي صادق أكثر أمانًا وضمانًا للمستقبل من الثورات، فمكافحة أسباب ومسببات الثورة والقيام على حماية البلد يكون عبر صناعة العدل وحماية الحقوق والتنفيس عن الناس بإتاحة الحريات وتوسيع مجال التعبير عن الرأي وتبني قضية المشاركة السياسية لكافة أطراف المجتمع ولو عبر برنامج متدرج، فالشعوب التي ترى في الأفق نورًا يقترب بقدر آمالها قد يقودها التطلع للحفاظ على قيم ومكتسبات الإصلاح.

وإذا ما حاولنا معرفة رأي البعض ممن هم ضد قيام هذه الثورات لوجدنا أنهم يشيعون وهمًا، ويلحون على أن هذا النوع من الاحتجاجات والتحركات من تدبير واشنطن، وبضوء أخضر من تل أبيب، ويبنون ذلك على فرضيتين:

1. نظرية الفوضى الخلاقة.

2. إنهاء عقوبة الحكام الذين رفضوا منهج الإصلاح الأمريكي وتكفيرًا من واشنطن عن مساندتها للنظم المستبدة لشعوبها.

بالرغم من أن واشنطن لم تكن تتمنى أن تقوم الثورات ضد حلفائها. ولأن حركة الشارع العربي عادة ما تكون ضد أمريكا وإسرائيل، لكن الغرب خبير بالتكيف مع المتغيرات وعليه التأقلم مع حقيقة جديدة خلاصتها أن العالم العربي أصبح أكثر وطنية.

كما أن نبرة التحريض قد طغت في الإعلام المضاد وركز كتاب المقالات والمحللون وحتى أذرع السلطة داخل وخارج الوطن على الإساءة للثورات، وربطوها بالقوى الإسلامية ووصفوها بالوهم وأنها ثورات مواقع التواصل الإجتماعي وفقط، وأن نظرية تعطش الشعوب للحرية هي نظرية رومانسية والمجتمعات العربية غير مؤهلة للتعايش مع الديمقراطية. واستغلت الحكومات تنوع النسيج الإجتماعي لشعوبها واختلاف دياناتهم وطوائفهم لزرع الفتن وتفرقتهم وتحييدهم عما خرجوا لأجله.

«غنيمة لنا فيها سهم»، هذا ما يجب أن يشعر به كل مواطن، بغض النظر عن تياره الفكري أو حزبه السياسي أو قبيلته أو المنطقة التي ينتمي إليها، بل وبغض النظر عن تاريخه، فالثورة تجر ما قبلها.

لا ينبغي أن يظلم أحد على هذه الأرض مرة أخرى، أيًا كان دينه، أو مذهبه، أو انتماؤه، يجب أن يكون المستقبل لكل الناس. نعم لن يرضى كل الناس، فرضاهم غاية لا تدرك، فليكن الاحتكام إلى دستور يتوافق عليه أهل البلد، مرجعيته الشريعة لأن البلد بأغلبيته مسلم. التغيير سنة الحياة، فحتى الثورات التي تنجح وتكوّن دولة تنتقل إلى وضع جديد مختلف، قد يعجز بعض ممن ضحوا عن فهمه واستيعابه، ويبقى في نفوس الكثيرين أسئلة يبطؤ زوالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد