آن الأوان للأمة الإسلامية والعربية أن يتكشف أمام أعينها وأن يتجلى في أذهانها حجم المؤامرة التي تحاك ضدها منذ زمن بعيد. فلقد أصبح العداء لهذه الأمة واضحًا صريحًا، وقد أفصح الساسة عما في مذكراتهم من خطط وبرامج أعدت من أجل تحصيل هدف واحد ومهم جدًّا، وعليه تقوم حياتهم، وهو ضرورة استمرار السيطرة الكاملة على العالم الإسلامي والعربي؛ لأنه يشكل مصدر خطر وتهديد لسيادتهم العالمية على جغرافيا العالم الغربي والشرقي على السواء.

ومدى الكوارث التي سوف تخلفها فكرة نشوء ديمقراطية عربية، وقرار سياسي مستقل، يغرد خارج سرب التبعية الأمريكية والغربية. لذلك كان هناك عدة أسئلة مشروعة لا بد من الإجابة عنها، حتى نعلم إلى أين تتجه الدفة، وكيف تسير الأمور؟ هل الحرب الباردة التي تشنها قوى إقليمية ودولية على ما يعرف «بالإسلام السياسي» حرب توازنات دولية ومصالح؟ أم هي حرب عقدية؟! هل القصة هي فشل التيار الإسلامي في التعامل مع قوى المجتمع الدولي؟! أم هي محاولة المجتمع الدولي إفشال التيار الإسلامي؟!

ما مدى صحة الحقائق التي تؤكد وقوف الأنظمة العربية إلى جانب قوى المجتمع الدولي للقضاء على ما يسمى بالربيع العربي، وإفشال حركة التحرر، وبقاء الوضع كما هو عليه في المجتمعات الإسلامية ككل، حيث إما إمارات نفطية، وإما حكومات عسكرية؟

هل صحيح أن الأنظمة العربية هي التي دفعت فاتورة الانقلابات التي جرت في مصر وليبيا، وكذلك هي التي مولت أحزاب أو جماعات مسلحة معارضة للأنظمة الديمقراطية الوليدة كما في تونس أو اليمن؟ هل صعود الإسلاميين إلى السلطة مع موجة الانتفاضة العربية ضد الأنظمة المستبدة أعاد إلى أذهان «المحتل» قيام النار التي تحت الرماد، والتي على أثرها سوف يستفيق «المارد الأخضر) من جديد ليستعيد ملكيته العالمية التي سلبت منه في أواخر القرن الماضي في نهاية 1924 وبعد تقسيم ملك «الخلافة الإسلامية العثمانية» بين «قوى الدول الأوربية»، وتقنين ذلك الأمر بموجب معاهدة «سايكس- بيكو»؟ هل فشل التيار الإسلامي في مصر، وتونس، وليبيا، ومن قبلها فلسطين، ومن قبلها الجزائر؟! هل الربيع العربي حقًّا نموذج فاشل للتحرر؟!

وللإجابة على هذه الأسئلة بطريقة موضوعية نتعرض إلى ذكر وجهة نظر أحد كبار كتابي الغرب، والذين عملوا في المطبخ السياسي، وعاصروا تجارب مثل التي تمر بها بلدان العالم العربي الآن.

في حوار لأحد أشهر فلاسفة العلوم السياسية، والمصنف الثامن في الولايات المتحدة بالنسبة لمستوى القراءة لمؤلفاته «نعوم تشومسكي»، حين سئل عن ادعاء بعض الناس أن العالم العربي غير متوافق مع الديمقراطية:

«لم يكن لهذه الفرضية أبدًا أي أساس أيًّا كان كنهه. للعالم العربي الإسلامي تاريخ طويل من الديمقراطية. كان يتم سحقها بانتظام من جانب القوة الغربية. كان لإيران في 1953 نظام برلماني، قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بإسقاطه، كانت هنالك ثورة في العراق في 1958، لا نعرف أين ذهبت، ولكن كان بإمكانها أن تكون ديمقراطية. ونحن نفعل ذلك لكي نتحكّم في ثروات العالم العربي، وهذا يعني أن الديمقراطيات الغربية منعت نشوء الديمقراطيات في العالم العربي.

فهي تستمر على هذا النهج حتى الوقت الراهن. هناك انتفاضات متواصلة ودائمة. لقد تم ّسحقها من قِبل الديكتاتوريين الذين نحن -بشكل أساسي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا- ندعمهم. إذن بالتأكيد، ليس هناك ديمقراطية لأننا سحقناها جميعًا، يمكنك أن تقول الكلام نفسه حول أمريكا اللاتينية: سلسلة طويلة من الديكتاتوريين، قتلة ووحشيون، طالما أن الولايات المتحدة تتحكّم في نصف الكرة الأرضية، أو أوروبا قبلها، لن تكون هناك ديمقراطية، لأنه سيتمّ سحقها. والذي حدث بالأمس القريب مع دول كانت ستنشأ فيها الحرية والديمقراطية، وكيف تعاملت أمريكا معها خير دليل على ما يحدث الآن في الشرق الأوسط».

وأكمل تشومسكي في حواره قائلًا:

«إن الموضوع الرئيس لتاريخ ما بعد الحرب الحديث هو تأثير «الدومينو»: «كوبا، والبرازيل، وفيتنام»… قارنه «هنري كسينجر» بفيروس يمكن أن ينشر العدوى. عندما خطّط هو و«نيكسون» لإسقاط المُنتخب ديمقراطيًّا «سلفادور الليندي» في شيلي- لدينا الآن كل المواد الداخلية.

«كسينجر» بالذات قال إن الفيروس الشيلي قد يؤثِّر في أقطار بعيدة عن أوروبا، في الواقع، توافق هو و«برجينف» حول ذلك، كلاهما كانا خائفين من الديمقراطية و«كسينجر» قال، علينا أن نمحو هذا الفيروس. وقد حدث فعلا، لقد سحقناه! اليوم يحدث شيء مماثل. كل من بوش وأوباما مرعوبان من الربيع العربي. وهناك سبب معقول جدًّا لذلك. لا يريدان الديمقراطية في العالم العربي. إذا كان للرأي العام العربي أي تأثير في السياسة، فإنه كان سيتم طرد الولايات المتحدة وبريطانيا من الشرق الأوسط».

وخلاصة ما ذهب إليه تشومسكي أن أمريكا والغرب لا تريد دولة عربية بالذات تتمتع بحكم يكون فيه النظام السياسي منتخبًا. ليس فقط لحماية مصالحها أو مصلحة ذراع أمريكا في الشرق الأوسط «الكيان الصهيوني»؛ لأن أي حكم شعبي لبلاد العرب معناه نهاية للهيمنة الأمريكية على العالم.

إذ إن الشعوب العربية، وبحكم التجارب السابقة، بدءًا من الجزائر، ونهاية بفلسطين حماس 2006، والتي تجمعها حاضنة واحدة لاتجاه فكري معين، وهو التيار الإسلامي الذي ينبني برنامجه على عقيدة راسخة، وقاعدة أولية، ألا وهي تحقيق العدل والمساواة وتطبيق مبدأ الشورى، مرورًا على جسر الديمقراطية الذي اخترعه الغرب، حتى الوصول إلى «فكرة الإمبراطورية الإسلامية»، كما أنه لا يقبل التبعية، ولا العمالة، ولا التعاون، وإنما التعامل بالندية، وعلى أساس تبادل المصالح.

لذلك فإنه طبقًا لما تقدم، تدور الإدارة الأمريكية والغربية حول هذا الأمر وجودًا وعدمًا. لذلك فإن الحرب الدائرة في هذه الأثناء على النظام التركي لمروقه وتمرده على أمريكا، وعدم الانصياع للأوامر والأجندات. وطبقًا للحقائق التي تكشفت مؤخًرا، اتضح أن الذي رسم خريطة الشرق الأوسط الكبير، والذي انفجر في وجهه بركان الانتفاضة العربية، هو ذاته الذي خطط لإسقاط الثورات العربية بثورات أخرى مضادة! ولكن المؤسف في الأمر أن الذي مول فاتورة الحرب على الأنظمة الديمقراطية الوليدة هي الأنظمة العربية الخليجية!

ففي مقال للصحافي «ديفيد هيرست» المتخصص في شئون الشرق الأوسط بجريدة «الجارديان» ورئيس تحرير موقع «ميدل إيست آي» مفاده أن الشيخ «محمد بن زايد» ولي إمارة أبوظبي أعلن أمام حضوره في أحد اللقاءات، وكان من بينهم ساسة مصريون، أمثال الدكتور البرادعي، أنه مستعد لأن ينفق من أموال الإمارات لآخر درهم موجود في خزانة أبوظبي لإسقاط «مرسي».

والتسريبات التي خرجت من مصر في الحوار بين أطراف الانقلاب، والتي تكلمت عن دعم عربي وصل إلى ما يقرب من 31 مليار دولار يؤكد المعنى ذاته. وفور إذاعة البيان الذي ألقاه وزير الدفاع المصري حينها في 3 يوليو (تموز) دعمت المملكة العربية السعودية ما جرى في مصر عبر تأييد دبلوماسي علني، عقب البيان بـ30 دقيقة، مما يعني أن الأمر كان مرتبًا ومعدًّا إعدادًا جيدًا.

وقد دعمت المملكة كلماتها بالمال والنفط، ورصدت بالفعل حزمة مساعدات تقدر بـ12 مليار دولار جنبًا إلى جنب مع دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت، بعد عزل الرئيس بقوة السلاح مباشرة. والأطراف الإقليمية التي نفذت الأجندة الأمريكية كانت تضم أشخاصًا عديدين، كلهم تجمعوا في خلية واحدة كان يرأسها ولي عهد الإمارات الشيخ «محمد بن زايد» وتحت يديه كل من: الفريق شفيق، وضاحي خلفان، ومحمد دحلان، بالتنسيق مع رجل المخابرات الأمريكية في وقتها ومنسقها الإقليمي، الأمير بندر بن سلطان. كل هؤلاء تجمعوا لهدف واحد، وهو إسقاط التجربة الإسلامية، ليس في مصر فقط، وإنما في تونس أيضًا، يظهر المال الإماراتي على وجوه الأحزاب المعارضة «للنهضة»، وبالذات «نداء تونس»، الذي يمثل جسد النظام القديم.

كما أن «حفتر» الجنرال الليبي المنقلب، والذي كان يزور كلًّا من الإمارات ومصر، تلقى دعمًا لوجستيًّا، وماديًّا وعسكريًّا لمجابهة فجر ليبيا، بل الأشر من ذلك أن السعودية والإمارات دعمت الحوثيين وقوات الهالك علي عبد الله صالح، ضد القاعدة، ظنًّا منها أن هذا يؤمن لها حدودها مع اليمن.

كل تلك الجهود ورؤوس الأموال وثروات الشعوب تنفق من أجل شيء واحد فقط، وهو ألا تنجح الفكرة الإسلامية بحال من الأحوال، وحجة خوف أمريكا في ذلك «عقدي» بحت، وهو زوال «الهيمنة المسيحية» على العالم، وحجة الخليج أن نشوء نظام إسلامي أو ديمقراطي يشكل أيضا نهايتها، إذ ستثور الأمم مطالبة بأن يكون لديها النموذج ذاته في بلادها.

وهذا ليس وليد اليوم أو الأمس، بل التاريخ يشهد بذلك. «الحبيب المصطفى» -صلى الله عليه وسلم- الذي قام بأول ثورة فكرية لتحرير العقل البشري من رق الوثنية، والجهل، والعبودية، والذي قوبل بأشد عداء من أقرب الناس إليه؛ ليس لأنه أراد ملكًا لدولة ضاعت من أجداده، ولا ابتزازًا لقومة لمال ضاع من أبيه، وإنما هي دعوة جاءت لتقيم دولة، دولة العيش الكريم والحرية، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الناس. فهو الذي علمنا أن الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهذه لب دعوته ورسالته، أن يتحرر العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهذا معناه زوال قوى عظمى لن تقبل بحال من الأحوال أن تخضع لسيطرة الأتباع بعد أن كانوا هم الأسياد والمسيطرين.

وهذا الذي حدث مع الفرس الذين رفضوا أن يخضعوا لدعوة الحق؛ لأنهم نظروا إلى العرقية العربية كيف يكون لها فضل أو شرف عليهم. وملك الروم «هرقل»، والذي نمى إلى علمه صدق الرسالة المحمدية تشهد حالته بذلك. فخشية زوال الملك والهيمنة جعلته لا يزعن لدعوة الحق، في حين أنه هو الذي قال لأبي سفيان في الواقعة المشهورة «لو أنه حق ما تقول فسيملك ابن أخيك موضع قدماي»، بيد أن مبادئ الثورة المحمدية الجديدة، والتي بشر بها الإنجيل تتوافق مع كل العرقيات والألوان، وكافة التضاريس الجغرافية، وحتى الفكرية؛ ذلك لأنها توافق العقل والمنطق .

العجيب والغريب في الأمر، أن هذه المبادئ الإنسانية الراقية التي جاء بها سيد الخلق وحبيب الحق، هي المبادئ نفسها التي اصطف تحت رايتها أطهر شباب في انتفاضتهم ضد ظلم النظام القمعي الجائر وليد السلام المزعوم، والذي خط بدماء شهداء الأمة الإسلامية في معاهدات مثل كامب ديفيد، وأسلو، وغيرها. العيش والحرية والعدالة الاجتماعية هي المبادئ التي أقرها رسول الإنسانية وجعلها نبراسًا ومنهاجًا وقواعد عامة ومجردة تطبق لكل الناس وعلى كل الناس.

لذلك، استفاق الشرق والغرب على هذه النكبة التي تنذر برجوع ذلك الدين من جديد، بعدما اكتسب أرضًا صلبة ومواقع استراتيجية له، يتخذ منها قواعد للقيام من جديد على سبيل المثال في بلد آخر خلافة إسلامية كانت تجمع المسلمين في تركيا؛ وفي عمق أخطر منطقة نفوذ أمريكي بغزة في فلسطين، وفي إندونسيا، وبعد رجوع مهاتير للسلطة لكشف المال الخليجي وخططه في القضاء على المد الإسلامي هناك؛ وما صرح به معهد الدراسات الاستراتيجية لشئون الشرق الأوسط في واشنطن عن مشروع الشرق الأوسط الجديد.

إن أمريكا في سعيها لمحاربة الإسلام السياسي في الوطن العربي هدفه الوحيد هو مجرد «تعطيل» الإسلاميين عن الوصول إلى السلطة أكبر وقت ممكن، أي إن الاسلام السياسي ليس فاشلًا، وإنما يجب إفشاله لبعض الوقت، لماذا؟ لأنه قادم كالموج الهادر لا محالة.

وفي شهادة الصحافي «وائل قنديل» المسجلة على جريدة الشعب عن التجربة الديمقراطية التي سحقت في مصر قال:

«الذي جعلني أترك الصف الليبرالي والعلماني. موقف للتاريخ، هذا الموقف الذي تسبب في تغير آرائه السياسية كليًّا، والذي حدث إبان حكم الرئيس محمد مرسي. وقال قنديل: «يعلم الجميع أني ليبرالي وأني كنت من المعارضين للدكتور مرسى بشدة، وذات يوم كنا في اجتماع القوى الوطنية لمناقشة وسائل إجهاض دستور 2012، وكان يجلس إلى جواري الدكتور جابر نصار، والذي فاجأني بقوله: هل تعلم يا وائل أن هذا الدستور هو أرقى وثيقة دستورية تكتب في العالم؟ وأضاف: أجبته بذهول: لماذا إذن هذه الحملة الضارية ضد هذا الدستور؟ فأذهلني مرة أخرى حيث أجابني: ما اهو احنا لازم نعكنن عليهم».

وكأن هذه المعارضة لا تعارض من أجل حب الوطن واستنادًا إلى تحقيق مصلحة الناس، وإنما معارضة ممولة من الخارج مهمتها إرباك المشهد السياسي وزعزعة النظام، وشغل الناس بالتفاهات من خلال منابر إعلامية مسعورة تحركها أجهزة مخابراتية كما تريد. فشغلنا بمعارك جانبية ووهمية.

وصار الأمر كله في شخص الرئيس المتسامح الذي كان هدفه تشكيل قوة إسلامية عالمية، تعيد لهذه الأمة أمجادها من جديد من خلال بناء حلف إسلامي يكون رأسه بلاد الحرمين، وعقله مصر، وروحه تركيا، وكان يسعى لاستقلال القرار السياسي من خلال بناء قوة استراتيجية أساسها الإيمان بالله وبالخيرات التي كانت منهوبة بالوطن، وتقوم على امتلاك أدوات القوة وصناعتها محليًّا وبأيدي أبنائها؛ فهو دائمًا كان يردد أنه يريد امتلاك الغذاء والدواء والسلاح!

وأخيرًا بات السؤال الذي يطرح نفسه: هل الربيع العربي فاشل؟ وإجابة هذا السؤال عند جماهير الشعوب العربية والإسلامية التي تحدد بإرادتها المنفردة وما تقرره هي بنفسها، عما إذا كان الربيع العربي قد فشل أم لا؟! وتبقى حقيقة واحدة، وهي أن الحرب علينا ليست لموائمات، ولا لقوى على حساب أخرى. وإنما الحرب على الإسلام، فهل وعي المسلمون والعرب هذه الحقيقة؟ أم أنهم ما زالوا يغطون في نوم عميق؟! قال تعالى: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد