بعد ما يقارب السنوات الثلاث منذ أن خرجت الجماهير العربية في تونس ومصر ثم ليبيا وسوريا واليمن مطالبة بالحرية والديمقراطية بدأت خارطة الربيع العربي برهاناتها المشتركة وخصوصياتها تتضح مع تطورات الأوضاع في تونس ومصر ناهيك عن ليبيا وسوريا.

فإذا كان المساران المصري والتونسي قد تميزا بانهيار رأسي النظام دون الدخول في متاهات الاحتراب الداخلي ثم تُوج كلاهما بتنظيم أول انتخابات تعددية منذ مرحلة التحرر الوطني إلا أن ما أفرزته الانتخابات من نتائج طرح أكثر من تحدّ على النخب السياسية عموما والإسلامية خصوصا في مسار بناء الدّولة الدّيمقراطية.

إن رصد التجربتين المصرية والتونسية والمقارنة بينهما يدلل بما لا يقطع الشك على أنه لا يمكن في سياق المراحل الانتقالية التعويل حصريا على النتائج الانتخابية وما تمنحه من شرعية وسند شعبيين لإنجاح المسار الديمقراطي. وإذ أفرزت الانتخابات في تونس ومصر موقعا متقدّما للإسلاميين على  حساب بقية القوى السياسية التي انخرطت بدرجات متفاوتة في النضال ضد الاستبداد أو المواجهة العلنيّة مع النّظام فقد أدّى ما أطلق عليه البعض ” ركوبا للإسلاميين على موجة الثورة ” إلى تقسيم صف القوى الثورية التي سبق أن توحّدت ونجحت في تجاوز خلافاتها الأيديولوجية في ميادين تونس والقاهرة.

ولقد أثبتت السنوات الأولى للربيع العربي أن ميلان الكفة الانتخابية للتيارات الإسلامية على حساب بقية الأحزاب السياسية المتطلّعة لتحقيق أهداف الثورات قد أدّى إلى حالة يأس من صناديق الاقتراع والتجربة الديمقراطيّة لدى مجمل القوى العلمانية واليسارية ممّا دفع بعضها للتحالف مع القوى العميقة في الدّولة ورموز النّظام القديم.

ففي السياق المصري لم تُميّز انتفاضة الشباب في ميدان التّحرير في شتاء سنة 2011 بين الشباب العلماني – اليساري والليبرالي من جهة والشباب الإسلامي – الإخواني والسلفي من جهة ثانية, غير أنّ رحيل مبارك وعودة الأحزاب إلى لعب أدوار رئيسية في سياق الشد والجذب مع المجلس العسكري ناهيك عن تمايز المواقف البراغماتية للإخوان عن التيار الشبابي الجذري على غرار حركة 6 إبريل قد أدّت كلّها إلى شروخ لم تزل تتعمّق داخل” الصفّ الثوري “.
وفي سياق تتبّع مسار ثورة 25 يناير يصعب على أي مراقب أو محلّل أن يمرّ مرور الكرام على حدث خطير تمثّل في ” لقاء فيرموند ” بين الدور الأول والثاني للانتخابات الرئاسية في صيف 2012 والذي جمع مكوّنات الصف الثوري بعد تفرّقهم وجمع كلمتهم على دعم الرئيس محمّد مرسي في مواجهة ” مرشّح الثورة المضادة ” أحمد شفيق, غير أنّ ما بدا للبعض تنكّر محمّد مرسي لتعهداته في ” فيرموند ” وما تلاها من إعلان دستوري وأحداث عنف أدّت تدريجي لتقسيم الصفّ الثوري ودخول المؤسسة العسكرية على الخطّ وعزل حركة الإخوان عن بقية القوى السياسية وشرائح واسعة من المجتمع المصري لينتهي الأمر بانقلاب 3 يوليو وما أعقبه من ردّة عن مكاسب 25 يناير.

ولم تكن تونس في صيف 2013 الساخن سياسيا بعيدة عن منزلق شبيه بما وقع في مصر, فقد فتح انقلاب القاهرة شهيّة جزء من المعارضة السياسية التونسية على إثر الاغتيال الثاني يوم 25 يوليو – جويلية لاستنساخ نموذج ” ثورة 30 يونيو ” وحلّ المجلس الوطني التأسيسي وكلّ ما انبثق عن انتخابات 23 أكتوبر على مستوى السلطة التنفيذية. على أن الاختلاف البنيوي بين الحالتين المصرية والتونسية فيما يتعلّق بدور المؤسسة العسكرية ناهيك عن الفشل النسبي في حشد الشارع ومسارعة حركة النهضة لاحتواء الوضع قد فتحت أفقا أو نموذجا جديدا لتعامل الحركة الديمقراطية عموما والإسلامية خصوصا مع رهانات الانتقال الديمقراطي السلمي.

لقد سحبت حركة النّهضة التونسية بقبولها – مبدأ التخلي عن رئاسة الحكومة – البساط من تحت قوى النظام القديم ومراكز نفوذه التي حاولت تكرار التجربة المصرية عبر تقسيم الصف الوطني والقوى المنحازة تقليديا للتغيير على قاعدة المعاداة الأيديولوجية للإسلاميين بغرض إجهاض المسار الديمقراطي برمّته. لقد فهم ” المنتصرون ” انتخابيا يوم 23 أكتوبر 2011 في تونس أن النتائج الانتخابية وإذ تؤسس لمبدأ التداول السلمي على السلطة فإنها تحبط في الآن ذاته القوى غير الإسلامية المنخرطة سابقا في مقارعة الاستبداد بما يستوجب توخي سياسة تجميعية تضمن الوحدة الوطنيّة وتقدّم أولوية التأسيس للحرية والديمقراطية على غيرها من الأولويات.

ولم تكن صدفة أن حرص رئيس حركة النّهضة الشيخ راشد الغنّوشي في أكثر من إطلالة إعلامية إبان أزمة الاغتيال الثاني على مدّ يد المصالحة لحركة نداء تونس ورئيسها الباجي قايد السبسي والتي تضم بين صفوفها عددا لا يُستهان به من رموز النظام السابق بمن فيهم الأمين العام السابق للحزب الحاكم في عهد الاستبداد, لقد عمل الشيخ راشد الغنوشي من موقعه كمسؤول عن القوة السياسية الأكبر وبالتالي عن مسار الثورة برمّته على ” توريط ” جميع الأطراف السياسية في نهج توافقي قاعدته الحفاظ على الاستقرار والديمقراطية وتهيئة البلاد لانتخابات جديدة.

وإذ جلبت هذه الخطوات المُربكة سخط الجزء الأكثر تحمّسا للقطيعة الجذرية مع النظام القديم داخل حركة النهضة و ” الترويكا ” على غرار حزب المؤتمر من أجل الجمهورية ( الحزب الذي أسسه رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي ) فقد غلبت نتائج التوافق بما في ذلك عودة نوّاب المعارضة المنسحبين إلى رحاب المجلس الوطني التأسيسي ثمّ المصادقة على الدّستور واحتفاء العالم بما بدا أنّه نجاح التجربة التّونسية على مطبّات وشوائب سياسة الاحتواء التي انتهجتها حركة النّهضة.

هل نجحت تونس مهد الثورات العربية ؟

رغم نجاح التونسيين في تجاوز عقبات الاغتيالات وفخاخ توتير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ناهيك عن المتغيرات الإقليميّة والدّوليّة إلا أنّه لا يخفى عل كلّ متتبّع للساحة التونسية أن القوى المعادية سرّا أو جهرا للثورة لا تزال تتربّص بالمسار الدّيمقراطي, فمع بداية عمل ” حكومة
الكفاءات ” برئاسة السيد مهدي جمعة حرصت أطراف إعلاميّة وسياسيّة عديدة على ترويج خطاب مفاده أن خروج حركة النّهضة والترويكا من الحكم كفيل لوحده بتحسين مجمل الأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة وأن الحفاظ على مكتسبات المسار الدّيمقراطي إنّما يعود لضغط المعرضة و” حكمة المنظمات التي رعت الحوار الوطني “… وبعيدا عن إفراط التفاؤل وتفريط التشاؤم فإن أفئدة الحريصين على ” شمعة المسار التونسي ” لن تهنأ إلا بتنظيم انتخابات نزيهة وشفافة مرتقبة أواخر العام الجاري. وماذا عن أهداف الحرية والكرامة والسيادة التي حملها ثوار تونس في سيدي بوزيد ذات شتاء من سنة 2010 ؟

يبدو أن الطريق لا تزال طويلة, ولا ريب أن هذه الطريق تمر بمنعرجات أولها تكريس استقرار النظام الديمقراطي والقطع مع التسلّطيّة المركزيّة على أمل أن يأتي يوم – وكلّ آت قريب – يكون فيه المستضعفون الأئمّة والوارثين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد