يكيل كثيرون في العالم العربي تُهم التفريط في الاستقرار للشباب، تحت مسميات كثيرة، منها الاستعجال وعدم الصبر، وربما الطّيش والسّذاجة في فهم الواقع. وهذا للأسف يحمل جزءًا كبيرًا من عدم الإنصاف في تناول أزمة هشاشة الاستقرار في عدد من الدول العربية. كما يتضمّن هذا الطّرح هروبًا من الخوض في جوهر المشكلة بالعودة لأسبابها الحقيقية، والاكتفاء بلوم ضحيّة عن علو صيحات أنين آلامها.

الشباب فعلًا كان محرك مطالب التغيير، لكن هذا السلوك التلقائي الذي يغديه أمل مشروع في غد أفضل، وتبنيه تخوفات من مستقبل لا يبعث واقع يومه على التفاؤل، لم يحمل بالقطع أي نوايا للمساس بسلامة استقرار الأوطان، ولم يؤسس أبدًا على قبول بتدخلات خارجية لم تكن يومًا تحمل نوايا الخير للأوطان عليلة التنمية. شباب اليوم متواصل مع عالمه، مؤمن بقدرته على التفوق والإنتاج، ومتألم لواقع حال دول عربية باتت البطالة فيها مستقبلًا عاديًّا، والرحيل عنها حلمًا لا قبل لمخاطر عبور البحار سرًا بلجم عزيمة تحقيقه. والسؤال الذي يمكن أن نطرحه اليوم أمام هذا التحول الذي طال نوايا البناء ليجعلها مسببًا لتهديد الاستقرار، هو ماذا يمكن أن يقدمه الشباب أنفسهم لاستعادة الاستقرار دون التخلي عن مشروع الترقي الذي فشلت صيغة الربيع العربي في بناء أولى لبناته؟

أول الحلول هو الاستثمار في الإبداع وتنمية المواهب، وهذا اليوم ممكن، وتضمنه عولمة المعرفة. المعرفة الذاتية قادرة على سد الخلل الذي طال تعليمنا، إذ تكفي الإرادة واعتماد نماذج النجاح العالمية أمثلة لتنمية القدرات الفردية في أي من مجالات الإبداع العلمي والفني. عولمة سوق المواهب تضمن كذلك للجميع يسر تغيير المكان بمجرد بزوغ القيمة في إنتاجه، وهذا نفسه يجعل الأوطان في حدودها الجغرافية لا تضاهي حدود طموحات النجاح. البحث العلمي مثلًا، بات حقلًا عالميًّا مفتوحًا، الكفاءة فيه واضحة المعايير، وتقييمها لا يرتبط بالمكان، ولكن بالقدرة على الإنتاج وحجم شغف التّحصيل. كما أنّ فكر التعلّم المعيشي الذي لا يحمل من الأهداف غير ولوج سوق الشغل، هو في طريقه لفسح المجال أمام أهميّة الاستماع لصوت الموهبة أيًّا كان مجالها، يدعمه في ذلك قصص النّجاح العالمية التي ترفع الموهبة والتّفاني في تنميتها فوق كلّ شهادة.

الجزء الثاني من الحل يقوم على مراعاة حقيقة أن الغالبية ممن ألفوا جمود الأوضاع لسنين غير مستعدة لتغيير جذري، يدفعون ثمنه من فقدان الاستقرار الاجتماعي، فبالأحرى السياسي. وبالتالي فاعتماد التدرج في تحصيل المكتسبات قد يضمن تقدمًا دون المساس بالاستقرار. وهنا تُطلب الليونة كذلك من القائمين على السياسات العمومية، وهم مطالبون بالتفاعل الإيجابي مع ما هو ممكن ويسير التنزيل. مبدأ التركيز على مطالب الإصلاح في ظلّ الاستقرار يظلّ الأنسب للمنطقة العربية، بعد أن أتبتث وقائع السنين الأخيرة أن الرغبة في صياغة التغييرات الجذريّة غالبًا ما تحمل من الدّماء سعرًا كبيرًا، ودون أي ضمانات ببلوغ تقدّم نحو المنشود، بل وتحمل خطر التراجع نحو الأسوأ. كما أنّ تجارب ربيع العرب أثبتت أن آليات التّغيير معقدّة، وتتجاوز حدود بلدانها لتفرض ضرورة فهم الحسابات الجيوسياسية العالمية، قبل السعي نحو البناء بكل حريّة، وهذا طبعًا يتطلّب تخطيطًا أساسه نضج الفكر.

شباب اليوم هم من سيقودون مسيرة الغد في البناء بحكم قانون الحياة، وسيصلون قريبًا إلى إمكانية تنزيل رؤيتهم للإصلاح على أرض الواقع بأيديهم. هذه الحقيقة تجعل الأولوية الأسلم والأكثر منطقية وواقعية، هي التركيز في صياغة الشق الفكري لطبيعة الإصلاح الذي يريدونه، وشكل الأوطان التي يحلمون بها منذ الآن، عبر تنمية ثقافة الحوار البنّاء، وتأمل نماذج البِناء العالمية، والتسلح بالصبر الذي يدفع الأيام في هدوء نحو تغيير حتمي، مسؤوليتنا جميعًا أن نقوده بأقل خسائر ممكنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد