تقول اللغة في معنى كلمة «الصفقة» أنها تعني عقد البيع، هذا ما تعنيه كلمة صفقة، مفردةٌ اقتصادية المعنى، وتجارية الاستخدام، وضعت إلى جانب لفظ القرن، القرن كما يحلم به الرئيس الأمريكي أن يكون، بدلالةٍ زمانية أو مكانية، ليتشكل مصطلح «صفقة القرن» ويزج به إلى عالم السياسة، وتتداوله وسائل الإعلام، لتبتهج به إسرائيل، وينتكب الشعب الفلسطيني به أو ينتكس، سيان ما قلنا.

المصطلح الذي يحيل إلى التبادل التجاري بين شريكين، يظهر فلسطين وكأنها قطعة أرضٍ يتلقفها ترامب بخلفيته العقارية، والقائمين على صياغة الرؤية: من صهره جاريد كوشنر رجل الأعمال والاستثمارات، وصبي قهوته: آفي بيركوفيتش، إلى جيسون جرينبلات محامي العقارات، وديفيد فريدمان محامي ترامب الخاص بقضايا الإفلاس، الذين يشتركون جميعًا في يهوديتهم، وولائهم المطلق لدولة إسرائيل.

وفي مؤتمرٍ يتجاهل قضيةَ شعب واحتلال أرض، يعلن الرئيس الأمريكي تسليم هذا «العقار» لرئيس الوزراء الإسرائيلي: بنيامين نتنياهو، بصفته ممثلًا عن دولةِ استعمارٍ استيطانيةٍ إحلالية، مقابل 50 مليار دولار ثمنًا للأرض، يقول بأنها ستدفع للفلسطينيين.

ترامب.. صاحب السبق

لقد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما لم يفعله الرؤساء الأمريكيين من قبله، فإن كنا لا نستطيع إنكار انحياز الإدارات الأمريكية السابقة لدولة إسرائيل، لارتباطاتٍ سياسية واقتصادية ودينية وثيقةٍ فيما بينهما، إلا أنه وبقراءة المبادرات الأمريكية الماضية (مبادرة وليام روجرز، مبادرة بريجنسكي، مبادرة رونالد ريغان، مبادرة جورج بوش الأب، خارطة طريق جورج بوش الابن، مسار جون كيري لإعادة إحياء عملية السلام) نلمس في سياسات الرؤساء الأمريكيين السابقين محاولة إنصاف الفلسطينيين في مخططاتهم لإدارة الصراع، وإن كان إنصافًا على استحياء.

أما ترامب فإنه يقفز في رؤيته عن كل ما سبق قفزةً نوعية، بانحيازه الكامل والمطلق لدولة إسرائيل، وغَضِّه بصره عن مأساة الشعب الفلسطيني بأكمله، بل لا تعدو فلسطين في نظره أكثر من كونها قطعة أرض يتاجر بها أو يساوم عليها، رغبةً في تحقيق مصالحه الشخصية المنسجمة والمتداخلة مع مصالح اليمين الإسرائيلي.

مقترحات إسرائيلية سابقة

لا يعدُّ مشروع الصفقة مقترحًا إسرائيليًا جديدًا، فما أعلنته الإدارة الأمريكية في مبادرتها، قد تم الإشارة إليه مسبقًا في عددٍ من المشاريع الأمنية الصهيونية للتسوية السياسية، ومن هذه المقترحات:

-مشروع إيجال آلون 1967 (الحد الأقصى من الأرض، والحد الأدنى من العرب).

-مشروع جيورا آيلاند 2004 (البدائل الإقليمية لحل الدولتين).

-مشروع يوشع بن آريه 2013 (تبادل أراض ثلاثية).

-خطة أفيجدور ليبرمان للسلام (ضم الأراضي المأهولة).

وتعتمد فكرة هذه الرؤى بالأساس على التوسع الاستيطاني، وضم المزيد من الأراضي لإسرائيل، والتخلص من اللاجئين الفلسطينيين من خلال توطينهم في الأماكن التي هاجروا إليها.

بنود الصفقة

بالانتقال من التنظير إلى الواقع، نجد أن الخطوط العريضة للصفقة قد طُبقت بالفعل قبل موعد إعلان الصفقة، بدءًا من نقل السفارة الأمريكية للقدس بتاريخ 14 مايو 2018، بعد اعتراف ترامب بالقدس الشرقية والغربية عاصمةً لإسرائيل، ضاربًا بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية التي تكفل للفلسطينيين حق إقامة دولتهم على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مرورًا بقرار وقف تمويل الأونروا في 31 أغسطس 2018، مما يعني تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، والضغط الاقتصادي عليهم للقبول بالحلول الاقتصادية والإغاثية التي يرتئيها ترامب مناسبةً بما يتفق ومصلحة اليمين الصهيوني، إضافةً إلى إعلان وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، شرعنة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وعدم اعتبارها مخالفة للقانون الدولي، وصولًا إلى إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في تاريخ 10 سبتمبر 2018، بحجة أن المنظمة لا تخطو خطوات جادة في المفاوضات مع إسرائيل، وعقابًا لها على محاسبة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية.

الجانب الاقتصادي في الصفقة

يتمثل الشق الاقتصادي في ورشة المنامة التي عقدت في البحرين بتاريخ 25 يونيو 2019 تحت شعار: «السلام من أجل الازدهار»، وأشرف عليها صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، حيث وضع الخطوط العريضة للمسار الاقتصادي الذي يرسمه على أنه حل للقضية الفلسطينية، عبر جمع استثمارات بقيمة 50 مليار دولار من الدول المشاركة على مدى 10 أعوام، لدعم التنمية الاقتصادية في المنطقة، مهمشًا وبشكلٍ تام جوهر الصراع السياسي.

وما بقي من تفاصيل، فهي تبعاتٌ سلبية وآثارٌ وخيمة تترتب على هذه الخطوات، من قبيل الاستثمار في البنية التحتية، وبناء الفنادق والمطاعم وتشجيع السياحة، ودعم التعليم المهني والتقني وتعزيز الحوكمة، وما كان الإعلان رسميًا عن الصفقة سوى لإضفاء الطابع الشرعي على هذه الممارسات المطبقة بالفعل، والتي تعمل على إدارة الصراع، بتحويل القضية الفلسطينية إلى قضيةٍ إنسانيةٍ إغاثيةٍ بحتة، ونزع أي سمةٍ سياسية للحق الفلسطيني، مما يهدف إلى تصفية القضية الوطنية، وطمس الهوية الفلسطينية.

لماذا الآن؟

أما السؤال عن سبب الإعلان عن الصفقة في هذا الوقت تحديدًا، بعد ترويجٍ للصفقة وتسريبٍ لنصوصها، دام ما يقارب العامين عبر وسائل الإعلام الأجنبية والعربية، فهو المأزق الانتخابي لطرفي الصفقة ترامب-نتنياهو، إذ يواجه الأول مساءلةً قانونية بتهمة استغلال السلطة، وانخفاضًا ملموسًا في قاعدته الشعبية نتيجة ممارساته السياسية، مما يجعله بحاجةٍ ماسة إلى دعم اللوبي الصهيوني له لا سيما قبل الانتخابات الأمريكية القادمة. أما الآخر فهو متهمٌ بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، عدا عن إخفاقه في تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التي أجريت مرتين العام المنصرم، وهو بصدد الدخول في الانتخابات في شهر مارس 2020 للمرة الثالثة، ويكأن المتاجرة بقضية الفلسطينيين أمست طوق النجاة لكلٍ منهما.

الموقف العربي

تعلن الصفقة وسط أجواء من الدبلوماسية العربية المخزية، إذ تنشغل الدول العربية بهمومها الداخلية وقضاياها البينية، فلم يقتصر موقفها على تجاهل القضية الفلسطينية أو حتى الوقوف على الحياد، بل ارتكبت بحقها ما هو أفظع من ذلك، فالتطبيع على أشده، وهرولة الأنظمة السياسية العربية إلى دولة الاحتلال في تزايدٍ مستمر، وهذا ما ينبئ عن المواقف الرسمية للدول العربية بخصوص رؤية ترامب، إذ حضرت كل من دولة الإمارات، وسلطنة عمان، والبحرين مؤتمر إعلان الصفقة، وتحولت أبواق الإعلام المصري من رفض الصفقة وتسميتها بالصفعة، إلى الترحيب بها وتسميتها بـ«خطة السلام الأمريكية»، كما يواصل الذباب الإلكتروني السعودي شيطنة الفلسطينيين، واتهامهم ببيع أرضهم وتسليمها.

لقد شكل هذا كله بيئةً مواتيةً جدًا للإدارة الامريكية إعلان الصفقة في هذا الوقت، حيث ضمنت عدم وجود ردات فعلٍ مقاومةً للصفقة أو معارضةً لها، خلا إدانةٍ لجامعة الدول العربية في خطابٍ اختتمت فيه جلستها، لا يسمن ولا يغني من جوع.

الموقف الفلسطيني

لم يتوان الفلسطينيون عن إعلان رفضهم الصفقة، فعلى المستوى الرسمي، أجمعت الفصائل الوطنية كافة على عدم قبولها، وفي كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، افتتح المؤتمر بقوله: القدس ليست للبيع، وحقوق الشعب الفلسطيني ليست للبيع، وصفقتكم المؤامرة لن تمشي. وعلى المستوى الشعبي، خرجت المسيرات والمظاهرات الشعبية في مختلف المحافظات، مرددةً الشعارات التي تعبر عن موقف الشعب الفلسطيني الرافض لرؤية ترامب-نتنياهو، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نحول هذا الرفض الكلامي والاحتجاج الخطابي، إلى مخططاتٍ عمليةٍ واستراتيجياتٍ واقعية تمنع مرور هذه الصفقة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد