في قمة «العزم والتضامن» حضر العرب وغابت الأمة العربية عن اجتماعها السنوي الثلاثين في العاصمة التونسية 2019، حضورًا ليس فيه أكثر من إحياء عادة حميدة قيل أنها تحمل هدفا نبيلًا «لخدمة الأمة العربية ووحدتها».

أشتات أمة شدّت الهمم إلى تونس لتجديد اللقاء وتقييم ما كان قد اتفق عليه قبل عام في الرياض، قمة هيأت كامل التهيئة لاستقبال الاتحاد العربي في وصلها ما تناثر منه، ليحضرها السودان في شخص الفريق أول ركن محمد أحمد بن عوف النائب الأول للرئيس السوداني الفارّ من العدالة الدولية بتهمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب بالبلاد، تاركًا خلفه سودان يعيش وقع ثورة شعبية لم تخمد نيرانها بعد.

قطر كذلك التي تعاني حصارًا منذ جوان 2017 من أخواتها دول الخليج وبعض الدول الأخرى، يحضر ذلك البلد المغضوب عليه ليشهد أمام العرب جميعًا أنّه قد جاء اليوم الذي نسي فيه العرب أنهم إخوة، جنبًا إلى جنب مع الإمارات والسعودية التي يحل موكبها على القمة في شخص ملكها العاهل سلمان بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين وراعي الدين والأمة وصاحب الجلالة والفخامة والسيادة والسمو وحارس مبادئ حرية الرأي والصحافة والتعبير داخل المملكة وحتى خارجها بكلّ ما أوتي من سلاح.

وفلسطين الثكلى التي لا تغيب هي ولا قضيتها عن قممنا العربية يومًا، تأتي هي الأخرى ململة الجراح وتجرّ أذيال الخذلان لتشارك في جمع أسرة الجامعة العربية التي طالما هلّلت بشعار «التشاور والتعاون قلبٌ واحدٌ ويدٌ واحدة».

أما ليبيا التي تعاني حربًا أهلية دامية، سبع سنوات من الكر والفر بين مقاتلين برواتب حكومية وسط تصعيد عسكري بدعم خارجي وسباق بين قوات حفتر وحكومة السراج، فيضعها هذا الأخير جانبًا ويلتحق بمؤتمر العرب للمساهمة في البحث عن سبل إحلال السلام في العالم العربي المنكوب.

تصل العراق مُحمّلة بجراح الانقسامات والحرب الداخلية، كاتمة نواح أهالي الموصل ورعد دبابات البشمركة وصوت الأكراد ويتامى بغداد، وما تعانيه من ضعف في البلاد وهدف رئيسها وممثلها في القمة برهم أحمد صالح الأوحد هو العمل كذلك على تحقيق السلام في العالم العربي.

ولا قمة من دون اليمن التي تدور على أراضيها رحى حرب بالوكالة بين الرياض وطهران خلفت مجاعة وفقرًا وتهجيرًا في ذلك البلد غير الأمين، عبد ربه منصور هادي يصل أيضًا إلى القمة لينوب أهل اليمن وأطفال اليمن وأطياف اليمن المتناحرة أمام مجلس العرب الباحث دومًا عن إحلال السلام المنشود في العالم العربي.

جارنا العتيد الجزائر وقد شارفت المظاهرات الشعبية في البلاد على جمعتها السادسة طلبًا لتغيير النظام الحاكم وبحثًا عن بديل ديمقراطي أوّل شرط فيه “زعيم تخوّله صحته إلى القيام بمهامه الرئاسية، فيغيب بوتفليقة لينوبه هو أيضًا رئيس مجلس الأمة الجزائري عبد القادر بن صالح.

أما مصر التي لعبت عنصر المباغتة في اللحظة الأخيرة يصل عبد الفتاح السيسي أخيرًا إلى العرس السنوي عازمًا هو الآخر على ضرورة إحلال السلام في المنطقة العربية، وليس فقط ذلك؛ بل مناشدًا للحريات والحقوق والأمن والأمان الذي كثيرًا ما تفتقده دولة القومية والعروبة ومؤسسة القمة العربية مصر.

كرسي سوريا الفارغ يُذكّر بحاضرها الأليم، وهي التي لم تتلق دعوة رسمية من قبل جامعة الدول العربية التي علقت عضوية دمشق عام 2011، فيبقى مكانها الفارغ في القمة يتضرع هو الآخر ويصلي أملًا في السلام، ممثلًا الملف السوري في جدول أعمال المؤتمر، الذي يطرح نفسه بقوة هذه المرة عقب نحو أسبوع من توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مرسومًا يعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

قمة غلبها طابع المفارقة والنفاق، دول تبدّد الأمن فيها وانقطعت علاقات الجوار وصار فيها الفقير أفقر، والغني باع الأخوة ودعا العدو إلى عقر الدار، عربان تنفق اليوم مالًا وجهدًا بحثًا عن السلام في عالمها العربي، أمّا السلام فعلى روح من يزال جاره جائعًا وهو لا يبعد عن داره سوى بضعة أمتار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد