ورد في الأثر، أن جماعة من العرب كانوا مسافرين في إحدى الوديان، وحين شعورهم بالتعب من السفر قرروا نصب خيمتهم في مكان في الوادي بالقرب من الجبل، وبينما هم جالسون يتناولون القهوة، شاهدوا بعض الرمال والحجارة الصغيرة تتساقط من الجبل من فوق، شعر جميع الجالسين بالخوف الشديد ظنًا منهم أن خطرًا قادمًا، أو زلزالًا أو بركانًا، ونهض الجميع مسرعين من المكان وقاموا بمراقبة الجبل جيدًا.

وبعد قليل خرج من أحد الجحور في الجبل فأر، وفر أمامهم مسرعًا في الجانب الآخر من الوادي، فضحك الجميع، وعندئذ قال شيخ ممن كانوا معهم: (تمخض الجبل فولد فأرًا). وأصبحت تلك الجملة التي قالها الشيخ الكبير مثلًا شهيرًا جدًا تناقلته الأجيال فيما بعد عبر الأزمنة.

يذكر هذا المثل إثر الاجتماعات الرسمية العربية وخاصة إذا تعلق الأمر بالقمم العربية نظرًا للحصائل الهزيلة لهذه القمم مقارنة بانتظارات الشعوب.

تتوجه الأنظار يوم 31 مارس (أذار) الجاري إلى تونس أين تنعقد الدورة الثلاثون للقمة العربية، اختلفت التقديرات حول أهمية هذه القمة بين مراهن عليها بالعودة إلى القضايا المطروحة و السياقات الإقليمية والدولية التي ستجري فيها مؤملين أن يتمخض الجبل فيلد جملًا، وبين يائس منها نظرًا لما ارتبط بمسار الجامعة العربية من خيبات وفشل متخوفين من أن يتمخض الجبل فيلد فأرًا كالعادة.

القمة العربية تاريخيًا

تاريخ القمم العربية

يعود تاريخ عقد أول قمة عربية إلى سنة 1946 بالقاهرة بعد سنة من تاريخ التصديق على ميثاق إنشاء الجامعة العربية في 22 مارس د 1945، كان الهدف من إنشاء الجامعة العربية إيجاد كيان يدافع على استقلال الدول العربية ويحافظ على السلام والأمن بين هذه الدول ويحقق مزيد التنسيق بينها واتفقت البلدان المؤسسة على:

التشاور والتعاون والعمل قلبًا واحدًا ويدًا واحدة من أجل ما فيه خير بلاد العرب جميعا وضرورة العمل بكل الوسائل الممكنة لمساعدة الشعوب العربية التي لا تزال تحت الحكم الأجنبي لكي تنال حريتها وتبلغ أمانيها القومية بحيث تصبح أعضاء فعالة في أسرة جامعة الدول العربية وفي منظمة الأمم المتحدة.

نظمت جامعة الدول العربية 29 قمة عادية و10 قمم استثنائية، وتعد هذه المرة الثالثة التي تنعقد فيها القمة العربية في تونس بعد قمة 2004 وقمة 1979، لم تكن القمم العربية على مدى فترات انعقادها سوى فرصة لإصدار بيانات التنديد والادانة والشجب أو فرصة للتصارع والتراشق بالتهم بين زعماء العرب حيث لا يذكر أن صدر عن القمة العربية قرارًا يترجم الأهداف التي تأسست من أجله جامعة الدول العربية.

السياقات الإقليمية لقمة تونس

تأتي القمة العربية الثلاثون في سياق إقليمي  متحرك، يتسم بتمزق النسيج العربي، وانتشار الحروب في المنطقة. الدول العربية الكبرى تعيش بدورها جملة من المشاكل فمصر لم يستقر لها حال بعد الانقلاب الدموي الذي قام به السيسي في 3 يوليو (تموز) 2013، وسوريا تعيش إلى اليوم على وقع حرب اندلعت منذ ثماني سنوات لم يتضح بعد مآلاتها وموعد نهايتها.

تعيش بعض دول الخليج العربي وخاصة السعودية والإمارات، منذ اندلاع ثورات الربيع تخوفًا من ان تنتقل عدوى المطالبة بالحرية والكرامة إليها، بما جعلها تتورط في عدة أخطاء، حيث لم تتخلص السعودية بعد من الضغط المسلط عليها بسبب فضيحة اغتيال الصحافي جمال الخاشقجي في السفارة السعودية بتركيا بطريقة وحشية، كما أنها تعاني من ارتدادات جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات التحالف العربي بقيادتها في اليمن، ناهيك عن الحصار اللاإنساني المفروض على قطر.

تعرف الجزائر والسودان كذلك منذ أشهر حركات احتجاجية مشابهة لحركات الربيع العربي سنة 2011، كما أن  الوضع في ليبيا مازال يراوح نفس المكان منذ رحيل القذافي.

تعيش القضية الفلسطينية أيضا، خلال السنوات الماضية،  أسوأ فتراتها، حيث انشغل العالم العربي في السنوات الأخيرة عن القضية الأم بسبب ما تعيشه الأقطار من مشاكل داخلية أضعفت الحاضنة الشعبية العربية للقضية الفلسطينية، وبالإضافة إلى هذا الانشغال يعرف العالم العربي عمليات تطبيع مع الكيان الصهيوني حيث تكرر في الفترات الأخيرة دعوات التطبيع مع العدو الإسرائيلي ومثلت زيارة وفد بحريني للكيان الغاصب واستقبال السلطان قابوس لرئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو أحداث صادمة للعرب وخطوات غير مسبوقة للتطبيع مع العدو.

القضايا المطروحة

شعار القمة العربية بتونس

بالرغم من أنه لم يتم الإفصاح بعد عن جدول أعمال القمة العربية في تونس، إلا أنه من المنتظر أن تنظر هذه القمة كالعادة في تطورات الأوضاع في المنطقة لتخرج بمواقف مشتركة من جملة ما يحدث في مختلف الأقطار، كما يتوقع النظر في خيار عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد تجميد عضويتها في وقت سابق.

أيضًا من المنوقع أن تنظر القمة في وثيقة التضامن العربي ومواجهة التحديات التي أقرها البرلمان العربي والتي تضمنت جملة من النقاط المتعلقة بحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة والتي ورد في مقدمة بنودها ما يتعلق بنصرة القضية الفلسطينية واحترام سيادة الدول العربية ورفض الدعوات الرامية لإسقاط الأنظمة العربية، وعدم النيل من القادة والرموز العربية.

كما يمكن أن تنظر القمة في مقترح إصلاح هيكلي للجامعة العربية بغاية تطوير آليات عملها وتحقيق نجاعة أكثر لأنشطتها.

القرارات المتوقعة

من المنتظر أن تدور هذه القمة تحت ضغط الشارع التونسي المعبئ بمقولات الثورة، فحق لنا أن نحلم بقرارات ثورية تصدر عن قادة العرب، وحق علينا أن نأمل في خيارات حكيمة تخرج من قمة العرب فننتظر أن يصدر عن القمة بيان ختامي يتبنى مطالب الشعب العربي في الحرية والديمقراطية والكرامة ويدعم المقاومة الفلسطينية وينهي الحصار المفروض على غزة ويشدد على حق العودة وتحرير فلسطين.

من حقنا أن نحلم أيضًا بأن يصدر عن هذه القمة اعلان وحدة عربية صماء لمواجهة المتربصين بالأمة و تحقيق التكامل الاقتصادي بين أقطار المنطقة يضمن للشعوب كرامة العيش ويحميها من أشكال الاستعمار الحديث التي تهددها.

فحتى نكون واقعيين ونظرًا لأن فاقد الشيء لا يعطيه فلن يكون البيان الختامي الصادر عن هذه القمة سوى تكرار لنفس اللغة الخشبية التي عودنا بها  ولن يتقرر غير دعم الدكتاتوريات الجاثمة على صدور شعبنا العربي منذ عقود عبر تبني ما أقره البرلمان العربي في وثيقة التضامن العربي ومواجهة التحديات كما يرجح اتخاذ قرار إعادة سوريا إلى الجامعة العربية

بالنسبة للمواقف الخارجية لن يصدر عن القمة العربية غير مواصلة استهداف تركيا وإيران، أما في علاقة بالقضية الفلسطينية فستقر القمة كعادتها إعلان دعم للقضية الفلسطينية والتنديد بالانتهاكات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية، وسيترجم هذا الدعم عبر مزيد التضييق على المقاومة واتخاذ إجراءات تهدف إلى مزيد من التطبيع مع العدو الصهيوني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد